أنت وحدك الجزء الثاني

سر قديم وخيوط متشابكة

بقلم سارة العمري

تزايدت الأيام التي يمضيها خالد في العمل، وكان الضغط يتصاعد. لم تكن مجرد ضغوط عمل عادية، بل كانت هناك مؤامرات صغيرة تحاك خلف الكواليس. اكتشف خالد أن بعض المنافسين كانوا يستخدمون أساليب غير أخلاقية لعرقلة مشروعه، وكان ذلك يؤلمه بشدة، فهو لم يؤمن يوماً بالنجاح الذي يأتي على حساب المبادئ.

"يا أمي،" قال خالد لوالدته ذات صباح. "أشعر أن هناك من يحاول تدمير كل ما أبذله من جهد. هناك تسريبات للمعلومات، وهناك حملات تشويه لا أساس لها من الصحة."

نظرت إليه والدته بعينين حزينتين. "لا تقلق يا بني. الله مع الصابرين والمجتهدين. تذكر قول الله تعالى: 'إن مع العسر يسراً'. استمر في عملك بإخلاص، والله لن يضيع تعبك."

كانت كلمات والدته هي البلسم الذي يهدئ من روعه. لم يكن خالد يشارك سارة كل تفاصيل معاناته في العمل، فهو لم يرد أن يقلقها. كان يفضل أن يبدو قوياً أمامها، وأن يقدم لها صورة الرجل الذي يمكنها الاعتماد عليه.

ولكن، في غياب مشاركة تفاصيل عمله، كانت هناك تفاصيل أخرى بدأت تتسلل إلى حياته. سمر، التي كانت تراقب خالد عن كثب، بدأت تجد الفرص للتواصل معه. لم تكن تتصل به مباشرة، بل كانت تتصل بوالدته، وتطلب أن تتحدث معه. كانت تارة تسأله عن أخبار العائلة، وتارة أخرى تتظاهر بأنها تريد استشارته في أمر بسيط يتعلق بالدراسة أو العمل.

"خالد، هل لديك وقت؟" قالت سمر في أحد الاتصالات. "أنا أعمل على مشروع تخرج، وأحتاج لرأيك في بعض النقاط المتعلقة بالجانب العملي. سمعت أنك خبير في هذه الأمور."

تردد خالد قليلاً. كان يعرف أن سمر كانت قريبة من سارة، ولم يكن يريد أن يحدث أي سوء فهم. لكنه في نفس الوقت، كان يشعر بنوع من الواجب تجاهها، فهي زميلة لسارة، وكان يعرف أنها تواجه بعض الصعوبات. "حسناً يا سمر. متى تفضلين؟"

"الآن، إذا أمكن. سأكون في المكتبة العامة، إذا كان لديك متسع من الوقت."

ذهب خالد إلى المكتبة العامة. وجد سمر جالسة وحدها، وبدت عليها علامات الارتباك. جلسا معاً، وبدأت سمر في طرح أسئلتها. كانت أسئلتها تبدو منطقية في البداية، ولكن مع مرور الوقت، بدأت سارة تلاحظ أن سمر كانت تلتفت كثيراً إلى خالد، وتتحدث بنبرة فيها شيء من الدلال.

"شرحك واضح جداً يا خالد. أنت حقاً موهوب." قالت سمر، ومررت يدها بشكل عفوي على ذراع خالد.

تراجع خالد قليلاً، وشعر بعدم الارتياح. "لا بأس يا سمر. هذه واجباتي."

"لكنك تبدو متعباً. هل كل شيء على ما يرام؟" سألت سمر، وقربت وجهها قليلاً.

"نعم، الأمور تسير. أظن أنني سأذهب الآن. لدي بعض الأمور التي يجب أن أنهيها."

عندما عاد خالد إلى بيته، أخبر والدته عن لقائه بسـمر. "كنت قلقة يا أمي. شعرت أن سمر تحاول بطريقة ما التقرب مني، بطريقة غير مناسبة."

هزت الأم رأسها. "لقد لاحظت شيئاً كهذا. ولكن، لا تقلق يا بني. أذنك في الرفق واللين. وإذا شعرت أن الأمور تتطور، يمكنك أن تتحدث مع سارة، أو أن أتحدث أنا معها."

لم يكن خالد يرغب في إزعاج سارة، خاصة وأنها كانت تعيش فترة تحضيرات زفافها. ولكنه في نفس الوقت، كان يشعر بمسؤولية تجاهها.

في تلك الأثناء، كانت سارة تشعر بقلق متزايد. لم تكن تعرف بالضبط ما يحدث، لكنها كانت تشعر بشيء غريب. كانت سمر أصبحت تتحدث عن خالد بشكل متزايد، وبطريقة لم تعد تحمل طابع الصداقة البريئة.

"سمعت أن خالد كان يساعدك في مشروعك،" قالت سارة لسمر ذات يوم، بينما كانتا في نزهة. "أنا سعيدة لأنه يقدم لك المساعدة. ولكنه مشغول جداً هذه الأيام."

"نعم، أعرف. إنه مشغول جداً." قالت سمر وهي تنظر إلى الأرض. "لكنه دائماً يجد الوقت لمن يحتاج إليه."

كانت سارة تشعر بكلمات سمر وكأنها إبر دقيقة تخترق قلبها. لم تكن تريد أن تتهم صديقتها، لكنها لم تستطع إنكار ما كانت تراه وتشعر به.

في أحد الأيام، بينما كانت سارة تتصفح بعض الصور القديمة على هاتفها، وجدت صوراً لها مع خالد في بداية تعرفهما. صور قبل أن يصبح الأمر رسمياً. نظرت إلى وجه خالد في تلك الصور، وجه الشاب الذي كان يشع بالبراءة والثقة. تذكرت محادثاتهما الأولى، وحساسيته تجاه مشاعرها، واهتمامه بالتفاصيل.

"لماذا أشعر بهذا القلق؟" سألت نفسها. "هل لأنني أخاف أن أفقد هذا الرجل؟ أم لأنني أخشى أن أكون قد وثقت بشخص لا أعرفه تماماً؟"

في مساء ذلك اليوم، تلقت سارة رسالة من خالد. "سارة، أحتاج أن أتحدث معكِ في أمر مهم. هل يمكن أن نلتقي غداً؟"

شعرت سارة بأن قلبها سقط. هل يتعلق الأمر بسمر؟ هل اكتشف شيئاً؟ أو هل أراد أن يصارحها بشيء؟

في اليوم التالي، التقيا في حديقة هادئة، بعيداً عن أعين المتطفلين. كانت سارة متوترة، وخالد بدا متعباً.

"سارة،" بدأ خالد، وكان صوته هادئاً لكن مليئاً بالجدية. "أنا لا أعرف كيف أبدأ، ولكن هناك شيء يجب أن أخبرك به. شيء يتعلق بماضيي، بشيء أود أن أكون قد تجاوزته، ولكنه يظل يلاحقني."

اتسعت عينا سارة. "ما هو يا خالد؟"

"قبل أن ألتقي بكِ، وقبل أن أكون بهذه القوة وهذا الثبات، مررت ببعض التجارب الصعبة. كانت هناك علاقة مع فتاة، لم تكن علاقة شرعية، بل كانت مجرد صداقة تطورت بشكل خاطئ. لقد أدركت خطئي بسرعة، وتبت إلى الله، وحاولت أن أنسى الماضي وأركز على المستقبل. ولكن، هذه الفتاة، يبدو أنها لم تستطع أن تتجاوز الأمر."

صمت خالد للحظة، ثم أكمل. "لقد بدأت تتواصل معي مرة أخرى، وبطرق مختلفة. وتحاول أن تخلق مشاكل. وأنا أخشى أن يصل الأمر إليكِ."

شعرت سارة بصدمة. لم تكن تتوقع هذا. كان كل ما رأته في خالد هو النقاء والصدق. ولكن، هل هذا يعني أنه كان يخفي شيئاً؟

"من هي؟" سألت بصوت مختنق.

"اسمها ليلى. إنها... لا أعرف ما هو هدفها بالضبط. ولكنها بدأت ترسل لي رسائل غريبة، وتتحدث عن الماضي بطريقة تثير القلق."

"وهل تحدثت معها؟"

"لم أتحدث معها بشكل مباشر. أحاول أن أتجاهلها. ولكنها تبدو مصممة."

نظرت سارة إلى خالد، ورأت في عينيه صدقاً حقيقياً. كان خائفاً، وهذا الخوف كان موجهاً نحو حماية علاقتهما.

"أنا أثق بك يا خالد." قالت سارة، ويديها ترتجف قليلاً. "ولكن، هذا الأمر... إنه يزعجني. هل أنت متأكد أنك لم تفعل شيئاً خاطئاً؟"

"أقسم لكِ يا سارة، لم أفعل شيئاً. كانت غلطة شباب، وقد تعلمت منها. أنا تائب من أي شيء فعلته، وأتمنى أن يغفر لي الله. أنا فقط أخشى أن تشوه هذه القصة سمعتي، وأن تؤثر على علاقتنا."

شعرت سارة بأنها تقف على مفترق طرق. هل تصدق خالد بكل جوارحها، أم أن هذا السر القديم سيظل يلقي بظلاله على مستقبلهما؟ كانت تعلم أن الماضي لا يمكن تجاهله تماماً، ولكنها كانت تؤمن أيضاً بأن الإنسان يتغير ويتوب.

"سأثق بك يا خالد،" قالت سارة، وقدمت يدها لتمسك بيده. "ولكن، يجب أن نكون أقوياء. يجب أن نواجه هذا الأمر معاً. ولنترك الماضي خلفنا، ونركز على مستقبلنا."

عانقها خالد بقوة. "شكراً لكِ سارة. أنتِ كل شيء بالنسبة لي."

لكن، بينما كانا يتبادلان هذه اللحظات الحميمية، لم تكن سارة تعلم أن هناك خيوطاً أخرى كانت تتشابك في الخفاء، خيوطاً قد تكون أخطر من أي ماضي. ولم تكن تعرف أن هناك شخصاً آخر كان يراقب، شخصاً لديه أسبابه الخاصة لنسج شبكته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%