أنت وحدك الجزء الثاني

سر الجواهر المتلألئة

بقلم سارة العمري

جلست "ليلى" في ركنٍ هادئٍ من مكتبتها المنزلية، تحيط بها رائحة الكتب القديمة والورق المعتق. كانت الأصابع الرقيقة تتنقل بخفةٍ على صفحات كتابٍ في الطب النبوي، وعيناها الواسعتان، بلون العسل الصافي، تبحثان عن سبلٍ للعلاج والشفاء. كانت ليلى، ذات الشعر الأسود المتموج الذي ينسدل على كتفيها كشلالٍ داكن، وذات الابتسامة الرقيقة التي تضيء وجهها الملائكي، طبيبةً متفانيةً، تسعى دائمًا لتقديم يد العون لمن هم في أمس الحاجة.

اليوم، كان قلبها مثقلًا بأعباءٍ تتجاوز هموم مهنتها. كانت تفكر في "آدم". لم يكن مجرد اسمٍ يتردد على مسامعها، بل كان نبضًا في قلبها، وحلمًا يراودها في يقظتها ومنامها. منذ لقائهما الأول، قبل عدة سنوات، في إحدى الندوات الثقافية التي أقيمت في المدينة، شعرت ليلى بانجذابٍ غريبٍ نحوه. كان هدوءه، وذكاؤه الحاد، واحترامه للآخرين، كلها صفاتٌ جعلتها تقع في غرامه قبل أن يعترف هو بأي شيء.

كانت ترى فيه رجلاً نادرًا، يحمل في طياته كل ما تتمناه المرأة الصالحة في شريك حياتها: أخلاقٌ رفيعة، وعلمٌ غزير، وشخصيةٌ قويةٌ لكنها رحيمة. لكن علاقتهما كانت دائمًا تقف عند حدود الاحترام المتبادل، والصداقة الهادئة. لم يجرؤ آدم على تجاوز ذلك، ربما لخوفه من التسرع، أو ربما لأنه لم يكتشف بعد عمق مشاعره. أما ليلى، فكانت تنتظر بصبرٍ، مؤمنةً بأن الله سيجمع بين قلبين اختارهما.

فجأةً، انقطع سيل أفكارها بصوتٍ رنين هاتفها. ابتسمت بخفةٍ وهي ترى اسم والدتها يظهر على الشاشة. والدتها، السيدة "فاطمة"، كانت دائمًا مصدر دعمها وقوتها، وكنزًا من الحكمة والنصائح.

"أهلاً أمي الغالية،" قالت ليلى بصوتٍ مليءٍ بالحب.

"يا حبيبتي ليلى، كيف حالك؟" ردت السيدة فاطمة، وصوتها يحمل دفءًا عائليًا أصيلًا. "كنتُ أفكر فيكِ. هل أنتِ مشغولةٌ اليوم؟"

"لا يا أمي، كنتُ أقرأ بعض الكتب. هل تحتاجين شيئًا؟"

"في الواقع، يا بنيتي، هناك زيارةٌ مهمةٌ اليوم. سيزورنا آل البندر، لمعرفة رأيكِ في أمرٍ مهمٍ يتعلق بزواج ابنهم الأكبر."

اتسعت عينا ليلى بدهشة. آل البندر! كانوا من الأسر العريقة في المنطقة، ومعروفين بكرمهم وتقواهم. وابنهم الأكبر، "خالد"، كان شابًا طيب القلب، لكنه كان دائمًا في الظل، لم يسمع عنه الكثير.

"زواج؟ من؟" سألت ليلى بفضول.

"ابنهم خالد،" أجابت السيدة فاطمة. "والده، السيد "أحمد"، يريد أن يعرف رأيكِ فيه، فهو يثق بحكمتكِ ورأيكِ السديد. يقول إن خالدٌ شابٌ طيب، لكنه خجولٌ بعض الشيء، ولا يريدون تزويجه إلا لمن يفهم روحه."

ابتسمت ليلى. كانت تعرف أن والديها، وخاصة والدتها، دائمًا ما يكونان مستشارين موثوقين في أمور الزواج. كانا يرغبان في تزويج ابنهما لمن يستحق، وليس لمجرد إتمام زواج.

"حسنًا يا أمي، سأكون جاهزةً. هل هناك أي تفاصيل أخرى؟"

"لا يا عزيزتي. فقط كوني على طبيعتكِ، وأظهري لهم أخلاقكِ الحسنة. إنهم قومٌ طيبون، وسيقدرون ذلك."

أنهت ليلى المكالمة، وشعرت ببعض التوتر. لم يكن الأمر يتعلق بتشخيص حالةٍ مرضية، بل بإبداء رأيٍ في مسألةٍ قد تغير حياة شابٍ وفتاة. كانت تفكر في "آدم" مرةً أخرى. لو كان الأمر يتعلق به، لكانت قد تحدثت بكل ثقةٍ وشغف. لكن مع خالد، شعرت بأنها أمام مسؤوليةٍ أكبر.

وبينما كانت تفكر، مر بذهنها وجه "آدم" مرةً أخرى. هل سيأتي هو أيضًا لزيارة آل البندر؟ غالبًا ما يلتقي به في المناسبات العائلية، وكان دائمًا ينظر إليها بعينين تحملان شيئًا أكثر من الصداقة. هل هذا الشعور مجرد أوهامٍ من نسج خيالها، أم أن هناك شيئًا كامنًا بينهما؟

في تلك اللحظة، سمعت صوت جرس الباب. شعرت بقلبها يخفق بقوة. هل يمكن أن يكون هو؟

ذهبت ليلى لتفتح الباب، لكنها وجدت والدها، السيد "علي"، واقفًا في المدخل، وعلى وجهه ابتسامةٌ عريضة. السيد علي، رجلٌ لطيفٌ هادئ، كان يعمل مهندسًا، وكان دائمًا يرى في ابنته أمل المستقبل.

"مرحبًا يا ابنتي،" قال بصوتٍ دافئ. "جهزتِ نفسكِ؟"

"نعم أبي،" أجابت ليلى، وعادت إليها رباطة جأشها. "والدتي أخبرتني."

"إنهم قادمون،" قال السيد علي، وهو يدخل المنزل. "آل البندر. أتمنى أن تكون هذه الزيارة مباركةً."

اجتمعت العائلتان في غرفة الاستقبال الفسيحة، التي زينت بقطع الأثاث الفاخرة والأعمال الفنية التقليدية. كان الجو مليئًا بالود والاحترام. تحدث السيد أحمد البندر، الرجل ذو الصوت العميق والملامح الوقورة، عن أسباب الزيارة.

"نحن يا آل علي، نكن لكم كل تقديرٍ واحترام،" قال السيد أحمد، وبدأ يحدث عن خالد. "خالدٌ ابني، شابٌ مؤمنٌ، محترمٌ، لكنه قليل الكلام، وهذا ما يقلقنا. نريد له زوجةً صالحةً تفهم روحه، وتكون له رفيقة دربٍ أمينة."

نظر السيد أحمد إلى ليلى، وعيناه تلمعان بالرجاء. "نحن نعرف أخلاقكِ الطيبة، يا ليلى، ونعرف حكمتكِ. لذلك، قبل أي خطوةٍ رسمية، أردنا أن نعرف رأيكِ. هل ترين أن خالدٌ قد يكون مناسبًا لكِ؟"

شعرت ليلى بأن الوقت قد توقف. كانت هذه هي اللحظة التي تنتظرها، أو تخشاها. نظرت إلى والدتها، التي أومأت برأسها مشجعةً. ثم نظرت إلى والدها، الذي ابتسم لها بحنان.

"السيد خالدٌ شابٌ أعرفه من بعيد،" قالت ليلى بصوتٍ هادئٍ وثابت. "سمعتُ عنه دائمًا كل خير. ولكن، لكي أتمكن من إبداء رأيٍ حقيقي، أحتاج إلى معرفته عن قرب."

"هذا حقكِ، يا ابنتي،" وافق السيد أحمد. "لذلك، سنعقد جلسةً أخرى، حيث يلتقي خالدٌ بكِ، ويمكنكما الحديث وتبادل الأفكار. سيكون قراركِ هو الأهم."

خرجت ليلى من تلك الجلسة بقلبٍ يرقص بين الرجاء والخوف. كانت تعلم أن هذه فرصةٌ قد لا تتكرر. لكن في وسط كل هذه المشاعر، ظل هناك اسمٌ واحدٌ يتردد في ذهنها: "آدم". هل سيأتي آدم إلى اللقاء المنتظر؟ وهل سيتمكن من تجاوز خجله الظاهري، ليظهر لها ما تخبئه روحه؟

وبينما كان الوقت يمر، شعرت ليلى بأن هناك سراً يتكشف أمامها. لم يكن الأمر يتعلق بخالد فقط، بل بشيءٍ أعمق، شيءٌ يتعلق بقدرها، وبقلبٍ ما زال ينتظر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%