أنت وحدك الجزء الثاني

ظلال الماضي تلوح في الأفق

بقلم سارة العمري

تسللت خيوط الفجر الأولى عبر شقوق ستائر غرفة نور، حاملة معها وعدًا بيوم جديد، لكن نور لم تجد في هذا الوعد سوى صدى لواقع مؤلم. ظلّت مستيقظة طوال الليل، تتأمل سقف غرفتها الذي بدا وكأنه يحتضن أسرارًا أثقل من أن تتحملها. صورة عبد الرحمن، المرسومة ببراعة في ذاكرتها، بدت اليوم أكثر وضوحًا، وأكثر إيلامًا. كيف يمكن للقلب أن ينبض بحبٍّ لم يُكْتَب له أن يكتمل؟ وكيف يمكن للروح أن تحتمل عبء خطيئة لم تُرتكب، ولكنها أثّرت في مسار حياتها؟

كانت المكالمة الهاتفية التي تلقتها بالأمس من عمّها، السيد فؤاد، لا تزال ترن في أذنيها. صوته الهادئ، الذي لطالما كان مصدر طمأنينة، اكتسى هذه المرة بمسحة من الحزن والتحذير. "يا نور، هناك أمور يجب أن تعرفيها. أمور تتعلق بماضٍ لم يعد بالإمكان تجاهله." لم يفصح عن المزيد، واعدًا إياها بلقاء قريب يفصل فيها كل شيء. هذا الوعد، بدلاً من أن يجلب الراحة، أشعل في قلبها مزيجًا من القلق والفضول. ماذا كان يخفي عمها؟ وما هو الماضي الذي يهدد حاضرها الهش؟

نزلت نور إلى غرفة المعيشة، حيث كان والدها، السيد أحمد، يحتسي قهوته الصباحية كعادته. كان يبدو غارقًا في أفكاره، لكن ابتسامته الدافئة عندما رآها خففت من وطأة قلقها ولو قليلاً. "صباح الخير يا ابنتي. تبدين شاحبة اليوم، هل أنتِ بخير؟" "صباح النور أبي. نعم، بخير. فقط القليل من الأرق." حاولت نور أن تبدو طبيعية، لكنها شعرت بأن عينيها تفضحان ما تخفيه. "ربما تحتاجين إلى بعض الراحة. الحمل يرهقكِ، وعليكِ أن تعتني بنفسكِ أكثر." قال والدها بحنان، واضعًا يده على كتفها.

كانت جملة "الحمل يرهقكِ" بمثابة جرس إنذار آخر. طوال الشهور الماضية، كانت نور تعيش في حالة من الإنكار شبه الكامل. حملها كان ثمرة علاقة عابرة، علاقة لم تكتمل، ولم تكن على بينة من العواقب. لقد تظاهرت بأن كل شيء على ما يرام، وأنها قادرة على تجاوز هذه المحنة بمفردها، مدعومة بصلواتها وتصميمها. لكن الآن، ومع اقتراب موعد الولادة، بدأت المخاوف تتسلل إليها. كيف ستواجه هذا العالم وهي أم عزباء؟ وكيف ستبرر موقفها أمام عائلتها، التي لطالما كانت قيمها الأخلاقية فوق كل اعتبار؟

جلست نور إلى جانب والدها، تحدثت معه عن أمور بسيطة، عن أحوال السوق، وعن أخبار العائلة. لكن في كل مرة كان يحاول فيها أن يفتح موضوعًا أعمق، كانت نور تغير مجرى الحديث. كانت تخشى نظرة خيبة الأمل في عينيه، وتخشى أن يكون عبد الرحمن قد كشف لها شيئًا عن ماضيها، شيئًا لم تكن مستعدة لمواجهته.

عند الظهيرة، وصل البريد. بين الفواتير والجرائد، وجدت نور ظرفًا أبيض غريبًا. لم يكن عليه اسم مرسل، فقط عنوانها. انتابها شعور بالارتعاش وهي تمسكه. فتحته بحذر، لتجد بداخله ورقة واحدة مكتوبة بخط يد رجولي أنيق. كانت بضع كلمات فقط: "لا تهربي من الحقيقة، نور. الماضي له عينان تراقبانك."

ارتعشت يداها وهي تسقط الورقة. من أرسل هذه الرسالة؟ هل هو عبد الرحمن؟ أم شخص آخر يعرف سرها؟ وهل كان المقصود بـ "الحقيقة" هو ماضيها مع عبد الرحمن، أم شيء أعمق، شيء يتعلق بالسبب الحقيقي لغيابه؟ شعرت وكأنها تسقط في بئر لا قاع له.

اتصلت فورًا بعمها فؤاد. كان صوته هذه المرة أكثر جدية. "لقد انتظرت اتصالكِ يا نور. يجب أن نلتقي في أقرب وقت." "أرجوك يا عمي، أخبرني ما الذي يحدث. أشعر أن هناك من يطاردني." "اهدئي يا ابنتي. سأشرح لكِ كل شيء. سألتقي بكِ في منزلي بعد صلاة العشاء. أحضري معكِ أي شيء قد يساعدنا على فهم ما حدث."

عادت نور إلى غرفتها، والقلب يخفق بعنف. ماذا عليها أن تحضر؟ أي شيء؟ هل هناك شيء مادي يمكن أن يشرح لها ما يحدث؟ بدأت تبحث بين أغراضها القديمة، بين صناديق الذكريات. وجدت دفتر رسومات قديمًا، كان قد أهداها إياه عبد الرحمن في بداية علاقتهما. كانت تخفيه منذ سنوات، خوفًا من أن يثير أسئلة. فتحت الدفتر، لتجد رسومات جميلة، وعبارات غزل رقيقة، وبين الصفحات، وجدت ورقة مطوية بعناية. كانت رسالة بخط يد عبد الرحمن، بتاريخ قديم.

"إلى نور، حبيبتي. قد تقرئين هذه الرسالة في وقت لا أكون فيه بجانبكِ. قد تكون الحياة قد فرقتنا، أو قد تكون الظروف قد حكمت علينا. لكن أريدكِ أن تعرفي أني لم أتمن لكِ يومًا سوى الخير. هناك سرٌّ يربط بين عائلتينا، سرٌّ مظلمٌ وغامضٌ، وقد أكون أنا سببًا في إخفائه عنكِ. لا تجعلي الماضي يطاردكِ، بل استخدميه نورًا لتبصري به الحق. ابحثي عن الحقيقة، نور. الحقيقة وحدها هي التي ستحرركِ. أحبكِ إلى الأبد. عبد الرحمن."

تجمّدت نور في مكانها. سرٌّ يربط بين عائلتينا؟ سرٌّ مظلم وغامض؟ من هو عبد الرحمن حقًا؟ ولماذا يخفي عنها كل هذا؟ لم تعد تتذكر سوى كلماته الأخيرة، "ابحثي عن الحقيقة." هل كانت الحقيقة وراء كل ما مرت به، وراء حبها المستحيل، وراء حملها المفاجئ؟

نظرت إلى ورقة الرسالة الجديدة التي وصلتها. "الماضي له عينان تراقبانك." ربما لم تكن الرسالة من عبد الرحمن، بل من شخص آخر يعرف هذا السر. شخص يحاول إما تحذيرها أو تهديدها.

أخذت نور دفتر الرسومات ورسالة عبد الرحمن، ووضعت كل شيء في حقيبة صغيرة. جلست على حافة السرير، تنظر إلى الغرفة التي شهدت على الكثير من ذكرياتها، ذكريات مختلطة بالفرح والألم. كانت تشعر بأنها على وشك اكتشاف شيء سينقلب بها رأسًا على عقب، شيء سيجبرها على مواجهة واقع لم تكن مستعدة له أبدًا. أغمضت عينيها، تستجمع قواها. كان الليل قد اكتمل، والظلام يلف كل شيء. لكن ظلال الماضي، تلك الظلال التي ظنت أنها تلاشت، كانت قد عادت لتلوح في الأفق، أقوى وأكثر إيلامًا من أي وقت مضى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%