الفصل 2 / 25

لقاء القدر

لقاء على ضفاف النهر

بقلم ليلى الأحمد

كان يوم الغد يحمل معه ترقباً مشحوناً. لم تكن ليلى تعرف كيف سيكون لقاؤها الأول مع الأمير رودريغو. هل سيكون مجرد لقاء رسمي آخر، أم ستكون هناك فرصة لاكتشاف ما وراء هذا العرض الجاد؟ كانت فاطمة قد أعدت لها ثوباً حريرياً أبيض، مطرزاً بخيوط فضية، لتناسب لقاءً كهذا. زينت شعرها ببعض أزهار الياسمين البيضاء، ووضعت عطر الورد الخفيف.

رتب الأمير زيد اللقاء في حديقة القصر المطلة على نهر "دارو". كانت الحديقة واحة من الجمال، تزينها أشجار الرمان والليمون، وتنتشر فيها نوافير المياه الصافية. كان الهواء مليئاً بعبق الزهور، وصوت زقزقة العصافير.

عندما وصلت ليلى، كان رودريغو ينتظرها. كان قد خلع درعه، وارتدى ملابس قشتالية فاخرة، لكنها كانت بسيطة في تصميمها. كان يبدو أصغر سناً، وأقل صرامة مما ظهر في القاعة الرسمية. كان يحمل في يده كتاباً صغيراً.

"مساء الخير، أميرة ليلى،" قال رودريغو بصوت هادئ، وحاول أن يبتسم، لكن ابتسامته كانت متكلفة بعض الشيء. "مساء النور، سمو الأمير،" أجابت ليلى، محاولة أن تبدو طبيعية.

جلسا على مقعد خشبي تحت شجرة كبيرة. ساد صمت قصير، ثم قال رودريغو: "أشكرك على قبول دعوتي للقاء. أعرف أن هذا غير معتاد." "كما قلت، أعرف أن الأمر يتطلب تفكيراً،" قالت ليلى. "وأن أرى من سأشاركه حياتي، إن قدر الله ذلك، هو أمر مهم."

"الأميرة ليلى،" قال رودريغو وهو ينظر إليها مباشرة، "أنا لا أتحدث العربية بطلاقة، ولكنني أتعلمها. وأنا أفهم أن ثقافتك مختلفة عن ثقافتي. ولكن، لدي اهتمام حقيقي بفهمها."

"وما الذي يجعلك مهتماً بفهمها، سمو الأمير؟" سألت ليلى.

"والدي، الملك، هو رجل سياسي. ويرى في هذا الزواج مصلحة لمملكته. ولكنني ... أنا لست مثله تماماً." تردد رودريغو للحظة. "أنا أقرأ. وأحب أن أتعلم عن الحضارات المختلفة. لقد قرأت عن حضارة الأندلس، عن علمائها، عن فنونها. وهي حضارة ملهمة حقاً."

"وهل ما تقرأه يجعل هذا الزواج يبدو لك أكثر قبولاً؟" سألت ليلى ببعض التحدي.

"إنه يجعلني أرى أننا قد نكون أكثر تشابهاً مما نظن،" أجاب رودريغو. "فالرغبة في المعرفة، والتقدير للجمال، والبحث عن الحكمة، هذه أشياء لا تعرف حدوداً."

ثم رفع الكتاب الذي كان يحمله. "هذا كتاب عن الشعر الأندلسي. قرأت بعض القصائد، وهي جميلة جداً."

نظرت ليلى إلى الكتاب. كان كتاباً قديماً، أغلفة جلدية مهترئة. "هل قرأت لابن زيدون؟" سألت.

"ابن زيدون؟ نعم، قرأت عن قصائده لولادة." قال رودريغو.

ابتسمت ليلى ابتسامة حقيقية هذه المرة. "ولادة كانت شاعرة عظيمة. وقصائدها تعكس روح العصر، وشغف الحياة."

"تماماً كما تفعلين أنتِ، أميرة ليلى،" قال رودريغو، وكان صوته يحمل نبرة إعجاب واضحة.

"وكيف تعرف ذلك؟" سألت ليلى.

"من حديث والدكِ، ومن الطريقة التي تتحدثين بها عن العلم والثقافة. لقد أخبرني الكثير عنكِ."

"وماذا أخبرك عني؟"

"أخبرني عن ذكائك، عن شغفك بالكتب، عن حبك للأندلس. وأخبرني أيضاً عن ... حزنك."

كانت كلمات رودريغو مفاجئة. كيف عرف عن حزنها؟ لم تكن تتحدث عنه، ولم تكن تظهره إلا قليلاً.

"لقد فقدتُ الكثير في السنوات الماضية، سمو الأمير." قالت ليلى بصوت خفيض. "والدي لم يستطع تعويضي عن كل شيء."

"أنا أفهم الخسارة،" قال رودريغو. "والدي أيضاً فقد زوجته، أمي، منذ سنوات. وهي خسارة تركت فراغاً كبيراً."

وبينما كانا يتحدثان، شعرت ليلى بشيء يتغير. لم يعد رودريغو مجرد أمير قشتالي، بل أصبح إنساناً له مشاعره، له ماضيه. وكان هو أيضاً ينظر إليها بعينين فيها فضول، وفيها شيء يشبه الفهم.

"هل أنتِ حقاً مهتمة بعلم التاريخ؟" سأل رودريغو. "لقد سمعت أن لديكِ مخطوطات نادرة."

"نعم، لديّ. بعضها يعود لأجدادي. وهي تحمل أسراراً كثيرة عن الأندلس."

"لو سمح لي، هل يمكنني رؤيتها يوماً ما؟"

ترددت ليلى. كانت مخطوطاتها سرها الكبير. لكن فضول رودريغو بدا صادقاً. "ربما. عندما تثق بي، ويمكنني أن أثق بك."

"وأنا أثق بكِ، أميرة ليلى،" قال رودريغو بصدق. "أرى فيكِ ذكاءً وروحاً لا تتواجد في الكثيرات."

بدأت الشمس تميل نحو الغروب، تاركة وراءها ظلالاً طويلة. كان لقاؤهما قد تجاوز التوقعات. لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل كان بداية حوار، بداية فهم.

"الوقت يتأخر،" قالت ليلى. "يجب أن أعود."

"سأكون سعيداً إذا سمحتِ لي بلقاء آخر،" قال رودريغو. "ربما في حديقة المدينة، أو في مكتبتك، إذا سمحتِ."

"سنرى،" قالت ليلى، وهي تشعر بشيء غريب في قلبها. شعور بالراحة، وشيء من الترقب.

عادت ليلى إلى قصرها. كان والدها ينتظرها. "كيف كان اللقاء؟" سأل بقلق.

"لقاء ... مختلف، يا أبي." قالت ليلى. "إنه ليس كما توقعت."

"وهل هذا الاختلاف جيد أم سيء؟"

"لا أعرف بعد، يا أبي. لكنه ... إنساني."

في تلك الليلة، بينما كانت ليلى تتأمل سماء غرناطة، لم تعد تسمع همس الريح فقط. بل سمعت أيضاً صدى كلمات رودريغو، ورأت في عينيه شيئاً جعلها تتساءل. هل يمكن أن يكون الزواج مجرد بداية لشيء أعمق؟ هل يمكن أن يكون هذا اللقاء على ضفاف النهر هو بداية همسة قلب؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%