أنت وحدك الجزء الثاني

بوحٌ يكشف المستور

بقلم سارة العمري

جلس يوسف وعبد الرحمن في مكتب يوسف، والهواء مشبعٌ بترقبٍ صامت. لم يكن يوسف يفهم تماماً ما يحدث، ولكن أسئلة عبد الرحمن عن ليلى، وعن "ماضيهما"، أثارت لديه شعوراً غريباً بالفضول والقلق في آنٍ واحد. كان يثق بليلى، وكان يعلم أنها زوجةٌ وفية، ولكن تساؤلات عبد الرحمن كانت تزرع بذرة شكٍ صغيرة في ذهنه، بذرةٌ كان يأمل ألا تنمو.

"أنا سعيدٌ مع ليلى، يا عبد الرحمن." قال يوسف، بنبرةٍ فيها بعض الإصرار. "ولكن... ربما لم أفهم تماماً ما تقصده بـ "ماضينا"."

تنهد عبد الرحمن، وبدأ يحكي قصته، مستخدماً لغةً صادقةً ومباشرة. "يا يوسف، كما تعلم، لقد كنت أعرف ليلى قبل أن أعرفك. كنا في الجامعة، وكانت تربطنا علاقةٌ قوية. علاقةٌ تجاوزت الصداقة، وكانت تسير بخطواتٍ نحو الزواج."

كان يوسف يستمع بصمت، وقلبه بدأ ينقبض. لم يكن يتخيل أن ليلى، زوجته، كانت قد عاشت مثل هذه القصة. "ولكن... ثم جاءت الظروف. مرض والدة ليلى، وحاجتها لرعايةٍ مكثفة. لقد كان عليها أن تتخذ قراراً صعباً، قراراً كان يعني التخلي عن حلمٍ كان يجمعنا."

"هل... هل كانت تحبك؟" سأل يوسف، بكلمةٍ ضعيفة.

"بالتأكيد! لقد أحبتني كثيراً، وأنا أحببتها. كنا نتشارك الأحلام، ونتحدث عن مستقبلٍ جميل. ولكن الحياة، يا يوسف، لا تسير دائماً كما نريد. لقد كانت ليلى فتاةً مسؤولةً جداً، ولم تستطع أن تهمل واجبها تجاه والدتها."

"وماذا فعلت؟"

"لقد اختارت رعاية والدتها. وطلبت مني أن أنساها، وأن أعيش حياتي. كان ذلك مؤلماً جداً، ولكنني احترمت قرارها. حاولت أن أنساها، ثم تزوجت، وأنجبت أبنائي."

"ولماذا تراسلها الآن؟" سأل يوسف، وبدأ يشعر بالغيرة تلوح في الأفق.

"هذا ما سأشرحه لك. لقد علمت مؤخراً أنني مصابٌ بمرضٍ خطير، ولدي وقتٌ محدود. قبل أن أرحل، لديّ أمانةٌ أحتاج أن أوصلها. لديّ شيئاً سلمه لي والد ليلى قبل وفاته، وكان قد طلب مني أن أسلمه لليلى عندما أجدها في وضعٍ مستقر. لقد عرفت أنها تزوجت، ولكنني لم أكن أعرف من هو زوجها. ظننت أنني سأجدها في وضعٍ يسمح لي بالتواصل معها بشكلٍ طبيعي، وسأشرح لها الأمر. ولكن معرفتي بأنها زوجتك... قد غيرت كل شيء."

"ما هي الأمانة؟" سأل يوسف، وعيناه تتجهان نحو باب مكتبه، وكأنه يتوقع أن تظهر ليلى في أي لحظة.

"إنها... رسالةٌ، وبعض المقتنيات الصغيرة. لقد كانت والدتها تعاني من مرضٍ مزمن، وكان والد ليلى قد احتفظ بهذه الأشياء من أجلها، ربما ليومٍ تحتاج فيه ليلى لتذكرها، أو لتفهم شيئاً ما." قال عبد الرحمن، وبدا عليه التأثر.

"ولكن لماذا لم تسلمها لوالدتها؟"

"لم تسنح لي الفرصة. لقد كان المرض يداهم والدتها بسرعة، ثم اختفت ليلى عن الأنظار لفترةٍ طويلة بعد وفاتها. لم أكن أعرف أين هي."

"وهل أنت متأكد أن والدتها... والدة ليلى، قد أذنته بذلك؟" سأل يوسف، بشكٍ واضح.

"بالتأكيد. لقد كان والد ليلى رجلاً صالحاً، وكان يحب ابنته كثيراً. لقد أخبرني أن هذه الأمانة يجب أن تصل إلى ليلى في الوقت المناسب."

فكر يوسف ملياً. إذا كان كلام عبد الرحمن صحيحاً، فهذا يعني أن الأمر لا يتعلق بعلاقةٍ عاطفيةٍ بينه وبين ليلى، بل يتعلق بموضوعٍ آخر، ربما يتعلق بوالدة ليلى. ولكنه كان لا يزال يشعر بالتردد. لماذا لم تخبره ليلى بكل هذا؟

"ولكن... لماذا لم تخبرني ليلى بكل هذا؟" سأل يوسف، بلهجةٍ فيها بعض العتاب.

"ربما لم تشأ أن تقلقك. ربما كانت تخشى ردة فعلك. أو ربما كانت ترى أن الأمر لا يزال سرياً، ولن تخبر به إلا عندما يتأكد كل شيء." قال عبد الرحمن، وهو ينظر إلى يوسف. "ولكنني الآن، وبسبب حالتي الصحية، أحتاج أن ألتقي بها، وأسلمها هذه الأمانة. وأنا لا أريد أن يحدث أي سوءٍ تفاهم بينكما. لهذا السبب، جلست معك أولاً، وأخبرتك بالحقيقة كاملة."

"هل لديك أي دليل على كلامك؟" سأل يوسف، وهو يحاول أن يبدو عقلانياً.

"بالطبع. لديّ الرسالة، والمقتنيات. يمكنك أن تراها." قال عبد الرحمن، وهو يخرج حقيبةً صغيرة من جيب سترته.

فتح عبد الرحمن الحقيبة، وأخرج منها مظروفاً قديماً، مختوماً بشمع. بجانبه، كانت هناك مجموعةٌ من الصور الفوتوغرافية القديمة، ورسالةٌ أخرى مكتوبةٌ بخطٍ مختلف.

"هذه هي الرسالة التي كتبها لي والد ليلى. وفيها يشرح كل شيء." قال عبد الرحمن، وهو يمدها ليوسف.

أخذ يوسف الرسالة، وبدأ يقرأها. كانت الكلمات صادقة، وتعكس حباً عميقاً بين الأب وابنته. وفيها، كان والد ليلى يشرح تفاصيل حالة زوجته، وكيف أنها كانت تتمنى أن تفهم ليلى بعض الأمور.

"والآن، أنا أحتاج أن ألتقي بليلى." قال عبد الرحمن، بعد أن انتهى يوسف من القراءة. "هل يمكنك أن ترتب لي هذا اللقاء؟"

كان يوسف في حيرةٍ من أمره. يريد أن يثق بليلى، ولكن هذا الموقف برمته كان مفاجئاً جداً. من جهة، كان يشعر بالغيرة من فكرة أن ليلى كانت تحب شخصاً آخر، وأن هذا الشخص يقف أمامه الآن، ويتحدث عن "أمانة" متعلقة بها. ومن جهة أخرى، كان يشعر بالشفقة على حالة عبد الرحمن، ويريد أن يساعد.

"سأتحدث مع ليلى." قال يوسف، وهو يضع الرسالة جانباً. "ولكنني أريد أن أفهم منك شيئاً يا عبد الرحمن. بما أنك كنت تحب ليلى، وكنت على وشك الزواج منها، ألم يكن من الأفضل أن تبحث عنها منذ زمن؟"

"لقد حاولت يا يوسف، ولكنني لم أجد لها أثراً. ثم انشغلت بحياتي، وبمسؤولياتي. ولم أكن أعلم أنني سأواجه هذا الوضع. ثم... لقد كنت أحترم قرار ليلى. لقد كانت تتخلى عني من أجل والدتها، ولم أرد أن أضعها في موقفٍ صعبٍ مرةً أخرى."

"ولكن... هذه الأمانة، هل هي متعلقةٌ بوالدتها فقط؟" سأل يوسف.

"نعم، يتعلق الأمر بحياة والدتها، وببعض الذكريات التي أراد والدها أن تحتفظ بها ليلى. ربما عندما تفهم المزيد، ستتفهم هي أيضاً."

شعر يوسف أن هناك شيئاً ما لا يزال مفقوداً. ولكن، لا يمكنه الحكم على الأمر قبل أن يتحدث مع ليلى.

"سأتحدث مع ليلى." قال يوسف. "ولكن، أرجو منك أن تتفهم أن هذا الموضوع حساسٌ بالنسبة لنا. ونحن نتمنى لك الشفاء العاجل."

"شكراً لك يا يوسف. وأنا أقدر تفهمك." قال عبد الرحمن، وبدا عليه بعض الارتياح.

خرج عبد الرحمن من مكتب يوسف، تاركاً إياه في دوامةٍ من الأفكار. كان يوسف يشعر بأن هذا اللقاء قد كشف له طبقةً جديدة من حياة ليلى، طبقةٌ لم يكن يعرف عنها شيئاً. والآن، كان عليه أن يواجه زوجته، ويطلب منها أن تشاركه أسرار ماضيها.

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، ورسمت ظلالاً طويلةً على أرضية المكتب. شعر يوسف بأن هذا الغروب يحمل معه نهاية فترةٍ من عدم اليقين، وبداية فترةٍ جديدة، مليئةٍ بالمواجهة، والصدق، وربما ببعض الألم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%