أنت وحدك الجزء الثاني

متاهة الشك والحقيقة

بقلم سارة العمري

في صبيحة اليوم التالي، اجتمع الشيخ عبد الرحمن وليلى في مكتبه الفسيح، الذي تفوح منه رائحة الكتب القديمة وعبق العود. كانت أشعة الشمس الأولى تتسلل من النوافذ، لتضيء الغرفة بوهجٍ خافت، كأنها تشجعهم على بداية رحلة جديدة، رحلة مليئة بالتحديات.

"لقد فكرت طويلاً يا ليلى،" بدأ الشيخ عبد الرحمن، وهو يقلب في أوراق أمامه. "إن إقناع فهد بالذهاب إلى مصحة للعلاج ليس بالأمر الهين. هو في حالة إنكار شديد، ويعتقد أن ما يفعله هو مجرد تسلية عابرة، أو هروب مؤقت من ضغوط الحياة. وأخطر ما في الأمر، هو تلك الصداقات التي تورط فيها."

نظرت ليلى إلى والدها بقلق. "هل تقصد...؟"

"نعم يا ابنتي. لقد وصلتني معلومات، من مصادر موثوقة، بأن فهد بدأ يقضي وقتاً طويلاً مع أشخاص معروفين بسلوكهم المنحرف، بل وبتعاطيهم مواد محظورة. هؤلاء الأشخاص يشجعونه، وربما يزودونه بما يحتاج. وهذا يزيد الأمر خطورة، لأنه يدخله في دائرة يصعب الخروج منها."

شعرت ليلى ببرودة تسري في عروقها. كانت تعرف أن فهد قد تغير، لكنها لم تتخيل أن يصل به الحال إلى هذا الحد. لقد كانت دائماً تراه طفلاً، لا يستطيع أن يؤذي نملة. كيف تحول إلى شخص ينجرف نحو هذه الهاوية؟

"ماذا يمكننا أن نفعل؟" سألت ليلى بصوت متقطع. "إذا علمنا أنه يقضي وقتاً مع هؤلاء، فهل هذا يعني أنهم...؟"

"هذا يعني أنهم يسحبونه معهم، يا ابنتي. إنهم يغلقون عليه كل أبواب النجاة. ولهذا، يجب أن نتصرف بسرعة وحكمة."

أخذ الشيخ عبد الرحمن نفساً عميقاً. "لقد فكرت في أن نبدأ بالحديث معه بشكل مباشر، ولكن بطريقة مختلفة. ليس باللوم أو العقاب، بل بالتفهم. يجب أن نعطيه مساحة ليشعر بالأمان، ليشعر بأننا بجانبه، لا ضده. سنحاول أن نستدرج منه الكلام، وأن نفهم جذور المشكلة. ما الذي يجعله يهرب إلى هذا العالم المظلم؟ هل هناك ضغوط في العمل؟ مشاكل في علاقاته؟ أم مجرد شعور بالضياع؟"

"لكن كيف نتأكد أنهم لا يخدعونه؟" سألت ليلى. "هؤلاء الأشخاص قد يظهرون له الود، بينما هم يستغلونه."

"هذه هي نقطة الخطر،" وافقها والدها. "ولكن، سنحاول أن نستخدم هذا الخطر لصالحنا. إذا استطعنا أن نجعل فهد يشعر بأننا نفهم عالمه، أننا لا نحكم عليه، ربما يفتح لنا قلبه. سنذهب إليه، أنا وأنتِ. سنذهب إليه في مكان نعلم أنه يقضي وقته فيه. المكان الذي يبدو أنه يجد فيه راحته المزيفة."

ارتجفت ليلى قليلاً. كانت تعلم أين يذهب فهد غالباً. كانت تعرف تلك المقاهي التي يتردد عليها، والتي كانت تثير فيها شكوكها. مقاهي ذات إضاءة خافتة، وأصوات موسيقى صاخبة، وروائح غريبة. لم يكن مكانها أبداً.

"هل... هل أنا مضطرة لذلك؟" سألت ليلى بتردد. "لم أعتد على تلك الأماكن."

"أعلم أن الأمر صعب عليكِ يا ليلى. ولكني رأيت في عينيكِ قوة وحزماً. أرى فيكِ الابنة التي ستقف بجانب أخيها. أريدكِ أن تكوني درعاً له، أن تكوني صوته العاقل عندما يضعف. وجودكِ سيكون له أثر كبير عليه، لأنه يثق بكِ، ويحبكِ. ربما، في وجودكِ، يرى بعضاً من النور الذي فقده."

نظر إليها والدها بعينين مليئتين بالأمل. "أتذكرين كيف كنتِ تتحدثين إليه عن أحلامه؟ عن رغبته في مساعدة الآخرين؟ ربما، إذا ذكرناه بتلك الأحلام، وبقيمنا، يستطيع أن يستفيق."

"سأفعل ما بوسعي يا أبي،" قالت ليلى، وقد استجمعت قواها. "سأذهب معه. وسأحاول أن أفهم، وأن أساعد."

"هذا كلام ابنتي العزيزة،" قال والدها، وأمسك بيدها. "علينا أن نتذكر أن المعركة ضد هذا الداء معركة نفسية بقدر ما هي معركة جسدية. الإدمان يسلب الإرادة، ويغطي على الصوت الداخلي الذي يدعو إلى الخير. مهمتنا هي أن نجد ذلك الصوت، وأن نقويه."

"وماذا عن سارة؟" سألت ليلى فجأة. "هل سنخبرها؟"

تنهد الشيخ عبد الرحمن. "هذا سؤال صعب. سارة فتاة طيبة، وتقدر فهد كثيراً. لكن، في هذه المرحلة، ربما من الأفضل أن نؤجل إخبارها. حتى نتمكن من بناء بعض الأسس، ونتأكد من مسار العلاج. خوفها وقلقها قد يزيدان الأمر تعقيداً. سنحتاج إلى تركيز كامل منا. وعندما يتحسن الوضع، سنخبرها، بكل شفافية."

"حسناً يا أبي،" قالت ليلى، وهي تشعر بثقل المسؤولية يتزايد. "متى سنذهب؟"

"اليوم، بعد صلاة العصر. جهزي نفسكِ. سنذهب إلى ذلك المقهى الذي تحدثتِ عنه. سنكون هادئين، ملاحظين. سنتجنب المواجهة المباشرة قدر الإمكان في المرة الأولى. فقط نريد أن نرى، وأن نفهم."

كانت ليلى تشعر بمزيج من الخوف والقلق. لكنها كانت أيضاً تشعر بنوع من التحدي. كانت مستعدة لخوض هذه المعركة، من أجل أخيها. لقد رأته يتدهور، ورأت الألم في عيون والديها. لم يعد بإمكانها الوقوف مكتوفة الأيدي.

وبينما كانت تستعد، وهي تختار ملابسها بعناية، حاولت أن تتذكر كل تفاصيل شخصية فهد. كيف كان يحب أن يتحدث؟ ما هي الأشياء التي كانت تثير اهتمامه؟ كانت تعلم أن هذه المعركة لن تكون سهلة، وأنها قد تواجه ردود فعل قاسية من فهد. ولكنها كانت مصممة على الصمود، على محاولة إنقاذه.

لقد كان فهد يمثل لها كل شيء. شقيقتها الصغرى، ليلى، كانت تمثل لها ذلك الجزء الحنون، المخلص، الذي لم يزل يحمل بذرة الخير. أما فهد، فكان يمثل القوة، العقل، والطموح. رؤيته في هذا الوضع كانت أشبه برؤية نجم كبير يتساقط من السماء.

"أتمنى أن يكون لديهم حل،" همست ليلى لنفسها وهي تنظر إلى صورتها مع فهد في طفولتهما. صورة كانت تضحك فيها بعفوية، وكان فهد يحملها بين ذراعيه، يبتسم ابتسامة واثقة. يا لها من أيام! أيام كانت فيها الحياة بسيطة، وكان المستقبل مشرقاً.

الآن، يبدو أن هذه البساطة قد ضاعت، وأن أشعة المستقبل أصبحت معتمة. ولكن، عزم والدها، وإصرارها، كانا يمثلان بصيص أمل. أمل قد يكون هو ما يحتاجونه للنجاة.

وعندما حان وقت الخروج، شعرت ليلى بقلبها يخفق بشدة. كانت تعرف أن هذه الخطوة الأولى، قد تكون الأصعب. ولكنها كانت مستعدة. مستعدة لمواجهة ظلال الماضي، والبحث عن حقيقة فهد في متاهة الحاضر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%