لقاء القدر
همسات الماضي وصخب الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
عادت فاطمة إلى غرفتها، وقلبها يعتصر ألماً. لم يكن لقاء خالد هو الوحيد الذي شغل تفكيرها، بل كان هناك همسٌ قديم، ذكرىٌ دفينة، بدأت تنبعث من تحت رماد السنين. كانت تلك الذكرى تتمثل في وجهٍ مألوف، وعينين تحملان لمعاناً غريباً.
بعد اللقاء الشرعي، وقبل أن تتناول عائلة خالد طعام العشاء، أصرت السيدة ليلى على أن تقوم فاطمة بجولةٍ سريعة في حديقة منزلها. كانت فاطمة قد زارت بيت جدها في الأقصر مراراً، لكن هذه الزيارة كانت مختلفة. كانت تشعر بأنها في مكانٍ مألوف، لكنها لم تستطع تحديد السبب.
وبينما كانت تسير بين أشجار النخيل، والورود المتسلقة، لمح بصرها شاباً يقف على مسافةٍ بعيدة، بالقرب من الساقية القديمة. كان يرتدي ملابس بسيطة، لكنه كان يتمتع ببنيةٍ قوية، ووقفةٍ توحي بالثقة. عندما رفعت عينيها لتحدق به، رفعت عيناه هو الآخر، وبدت عليه علامات الدهشة.
كانت لحظةً قصيرة، لكنها تركت أثراً عميقاً في نفس فاطمة. لم تستطع تحديد هويته، لكنها شعرت بأنها تعرفه، وأن هناك شيئاً ما يربطها به.
"من هذا الشاب يا خالتي؟" سألت فاطمة السيدة ليلى، بصوتٍ خافت، وهي تشير بإيماءةٍ خفيفة.
ابتسمت السيدة ليلى. "هذا يا ابنتي، خالد، ابن عم خالد، الذي نحتفل بخطوبته. إنه يعمل معنا في المزرعة. شابٌ مجتهد، وقليل الكلام."
"ابن عم خالد؟" تكررت الكلمة في ذهن فاطمة. كان ذلك يعني أن اسمه أيضاً خالد. لكنه كان مختلفاً. كان مختلفاً في كل شيء.
لم تعد فاطمة قادرةً على التركيز. كانت عيناها تبحثان عن ذلك الشاب، دون وعي. وعندما التقتهما، مرةً أخرى، لمحته يبتسم ابتسامةً خفيفة، ابتسامةً لم تكن تحمل أي تظاهر، بل كانت تبدو صادقةً وعفوية.
ثم، حدث ما لم يكن في الحسبان. بينما كانت العائلة تتناول العشاء، جاء أحد الخدم ليخبر السيد أحمد بأن هناك شاباً يطلب رؤيته. خرج السيد أحمد، ثم عاد بعد قليل، وبدت على وجهه علامات الاستغراب.
"هذا يا جماعة، خالد، ابن عم خالد." قال السيد أحمد، مخاطباً الضيوف. "جاء ليبلغني خبراً مهماً."
كانت هذه هي الفرصة الثانية. اقترب خالد، ودخل إلى غرفة الطعام. كانت نظرات الجميع موجهة إليه. ثم، نظر إلى فاطمة، وبدت عيناه تحملان شيئاً أعمق من مجرد نظرةٍ عابرة.
"أيها العم أحمد،" بدأ خالد، بصوتٍ هادئٍ ولكنه يحمل قوةً، "أتيت لأخبركم بأنني أريد أن أتقدم لخطبة السيدة فاطمة."
صدمةٌ عارمةٌ سادت المكان. سقطت بعض الكؤوس، وتناثرت الحلويات. نظرت عائلة فاطمة إلى بعضها البعض في ذهول. نظرت عائلة خالد إلى خالد في استغراب.
"ماذا تقول يا خالد؟" سأل السيد أحمد، بصوتٍ مرتفع. "أنت تعلم أننا هنا لخطبة خالد، ابننا."
"أعلم ذلك يا عمي." قال خالد، بهدوء. "ولكن، عندما رأيتها اليوم، وشعرت بها، عرفت أن قلبي اختارها. وأن هذه فرصةٌ لن تتكرر."
شعرت فاطمة بأن قدميها لم تعدا تحملانها. كان هذا ما كانت تخشاه، وهذا ما كانت تتوقعه. كان هناك شعورٌ غريبٌ يراودها، شعورٌ بأن هذه الصدفة، أو هذا القدر، يحمل في طياته معنىً أعمق.
نظر والدها، الحاج محمود، إلى فاطمة، ثم إلى خالد. كانت عيناه تلمعان ببريقٍ غريب. "يا خالد، هذا أمرٌ جلل. هل أنت متأكدٌ من كلامك؟"
"بكل تأكيد يا عمي." أجاب خالد. "أنا رجلٌ لا يلعب بمشاعر النساء، ولا يتلاعب بأعراضهن. إذا كانت السيدة فاطمة موافقة، فأنا مستعدٌ لتقديم كل ما يلزم، والزواج بها في أقرب وقت."
ثم، تقدم خالد بخطواتٍ قليلة، ونظر إلى فاطمة مباشرةً. "يا سيدة فاطمة، أنا أعلم أن هذا قد يكون مفاجئاً. ولكن، شعرت بشيءٍ تجاهكِ لا أستطيع أن أشرحه. شعرت بأنكِ نصفٌ مفقودٌ مني. إذا كان قلبكِ يرتاح لي، فليكن. وإذا كان لا، فلن أجبركِ على شيء."
كانت كلماته صادقة، وصريحة. لم تكن تحمل أي تظاهر، بل كانت تنبع من أعماق روحه.
نظرت فاطمة إلى خالد، ولم تستطع أن تخفي دهشتها. كانت تلك النظرة التي رأتها في عينيه، كانت تحمل ذلك الدفء الغريب، تلك الثقة، تلك الصدق.
"أنا… أنا لا أعلم ماذا أقول." قالت فاطمة، بصوتٍ متقطع. "لقد حدث كل شيءٌ بسرعةٍ فائقة."
"لا عليكِ يا ابنتي." قال والدها، الحاج محمود. "خذي وقتكِ في التفكير. هذا قرارٌ كبير."
نظر السيد أحمد إلى ابنه، ثم إلى خالد. بدا عليه الاستياء. "يا خالد، لقد اتفقت معك على كل شيء. لماذا تفعل هذا؟"
"لأنني رأيت في فاطمة ما لم أره في غيرها يا أبي." قال خالد، بثبات. "ولأنني أشعر بأنها هي المرأة التي أريدها."
في هذه اللحظة، تدخلت السيدة ليلى، والدة خالد، وحاولت رأب الصدع. "يا أحبتي، يبدو أن القدر قد أراد لنا أن نكون في هذا الموقف. لدينا الآن شابان، وكلاهما يحمل اسم خالد، وكلاهما يطلب يد السيدة فاطمة."
ثم نظرت إلى خالد، ابنها، وقالت، "يا بني، أنت تعلم أننا قد وعدنا عائلة الحاج محمود. وأننا قد اتفقنا على ترتيباتٍ معينة. كيف لنا أن نتراجع عن وعدنا؟"
"ولكن يا أمي،" قال خالد، "أنا أحبها. وأنا أرى أنها مناسبةٌ لي. هل نتركها تتزوج رجلاً لا تشعر معه بأي قرب، لمجرد أننا وعدنا؟"
كانت فاطمة تستمع إلى الحوار، وقلبها يتأرجح بين المشاعر. شعرت بأن هناك تياراً خفياً يجذبها نحو هذا الشاب الذي اسمه خالد. كان مختلفاً. كان يحمل في عينيه شيئاً لا يمكن تجاهله.
ثم، حدث شيءٌ جعلها تشعر بقشعريرةٍ تسري في جسدها. أثناء الحوار، لفت انتباهها شيءٌ على طاولة الطعام. كانت هناك صورةٌ قديمة، ضمن مجموعةٍ من الصور العائلية. في الصورة، كان هناك طفلٌ صغير، يحمل في يده لعبةً خشبية. كان هذا الطفل يشبه إلى حدٍ كبيرٍ الشاب خالد.
"من هذا الطفل في الصورة؟" سألت فاطمة، وهي تشير إلى الصورة.
نظرت السيدة ليلى إلى الصورة، ثم قالت، "هذا خالد، ابني. كان صغيراً في هذه الصورة."
"ولكن،" قالت فاطمة، وعيناها تتسعان، "إنه يشبه إلى حدٍ كبيرٍ… يشبه خالد، ابن عمك."
بدت على السيدة ليلى علامات المفاجأة. نظرت إلى خالد، ثم إلى ابنها. "نعم، لديهما شبهٌ كبيرٌ في الصغر."
لم تستطع فاطمة إخفاء دهشتها. كيف يمكن أن يكون هناك هذا الشبه؟ هل كان هناك رابطٌ عائليٌ لم تكن تعرفه؟
في هذه اللحظة، اتخذت فاطمة قراراً. لم يكن قراراً مبنياً على العقل وحده، بل على مزيجٍ من المشاعر، والشبه الغريب، والصدق الذي رأته في عيني الشاب خالد.
"أنا…" قالت فاطمة، ورفعت رأسها، "أنا أقبل. أقبل أن يتقدم خالد، ابن عم خالد، لخطبتي."
صمتٌ مطبقٌ ساد الغرفة. نظرت عائلة خالد إلى خالد، وعائلة فاطمة إلى فاطمة. ثم، نظرت السيدة ليلى إلى فاطمة، وبدا على وجهها مزيجٌ من الحيرة، والفهم، والقبول.
"لقد اختارت قلبكِ يا فاطمة." قالت السيدة ليلى، بصوتٍ هادئ. "وهذا ما يجب أن يكون. ولكن، علينا أن نفهم ما الذي يحدث هنا. لدينا الآن عرضان. وعلينا أن نأخذ الأمر بجدية."
كانت تلك اللحظة نقطة تحولٍ حاسمة. كان قرار فاطمة قد فتح باباً لم يكن متوقعاً، باباً كان يحمل معه وعداً، وتحدياً، وربما ألغازاً لم تُحل بعد.