أنت وحدك الجزء الثاني

ظلال الماضي ورياح الحاضر

بقلم سارة العمري

في بيت الحاج أحمد، كان الهواء مشبعاً بالتوتر الصامت. لم يكن صمت الفرح أو السعادة، بل صمتٌ يسبق العاصفة، صمتٌ يحمل ثقل الماضي ووشوشات المستقبل. جلست ليلى على أريكة غرفة الجلوس، تتأمل انعكاس القمر الباهت على زجاج النافذة. كانت تلك الليلة باردة، كبرودة قلبها الذي بدأ يتجمد ببطء منذ أن ألقت نظرة على تلك الرسالة. رسالةٌ لا تزال تحمل رائحة عطرٍ قديم، عطرٌ أعادتها عشر سنوات إلى الوراء، إلى أيامٍ كانت فيها الفرحة تملأ جنبات قلبها، قبل أن تجد طريقها إلى الألم.

كانت الرسالة مطوية بعناية، وكأنها كنزٌ دفين، أو ربما لعنةٌ دفينة. بخطٍ نسائيٍ رشيق، كتب فيها: "يا نسمة الأمل، يا وردة الحديقة، أتذكرين أيامنا؟ أيامُ البر والضحكات، وأحلامُ المستقبل المشرق؟ لقد مرّت السنين، ولم يزل طيفكِ يلاحقني. أتمنى أن تكوني بخير. زوجي، صديقكِ القديم، عبد الرحمن."

تنهدت ليلى بعمق، شعرت بأن الهواء يختنق في رئتيها. عبد الرحمن. الاسم الذي حاولت جاهدةً أن تمحيه من ذاكرتها، الاسم الذي حمل مع اسمه ألم فراقٍ لم تتعافَ منه تماماً. كانت علاقتهما في شبابهم أقوى من مجرد صداقة، كانت علاقةً تطورت بهدوءٍ نحو ما هو أعمق، ولكن ظروف الحياة القاسية، وظروف والدتها المريضة، أجبرتها على التخلي عن حلمٍ جميلٍ لطالما داعب خيالها. كانت تعرف أن عبد الرحمن قد تزوج، بل وأن لديه أبناء، لكن هذه الرسالة، وهذا التوقيت، أثارا لديها خليطاً من المشاعر المتضاربة. هل هو مجرد تذكيرٍ بالماضي؟ أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك؟

في الجهة الأخرى من المنزل، كان الحاج أحمد يتحدث مع ابنه يوسف. كان يوسف يبدو شارد الذهن، وعيناه مثقلتان بهمومٍ لا يعلم كنهها إلا هو. "يا بني، ما الذي يشغل بالك؟ منذ عودتك من المكتب وأنت على هذا الحال. هل هناك مشكلة؟" سأل الحاج أحمد بصوته الهادئ، محاولاً سبر أغوار قلب ابنه.

نظر يوسف إلى والده، وشعر ببعض الراحة لوجود هذا الرجل الحكيم بجانبه. "لا شيء يا أبي، مجرد ضغوط العمل. تعلم أن مسؤولياتي تتزايد."

"العمل مهم، ولكن صحتك وراحة بالك أهم. لا تنسَ أن الله تعالى خلق لنا هذه الدنيا لتكون معبراً، وليست مستقراً. يجب أن نسعى ونعمل، ولكن لا ننسى أنفسنا." قال الحاج أحمد، واضعاً يده على كتف يوسف. "هل تحدثت مع والدتك حول موضوع خطبتك؟ لقد طال الانتظار. الفتاة التي خطبتها، سلمى، سمعتها طيبة، وعائلتها كريمة. أتمنى أن توافق."

كان ذكر سلمى بمثابة قشةٍ أخرى ألقتها الريح على بحيرة يوسف الهائجة. لقد كان يوسف في حيرةٍ من أمره. كان يشعر بمسؤولية تجاه عائلته، وبخاصةٍ تجاه والده الذي كان يأمل في رؤيته مستقراً وسعيداً. سلمى كانت فتاةً رائعة، ذات أخلاقٍ ودين، ولو كان الأمر بيده وحدها، لكان قد أقدم على الخطبة دون تردد. لكنه كان يشعر بشيءٍ غائب، شيءٌ لا يستطيع تحديد ملامحه.

"أجل يا أبي، تحدثت مع أمي. هي سعيدةٌ بالفكرة." أجاب يوسف، محاولاً أن يبدو طبيعياً. "ولكنني... أحتاج لبعض الوقت للتفكير."

"التفكير في ماذا يا بني؟ هل هناك ما يقلقك بشأن سلمى؟" سأل الحاج أحمد، وشعر بأن ابنه يخفي شيئاً.

"لا، أبداً. سلمى فتاةٌ لا يعلى عليها. ولكن... ربما أنا لست مستعداً تماماً. ربما أحتاج لأن أتأكد أنني سأكون الزوج الذي تستحقه." قال يوسف، متهرباً من الإجابة المباشرة.

لم يكن الحاج أحمد يرضى بالظواهر. كان يعرف أن ابنه يحمل في داخله شيئاً أكبر، شيئاً قد يكون له علاقةٌ بما حدث في الماضي. كان يوسف قد مرّ بتجربةٍ مؤلمةٍ في شبابه، تجربةٌ جعلته أكثر تحفظاً وحذراً في علاقاته.

وفي هذه الأثناء، كانت ليلى قد نهضت من مكانها، متجهةً نحو غرفة والدتها. وجدتها جالسةً على سريرها، تقرأ كتاباً عن أحكام الزكاة. "السلام عليكم يا أمي." قالت ليلى بصوتٍ فيه بقايا من الارتباك. "وعليكم السلام يا ابنتي. تفضلي، ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت؟" ردت والدتها، وهي ترفع بصرها عن الكتاب.

جلست ليلى بجانبها، وأخذت نفساً عميقاً. "أمي، هل تذكرين عبد الرحمن؟ صديق الشباب الذي كنت أحدثكِ عنه؟"

نظرت والدتها إليها بدهشة. "عبد الرحمن؟ نعم، أتذكر. الشاب الهادئ، ذو القلب الطيب. لقد انقطعت أخباركم منذ زمن. هل حدث شيء؟"

"لقد تلقيت رسالةً منه اليوم." قالت ليلى، وهي تمد يدها بالرسالة المتربة. قرأت والدتها الرسالة، ثم رفعت عينيها إلى ابنتها، وعلامات التعجب بادية على وجهها. "هذا غريب. لماذا يراسلكِ الآن بعد كل هذه السنين؟ هل تعرفين سبب هذا؟"

"لا يا أمي، لا أعرف. ولكنها أشعرني ببعض القلق." اعترفت ليلى. "أتذكرين لماذا ابتعدنا؟"

"أجل أتذكر. لقد كان قراراً صعباً عليكِ، ولكنني كنت مريضةً، وكنت بحاجةٍ لمن يرعاني. لقد كان عبد الرحمن شاباً طيباً، ولكن الظروف كانت أقوى منا جميعاً. هل تعتقدين أنه يريد شيئاً منكِ؟"

"لا أعلم. هو ذكر أنه يتمنى لي الخير، وأنه يدعو لي. ولكن... هذا التوقيت، وهذا الحديث عن الأيام الماضية... يشعرني بأن هناك شيئاً." قالت ليلى، وشعرت بأن الدموع بدأت تتجمع في عينيها.

"لا تقلقي يا ابنتي. مادام قلبكِ مع الله، وقلبكِ صافٍ، فلن يصيبكِ سوء. ربما هو مجرد سؤالٍ عن الحال، لا أكثر. تذكري، إن الله مع الصابرين. والأهم من ذلك، أنكِ الآن في بيتِ زوجكِ، وبعلاقةٍ شرعيةٍ لا يعتريها الشك. هذا هو الأمان الحقيقي." قالت والدتها، وهي تربت على يدها بلطف.

شعرت ليلى ببعض الارتياح لكلام والدتها. كانت تعتمد عليها دائماً في أوقات ضعفها. ولكن الرسالة بقيت في يدها، وكأنها تميمةٌ غامضة، تحمل معها عبق الماضي، وربما نذير شؤمٍ أو بشرى خيرٍ غير مفهومة.

خرجت ليلى من غرفة والدتها، ودخلت إلى غرفتها. جلست أمام مرآتها، تتأمل وجهها الشاحب. كانت تتساءل: هل كانت حياتها ستكون مختلفة لو لم تمر بكل هذه الظروف؟ هل كان عبد الرحمن سيكون زوجها؟ وهل كان يوسف سيتزوج سلمى؟ أسئلةٌ كانت تتطاير في ذهنها، بلا إجاباتٍ واضحة.

في تلك الليلة، لم تنم ليلى كثيراً. كانت تراودها أحلامٌ مشوشة، فيها صورٌ قديمة، وأصواتٌ بعيدة، ورسالةٌ تتطاير في الهواء، تحمل معها همساتٍ خفية. أما يوسف، فقد ظل ساهراً في مكتبه، يحاول أن يرتب أفكاره المتشابكة. كلما حاول أن يتجاهل ما في قلبه، عاد إليه، أقوى وأوضح. كان يشعر بأن هناك قوةً تسحبه نحو اتجاهٍ لم يختره، قوةً تتعلق بالماضي، وبأحلامٍ مؤجلة.

في صمت الليل، بدأت ظلال الماضي تتسلل إلى حاضرهم، حاملةً معها تحدياتٍ جديدة، وأسئلةٍ تتطلب إجاباتٍ صادقة، وجسورٍ تحتاج إلى أن تُبنى بحذرٍ على أرضٍ لا تزال تهتز.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%