أنت وحدك الجزء الثاني
خيط الحقيقة الذي لا ينقطع
بقلم سارة العمري
توجهت نور إلى منزل عمها فؤاد، وقد اشتدّ الظلام في الخارج، متزامنًا مع الظلام المتراكم في داخلها. كانت كل خطوة تخطوها تزيد من ثقل قلبها، ممزوجًا بمزيج من الرهبة والترقب. لم تكن تعرف ماذا سيواجهها، لكنها أدركت أن هروبها من الحقائق قد انتهى. الطريق الوحيد كان الأمام، حتى لو كان مليئًا بالأشواك.
استقبلها عمها بابتسامة حزينة، وقبلها على جبينها. "أهلاً بكِ يا نور. تفضلي بالجلوس. يبدو أنكِ تحملين ثقل العالم على كتفيكِ." جلست نور، ووضعت الحقيبة بجانبها. "لقد تسلمت رسالة اليوم يا عمي. ورسالة أخرى قديمة من عبد الرحمن." فتح عمها عينيه بدهشة، ثم تنهد بعمق. "إذن، بدأت الخيوط تتكشف. لم يكن عبد الرحمن مجرد شاب أحمق، بل كان يحمل أسرارًا تفوق عمره."
أخذ عمها الرسالة القديمة، وقرأها بتمعن. ثم نظر إلى نور، وقال بصوت خفيض: "هذا الشاب، عبد الرحمن، كان لديه شغفٌ دفينٌ بالبحث عن الأصول. لم يكن راضيًا بالقصص التي تُحكى، بل كان يسعى دائمًا لفكّ طلاسم الماضي." "ولكن، ما علاقته بعائلتنا؟" سألت نور، وشعور بالبرد يسري في عروقها. "هنا تكمن الحكاية، يا نور. قبل سنوات طويلة، قبل ولادتكِ بسنوات، كانت هناك قصة حبٍّ بين والدكِ، أحمد، وبين امرأةٍ لم يتزوجها. امرأةٌ من عائلةٍ أخرى، عائلةٌ اشتهرت بالتحفظ والقيم العالية، لكنها كانت تحمل في طياتها سرًا عظيمًا."
شحب وجه نور. والدها؟ حبٌّ قديم؟ لم يتحدث والدها أبدًا عن مثل هذه الأمور. كان دائمًا يبدو وكأنه يعيش حياةً بسيطةً ومستقيمة. "كانت هذه المرأة، زينب، شقيقة جدة عبد الرحمن. نعم، كان هناك رابطٌ أقوى مما نتصور." استمر عمها، وصوته يرتعش قليلاً. "أحمد وزينب أحبّا بعضهما حبًا شديدًا. لكن عائلة زينب، وخاصة والدها، كانا يرفضان هذه العلاقة رفضًا قاطعًا. لقد حاول أحمد إقناعهم، لكنهم كانوا مصرين على أن تكون زينب من نصيب رجلٍ من داخل عائلتهم، رجلٍ يضمن بقاء الثروة والنفوذ في يديهم. وفي النهاية، تمّ تزويج زينب من رجلٍ آخر، رغمًا عنها."
"ماذا حدث لزينب؟" سألت نور، وقلبها ينقبض. "زينب لم تتحمل هذا الأمر. لقد كانت روحها ضعيفة، وقلبها رقيق. بعد زواجها بفترة قصيرة، أصيبت بمرضٍ عضال، وماتت وهي حامل. لم تنجب، ولم يرَ والدها ما كان يخشاه. أما أحمد، فقد عانى كثيرًا من هذه الخسارة. لقد عاش سنواتٍ في حزنٍ عميق، ولم يتجاوز الأمر إلا بعد أن تعرف على والدتكِ، رحمها الله."
"وهذا ما له علاقة بـ... بـ عبد الرحمن؟" سألت نور، لا تزال تحاول استيعاب المعلومات. "نعم. يبدو أن زينب، في لحظاتها الأخيرة، قد تركت وراءها بعض الوثائق. رسائل، وربما دفتر يوميات. هذه الوثائق، بطريقةٍ ما، وقعت في يد جدة عبد الرحمن. وهي، من خوفها على سمعة العائلة، وعلى إبعاد أي شبهات عن ابنتها، قد أخفتها. لكن والدة عبد الرحمن، والدته، كانت امرأةً صالحةً، وذات بصيرة. لقد اكتشفت هذه الوثائق، وأدركت حجم الظلم الذي وقع على زينب، وعلى أحمد. لقد أخبرت عبد الرحمن بكل شيء قبل وفاتها، وحثته على محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه، إن وُجدت فرصة."
"إصلاح ماذا؟" سألت نور، وعيناها تتسعان. "يبدو أن هناك سرًا آخر، نور. سرٌّ يتعلق بورقةٍ مفقودة، وثيقةٍ تثبت ملكية قطعة أرضٍ تاريخيةٍ ذات قيمةٍ كبيرة، تعود جذورها إلى عائلة والدكِ. هذه الأرض، وبسبب الظروف، قد وقعت في يد عائلة زوج زينب. وكان عبد الرحمن، بعد وفاة والدته، قد بدأ يبحث عن هذه الوثيقة. لقد كان يعتقد أن استعادتها ستكون بمثابة ردٍّ للجميل لعائلة والدكِ، وتعويضٍ عن كل ما حدث."
"يعني، كل ما كان يفعله عبد الرحمن... هو محاولة لإيجاد هذه الوثيقة؟" تساءلت نور، تشعر بأن كل شيء بدأ يأخذ منحىً مختلفًا. "نعم، يبدو ذلك. ورسالته لكِ، "ابحثي عن الحقيقة"، ربما كانت تشير إلى هذه الوثيقة. ربما كان يعرف أنه في خطر، وأنه لا يستطيع أن يكشف لكِ كل شيء في وقتٍ واحد. لقد كان يخشى على سلامتكِ."
"لكن، الرسالة التي وصلتني اليوم..." قالت نور، وهي تخرج الورقة الصغيرة من حقيبتها. "الماضي له عينان تراقبانك." نظر عمها إلى الورقة، ثم إلى نور. "هذا ليس خط يد عبد الرحمن. ولا أعتقد أنه قد يكون أحد أفراد عائلته. هناك شخصٌ آخر يعرف قصة زينب، ويعرف اهتمام عبد الرحمن بها. شخصٌ لديه مصلحةٌ في إبقاء هذا السر مدفونًا."
"من؟" سألت نور، تتخيل سيناريوهات مختلفة. "أتوقع أن يكون من عائلة زوج زينب. ربما سمعوا عن بحث عبد الرحمن، أو ربما لديهم شكوك. هذه العائلة، عائلة زوج زينب، كانت معروفة بقسوتها وطمعها. قد يكون لديهم سببٌ قويٌّ لمنع أي تحقيقٍ في الماضي."
"وماذا عن والدي؟ هل يعرف شيئًا عن هذا؟" "لم يعلم أحمد شيئًا عن هذا السر، يا نور. لقد كان قلبه مكسورًا، ومنكفئًا على نفسه. لم يكن يدرك أن هناك من يسعى لإصلاح ما حدث. والده، جدي، كان يعرف بعض الأمور، لكنه لم يفصح عن شيءٍ قط. كان يخشى الفضيحة، ويخشى إثارة المشاكل. ربما حاول إقناع زينب بالنسيان، والعيش بسلام."
"وهذا يعني أن عبد الرحمن لم يكن يعرف عني شيئًا... عن حملي؟" "من المؤكد أنه لم يكن يعلم، يا نور. لم يكن لديه أي فكرة. كل ما حدث بينكما كان خارج نطاق معرفته بخطة إصلاح الماضي. لقد كان يعيش حياته، ونحن نعيش حياتنا، وكلٌّ منا يحمل جزءًا من الحقيقة."
بدأت نور تشعر بأنها كانت تعيش في عالمٍ من الأوهام. حبها لعبد الرحمن، كراهيتها له، ثم حملها المفاجئ... كل هذا كان يتداخل مع قصةٍ أكبر، قصةٍ لم تكن طرفًا فيها بالكامل. "إذاً، ما الذي يجب أن نفعله الآن؟" سألت، وهي تنظر إلى عمها بعينين مليئتين بالأمل. "يجب أن نستعيد تلك الوثيقة، يا نور. يجب أن نستعيد حق عائلتنا. وإذا كان هناك شخصٌ يهددكِ، فهذا يعني أننا على الطريق الصحيح. يجب أن نكون حذرين، وأن نثق ببعضنا البعض."
"ولكن، ما علاقة هذا كله بـ... بـ حملي؟" سألت نور، بصوتٍ بالكاد يُسمع. نظر إليها عمها بتفهم. "هذا هو الجزء الأصعب، يا ابنتي. لا أعرف ما إذا كان عبد الرحمن قد اكتشف شيئًا عن هذا الأمر. لكن، إذا كان هناك من يريد إخفاء الحقيقة، فقد يكونون هم من يقفون وراء هذه التهديدات. يجب أن نفكر جيدًا، يا نور. يجب أن نتخذ قراراتٍ حكيمة."
شعرت نور بأن العالم يدور بها. كان خيط الحقيقة، الذي بدأت تتلمسه، لا ينقطع، بل يمتد ويتفرع، ليكشف عن شبكةٍ معقدةٍ من الأسرار والماضي. لم تعد وحدها في مواجهة المجهول، بل أصبحت جزءًا من قصةٍ عائليةٍ عميقة، قصةٍ تحتاج إلى كشف كل خيوطها، مهما كانت مؤلمة.