أنت وحدك الجزء الثاني
ظلال الماضي وواقع اليوم
بقلم سارة العمري
اجتاحت نسمة باردة أرجاء الغرفة، حاملة معها رائحة الياسمين العتيق الذي كان يزين شرفة بيت جدة فاطمة. جلست ليلى على حافة النافذة، تحدق في سماء الرياض التي بدأت تتوشح بوشاح الغروب الذهبي. لم يكن جمال المنظر كافيًا ليخفف من وطأة الثقل الذي استقر في صدرها. كانت كلمات والدها، الشيخ عبد الرحمن، لا تزال ترن في أذنيها: "تذكري يا ابنتي، أن ما تخفيه الأقنعة قد يفجر ما لا يمكن تداركه. وأنتِ، يا ابنتي، تبدين وكأنكِ تحملين فوق كتفيكِ جبالاً من الأسرار."
لقد كان حديثه مفاجئاً، بل وصادماً. لم تعتد ليلى على والدها، الذي كانت تراه دائماً عالياً، مهيباً، قليل الكلام، أن يواجهها بهذا الشكل المباشر، وأن يغوص في أعماق روحها بهذه البراعة. لقد كان صريحاً في قلقه، وهذا القلق لم يكن موجهاً نحو أي شخص آخر سوى ابنه الأكبر، فهد.
فهد. الاسم الذي كان يثير فيها مزيجاً من الشفقة والضيق. لم يعد فهد الذي عرفته في سنوات الدراسة الأولى. لم يعد ذلك الشاب الطموح، الحالم، الذي كان يمتلك بريقاً خاصاً في عينيه. لقد استبدل ذلك البريق بسوادٍ عميق، وبشحوبٍ زاد من تعابير وجهه المتعبة. لقد رأته يتغير، شيئاً فشيئاً، مثل نبتة ذابلة تسقيها سموم الحياة.
تنهدت ليلى بعمق. هل كانت حقاً السبب؟ هل كان انفصاله عن سارة، تلك الفتاة الرقيقة التي لمست قلبها بشفافيتها، هو الشرارة التي أشعلت نيران إدمان فهد؟ لم تكن متأكدة. لقد كان الأمر معقداً، كشجرة متشابكة الأغصان، يصعب تتبع خيوطها.
تذكرت تلك الليلة المشؤومة. ليلة حفل خطبة صديقتها المقربة، نورا. كانت تلك الليلة هي ليلة التحول. قبل الحفل، بدا فهد طبيعياً، بل كان مزاحه معها أشد من المعتاد. لقد صافحها بحرارة، وقال لها بابتسامة متعبة: "أوصيكِ بضيافة عرسان المستقبل يا ليلى، فأنا لا أجيد فنون التنظيم." ضحكت ليلى حينها، وأشارت إليه بسبابها: "والله إنك أنت عريس المستقبل الذي سأضطر لتنظيم أموره!" لم تعلم حينها أن جملتها ستكتسب معنى آخر، أشد قتامة.
بعد أن انصرفت ليلى لحضور بعض الترتيبات مع نورا، عادت لتجد فهد في زاوية منعزلة من القاعة، شارد الذهن، يرتجف قليلاً، وعلى وجهه علامات ارتباك شديد. حاولت التحدث إليه، لكنه كان يرد بجمل متقطعة، وعيناه زائغتان. ثم، وفي لحظة لم تتوقعها، أمسك بيديها بقوة، وقال بصوت خافت بالكاد تسمعه: "ليلى، أرجوكِ، ساعديني. أنا... أنا لا أحتمل هذا."
لم تفهم ليلى حينها شيئاً. لكنها لاحظت وجود زجاجة صغيرة في جيب فهد، زجاجة بدت غريبة وغير مألوفة. كانت رائحة خفيفة، كحولية، تتصاعد منها. وفي تلك اللحظة، أدركت. أدركت أن أخاها، الذي لطالما افتخر به، والذي كانت تراه مثالاً للشاب المسلم الملتزم، قد وقع في فخٍ مظلم.
منذ تلك الليلة، بدأ كل شيء يتداعى. محاولات فهد لإخفاء الأمر، أكاذيبه المتزايدة، تهربه من المسؤوليات، وغيابه المتكرر عن المنزل. كانت والدته، السيدة آمنة، تبكي كل ليلة، تدعو له بالهداية، وتتضرع إلى الله أن يبعد عنه شر السوء. أما والدها، فقد حاول مرات عديدة التحدث إليه، لكن فهد كان يواجهه بصلافة، أو يعامله ببرود، وكأن والده شخص غريب.
كان الأمر يؤلم ليلى بشدة. لقد كانت تحب فهد حباً جماً. كانت تعتبره سندها، بل إنها لم تتخيل حياتها بدونه. لكن هذه المشاعر كانت تتعارض مع رغبتها الملحة في أن تراه يتخلص من هذا الهلاك. لقد حاولت مراراً. تحدثت إليه بلطف، بالنصيحة، بالدموع أحياناً. لكن كل محاولاتها باءت بالفشل. بل إنها شعرت في بعض الأحيان أن قوتها تتضاءل أمام إصرار فهد على غرق نفسه.
في أحد الأيام، وبعد أن وجدته في حالة يرثى لها، قررت ليلى أن تتحدث إلى والدها. لقد حاولت جاهدة إخفاء الأمر، لحماية سمعة العائلة، ولحماية والدتها الحساسة. لكن رؤية فهد في تلك الحالة، وهو في عز شبابه، جعلتها تشعر بأنها تخونه إذا لم تفعل شيئاً.
كانت تلك المحادثة مع والدها هي التي جلبت هذه القلق الذي تشعر به الآن. لقد نظر إليها والدها بعمق، وقال: "يا ابنتي، الصدق هو أول درجات العلاج. وقد يكون الألم الذي تشعرين به الآن، أرحم من الألم الذي سيجتاحنا جميعاً إن استمر هذا الوضع. أخبريني بكل شيء، بالتفصيل، ولا تخفي عني شيئاً."
وبدأت ليلى تسرد. سردت له كل ما رأته، كل ما سمعته، كل ما أحسّت به. سردت له محاولاتها الفاشلة، وحالة فهد المزرية. وعندما انتهت، رأى والدها في عينيه بريقاً مؤلماً، ولكنه كان بريقاً حازماً.
"يجب أن نتدخل، يا ابنتي،" قال والدها بصوت قوي. "لا يمكننا ترك فهد يضيع. هذه ليست مجرد عادة، هذه مرض. ومرض الإدمان يحتاج إلى علاج، يحتاج إلى مساعدة متخصصة."
"لكن كيف؟" سألت ليلى بصوت مرتعش. "إنه يرفض أي مساعدة. يرفض أن يعترف بأنه مريض."
"سنبحث عن طرق، يا ابنتي. سنلجأ إلى الله أولاً، ثم سنبحث عن متخصصين، عن أطباء، عن دعاة. وسنكون معه، جنباً إلى جنب. حتى لو اضطررنا إلى بذل كل ما نملك. فهد ابننا، وعلينا أن ننقذه."
شعرت ليلى ببعض الراحة. وجود والدها إلى جانبها، وشعوره بالمسؤولية، جعلا عبئها أخف. لكنها في نفس الوقت، كانت تعرف أن الطريق لن يكون سهلاً. طريق إخراج فهد من دوامة الإدمان كان محفوفاً بالمخاطر، ومليئاً بالتحديات.
نظرت ليلى إلى الأفق. الشمس كانت قد غابت تقريباً، تاركة وراءها زرقة داكنة تتخللها نجوم خجولة. كانت تتذكر أيام طفولتها، عندما كانت تنظر إلى النجوم مع فهد، ويحكي لها قصصاً عن الفضاء، عن اكتشاف المجرات. كان يحلم بأن يصبح عالماً، أن يغير العالم. والآن، يبدو أن عالمه هو الذي تغير، إلى الأسوأ.
"اللهم إني أسألك الهداية له،" تمتمت ليلى بقلب يعتصره الألم. "اللهم اهدِ فهد، وردّه إلينا سالماً."
كانت تعرف أن هذه مجرد البداية. وأن صراعها من أجل فهد، قد بدأ للتو. صراع ضد نفسه، وضد قوة شريرة تتغذى على ضعفه. ولكنها كانت مصممة، مستعدة لمواجهة كل شيء. لأن حب الأخوة، وحب العائلة، كان أقوى من أي شيء آخر.
وفجأة، سمعت صوت خطوات تقترب. التفتت لتجد والدها يقف خلفها، يضع يده على كتفها بحنان.
"هل أنتِ بخير يا ابنتي؟" سأل بصوت هادئ.
ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة. "نعم يا أبي. فقط... أفكر."
"التفكير جيد،" قال والدها، وجلس بجانبها. "لكنه لا يكفي. العمل هو الذي يحدث التغيير. وسنعمل معاً. بإذن الله، سننجح."
نظرت ليلى إلى والدها، وشعرت بأمل جديد يتسلل إلى قلبها. ربما، ربما كان هناك مخرج. ربما، كان بإمكانهم إنقاذ فهد. ولكن كل هذا يتطلب جهداً، إيماناً، ودعاءً لا ينقطع.
ارتفعت أنفاسها، وهي تشعر بعزم جديد يتسلل إلى كيانها. لم تعد مجرد أخت قلقة. لقد أصبحت مقاتلة في معركة حياة. معركة ضد الظلام، من أجل النور.
"والآن،" قال والدها، وقد ارتسمت على وجهه ملامح جدية. "حان وقت الاستعداد. الغد سيكون مليئاً بالأمور التي يجب القيام بها. يجب أن نضع خطة. خطة فعالة."
ارتدت ليلى رأسها، وحدقت في عيني والدها. رأت فيه القوة، والإيمان، والتصميم. شعرت بالامتنان لوجوده، ولإيمانه بأنهم قادرون على تخطي هذه المحنة.
"أنا معك يا أبي،" قالت ليلى بصوت واثق. "في كل خطوة."
ولم تكن تعلم أن تلك الخطوات، ستقودها إلى منطقة لم تتخيلها قط. منطقة ستختبر فيها إيمانها، وقوتها، وحبها.