أنت وحدك الجزء الثاني

لقاءٌ في أروقة الذكريات

بقلم سارة العمري

توالت الأيام، وأخذت رسالة عبد الرحمن مكانها في درج مكتب ليلى، لكن صداها لم يختفِ. كانت بين حينٍ وآخر، تتناثر في أذهانها عباراتها، لتذكرها بأيامٍ ولت، وأحلامٍ تلاشت. شعرت ببعض الارتياح لأنها لم تتسرع بالرد، ولأن والدتها قد طمأنتها. كانت تعلم أن زواجها من يوسف قد تم بتقديرٍ من الله، وأنها تحاول جاهدةً أن تجعل هذا الزواج سعيداً ومباركاً.

في أحد أيام الأسبوع، تلقت ليلى اتصالاً هاتفياً من صديقتها القديمة، سارة. كانت سارة من زميلاتها في الجامعة، ومن أقرب صديقاتها، قبل أن تتزوج وتسافر إلى بلدٍ آخر. "ليلى! يا عزيزتي! كيف حالك؟" صاحت سارة بحماسٍ عبر الهاتف. "سارة! يا لها من مفاجأة! أنا بخير والحمد لله. وأنتِ، كيف حالك؟ وكيف هو حال زوجكِ وأطفالكِ؟" ردت ليلى، وهي تشعر بفرحةٍ صادقة.

"كلنا بخير والحمد لله. جئت إلى المدينة لقضاء بعض الأمور، وفكرت ألا أغادر قبل أن أراكِ." قالت سارة. "هل يمكنكِ أن نلتقي غداً؟ ربما في مكانٍ هادئ؟"

"بالتأكيد! يسعدني ذلك كثيراً. هل تفضلين مقهىً معيناً؟"

"ما رأيكِ في مقهى "نسمة الصباح"؟ إنه قريبٌ من منزلكم، وهو مكانٌ هادئٌ أحببتُه دائماً."

"ممتاز! سأكون هناك في الموعد الذي تحددينه."

في اليوم التالي، وفي المقهى المختار، جلست ليلى تنتظر سارة. كان المكان أنيقاً، مزيناً بالنباتات الخضراء، وأشعة الشمس تتسلل بخفةٍ عبر الزجاج. وصلت سارة، بابتسامتها المعهودة، وعانقت ليلى بحرارة.

"كم اشتقتُ لكِ يا ليلى!" قالت سارة، وهي تجلس أمامها. "وأنا أكثر! أخبريني كل شيء عنكِ."

بدأت سارة تحكي عن حياتها، عن زوجها الذي يعمل طبيباً، وعن طفليها، وكيف كانت حياتها مليئةً بالتحديات والسعادة. ثم سألتها عن حياتها.

"أنا... بخير الحمد لله." قالت ليلى، وبدأت تشعر بترددٍ في الكلام. "زواجي من يوسف يسير على ما يرام. هو رجلٌ طيبٌ ومسؤول."

"جميل جداً! يسعدني ذلك. متى رأيتِ أمه؟ أريد أن أسلم عليها."

"والدتي بخير، ولكنها لا تزال تعاني من بعض الآلام." قالت ليلى، ثم ترددت قبل أن تكمل. "في الحقيقة، هناك أمرٌ يشغل بالي قليلاً."

"ما هو؟ تحدثي، أنا أذنٌ صاغية."

ترددت ليلى، ثم قررت أن تشارك سارة ما حدث، فهي تعرف أن سارة امرأةٌ عاقلةٌ وصادقة. "تلقيت رسالةً من شابٍ كنت أعرفه في الجامعة، اسمه عبد الرحمن. كنا قريبين جداً في فترةٍ ما، ولكن الظروف فرقت بيننا."

نظرت سارة إليها ببعض الدهشة. "عبد الرحمن؟ أتذكر اسمه جيداً. كان شاباً هادئاً ومثقفاً. أين هو الآن؟ وماذا يريد؟"

"لا أدري. رسالته كانت مجرد سؤالٍ عن الحال، وتمنياتٍ بالخير. ولكنها جاءت بعد كل هذه السنين، وشعرت بقليلٍ من الارتباك."

"آه، فهمت. هذا يزعجك؟" سألت سارة، وهي تضع يدها على يد ليلى. "ولكنكِ الآن زوجةٌ لرجلٍ صالح، وهذا هو الأهم. ربما هو مجرد تواصلٍ عابر، لا يقصد به شيئاً."

"هذا ما قلته لنفسي، ولكن... كيف عرف عنواني؟"

"ربما سأل عنكِ؟ أو ربما لديكِ بعض الأصدقاء المشتركين؟"

"هذا ما أفكر فيه. ولكنني لم أخبر يوسف بالأمر."

"لماذا؟"

"لا أعلم. ربما أشعر أن الأمر سيزعجه. أو ربما لا أريد أن أخلق مشكلةً من لا شيء."

"فهمتكِ. ولكن يا ليلى، في الزواج، الشفافية هي الأساس. من الأفضل أن تخبريه. إذا لم يكن هناك شيء، فسيزول قلقه. وإن كان هناك شيء، فهو سيعرف كيف يتعامل معه."

"ربما أنتِ محقة." قالت ليلى، وشعرت ببعض التردد. كانت دائماً تخشى أن تثير قلق يوسف، لأنه كان يمر بظروفٍ صعبة.

في نفس الأثناء، كان يوسف يجلس في مكتبه، ينظر إلى ملفاتٍ متراكمة. لم يستطع أن ينسى حديث والده عن سلمى. كان يشعر بمسؤوليةٍ تجاه رغبات والده، ولكن قلبه كان ينبض بإيقاعٍ مختلف. كان يشعر بأن هناك شيئاً يمنعه من الإقدام على هذه الخطوة.

فجأة، جاءه اتصالٌ من سكرتيرته. "سيدي، السيد عبد الرحمن في الاستقبال، ويريد مقابلتك."

تجمد يوسف في مكانه. عبد الرحمن؟ من هذا؟ هل هو نفس الشخص الذي ربما كانت ليلى تقصده؟ "عبد الرحمن؟ هل تعرفين اسمه كاملاً؟" سأل يوسف، وعلامات الدهشة بادية على صوته.

"نعم سيدي. السيد عبد الرحمن الغامدي."

تجمد يوسف أكثر. عبد الرحمن الغامدي! إنه صديقٌ قديمٌ جداً، من أيام الطفولة، وكان قد انقطعت أخباره منذ سنوات. ولكن ماذا يفعل هنا؟

"ادخليه يا هدى." قال يوسف، محاولاً استعادة رباطة جأشه.

دخل عبد الرحمن إلى المكتب. كان رجلاً في مثل عمر يوسف، يبدو عليه بعض التعب، ولكن عينيه تحملان بريقاً من الذكاء. "يوسف؟ هل أنت يوسف؟" سأل عبد الرحمن، بابتسامةٍ خفيفة.

"نعم، أنا هو. ومن أنت؟" سأل يوسف، وهو يحاول تذكر وجهه.

"عبد الرحمن. عبد الرحمن الغامدي. صديقك من أيام المدرسة الابتدائية."

ذهل يوسف. "عبد الرحمن؟ هل أنت حقاً عبد الرحمن؟ ما شاء الله! لقد تغيرت كثيراً!"

"وأنت كذلك! كيف حالك يا رجل؟"

"بخير، الحمد لله. ولكن... ما الذي أتى بك إلى هنا؟"

"جئت للبحث عنك. لدي أمرٌ مهمٌ أحتاج أن أتحدث فيه معك." قال عبد الرحمن، وجلس على الكرسي المقابل ليوسف. "ولكن قبل ذلك، أريد أن أسألك عن... ليلى."

تجمد يوسف مرةً أخرى. ليلى؟ لماذا يسأل عنها؟ "ليلى؟ تقصد زوجتي؟" سأل يوسف، وهو يشعر بقلبه يخفق بسرعة.

"زوجتك؟" بدا عبد الرحمن متفاجئاً. "ما شاء الله! لم أكن أعرف أنكما تزوجتما. لقد كنت أعرف أنها مرتبطةٌ بشابٍ آخر في الجامعة، ولم أعرف ماذا حدث بعد ذلك."

"لقد مرت سنواتٌ طويلة يا عبد الرحمن. كيف عرفت أنني هنا؟"

"لقد كنت أسأل عنك. لدي قصةٌ طويلةٌ سأحكيها لك. ولكن قبل كل شيء، هل أنت سعيدٌ معها؟"

لم يكن يوسف يفهم شيئاً. ما الذي يحدث؟ "أنا... نعم. هي زوجتي. وهي امرأةٌ صالحة." أجاب يوسف، وعيناه تتفحصان وجه عبد الرحمن بحثاً عن أي إشارة.

"جيد. هذا يريحني. أنا... لم آتِ إلى هنا لمضايقتكم. ولكنني في ورطةٍ كبيرة، وأحتاج لمساعدتك. ولدي أمرٌ يتعلق بـ... ماضيكما." قال عبد الرحمن، وبدأ يشعر بالثقل يتزايد في صدره.

كان يوسف يشعر بأن هذا اللقاء لم يكن عادياً على الإطلاق. كان هناك شيءٌ غامضٌ يحيط بعبد الرحمن، وشيءٌ يتعلق بـ "ماضيهما" وليلى. كانت الرسالة التي تلقتها ليلى، والسؤال الذي طرحه عبد الرحمن، كلها أمورٌ بدأت تشكل لغزاً معقداً.

"ماضيني مع ليلى؟" سأل يوسف، وشعر بأن قلبه يتسارع. "ماذا تقصد؟"

"سأشرح لك كل شيء. ولكن يجب أن تتأكد أولاً، هل أنت حقاً سعيدٌ معها؟ وهل هناك أي شيءٍ بينكما لا يزال يزعجك؟" سأل عبد الرحمن، بجديةٍ بالغة.

لم يكن يوسف يدرك أن مجرد لقاءٍ في مقهى، ومكالمةٍ هاتفية، قد يقودان إلى تعقيداتٍ لم يكن يتوقعها. وأن ظلال الماضي، التي حاول كلٌ منهم أن يخفيها، بدأت تلوح في الأفق، حاملةً معها أسئلةً صعبة، وتحدياتٍ قد تغير مجرى حياتهم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%