أنت وحدك الجزء الثاني
في قلب العاصفة
بقلم سارة العمري
بعد صلاة العصر، جلست ليلى في سيارة والدها، قلبها يخفق بعنف. كان الشيخ عبد الرحمن يقود بهدوء، ولكن في عينيه كانت تتجلى حدة وتركيز. كانا متجهين إلى أحد أحياء الرياض التي اشتهرت بكثرة المقاهي والمطاعم، والتي كان فهد يرتادها كثيراً في الآونة الأخيرة.
"هل أنتِ مستعدة يا ابنتي؟" سأل والدها بنبرة هادئة، وكأنه يستشعر اضطرابها.
"نعم يا أبي،" أجابت ليلى، محاولة أن تبدو أقوى مما تشعر. "أنا مستعدة."
قاد والدها السيارة إلى أحد الشوارع الجانبية، ثم توقف أمام مقهى ذي واجهة زجاجية داكنة، تحفها نباتات صناعية، وتتردد منها أصوات موسيقى خافتة. كان المكان يبدو كئيباً، لا يوحي بالراحة.
"هذا هو المكان الذي أشار إليه أحد معارفك،" قال والدها. "يبدو أنه مكان يلتقي فيه فهد ببعض أصدقائه الجدد."
ترجلا من السيارة، ودخلا المقهى. كان الهواء بالداخل ثقيلاً، مملوءاً بروائح غريبة، مزيج من القهوة القوية، العطور الاصطناعية، ودخان خفيف. كان المكان مكتظاً بالشباب، يتحدثون بصوت عالٍ، ويضحكون بطريقة مفتعلة.
بدأت ليلى تشعر بالضيق. كانت هذه الأجواء غريبة عليها، ولا تشبه أي شيء اعتادته. ولكنها تذكرت مهمتها، وألقت نظرة على والدها الذي كان يتجول ببصره في أرجاء المكان، يبحث عن فهد.
بعد دقائق قليلة، لمحا فهد جالساً في زاوية بعيدة، مع شابين آخرين، يتحدثون بحماس. بدا فهد شاحباً، وعيناه زائغتان، لكنه كان يبتسم. ابتسامة لم تكن تصل إلى عينيه.
"هذا هو،" قال والدها بصوت خفيض. "دعيني أتحدث معه أولاً. أريدكِ أن تجلسي على طاولة قريبة، وتشاهدين. إذا شعرتِ بأن الأمور تخرج عن السيطرة، أو أن فهد في حاجة إليكِ، أرسلي لي إشارة."
وافقت ليلى، واتجهت نحو طاولة فارغة قريبة من حيث يجلس فهد. جلست، وحاولت أن تبدو طبيعية، بينما كانت عيناها تراقبان أباها وهو يتجه نحو فهد.
كان فهد يضحك مع أصدقائه، ثم استدار ليجد والده يقف أمامه. اختفت الضحكة من وجهه، وحل محلها مزيج من المفاجأة والارتباك.
"أبي؟ ماذا تفعل هنا؟" سأل فهد بصوت حاذر.
"جئت لأتحدث معك يا بني،" قال الشيخ عبد الرحمن بهدوء. "وقد رأيتك هنا، فجئت لأحييك."
بدا فهد متوتراً. "كنت مشغولاً قليلاً، أبي. مع أصدقائي."
"أنا أرى ذلك،" قال والدها، ثم نظر إلى الشابين الجالسين مع فهد. "هل لي أن أجلس معكم قليلاً؟"
تخشخش فهد. "لكن... نحن نتحدث في أمور خاصة."
"لا بأس،" قال الشيخ عبد الرحمن، وهو يضع يده على كتف فهد. "أنا والدك، وأنا جزء من عائلتك. وما يهمك، يهمنا."
جلست ليلى، وهي تشعر بتزايد القلق. رأت فهد يحاول أن يتكلم، لكن الكلمات كانت تخرج منه بصعوبة. كان واضحاً أنه غير مرتاح.
"أتمنى أن لا أكون قد قاطعتكم،" قال الشيخ عبد الرحمن، وهو ينظر إلى الشابين. "ولكن، أود أن أتحدث مع فهد قليلاً، على انفراد."
نظر الشابان إلى فهد، ثم إلى الشيخ عبد الرحمن. كان واضحاً أنهما لا يستسيغان الأمر.
"نحن ذاهبون،" قال أحدهما ببرود. "ربما نلتقي لاحقاً يا فهد."
وقفا وغادرا، تاركين فهد ووالده في موقف محرج.
"ماذا كنت تفعل مع هؤلاء الأشخاص يا فهد؟" سأل والد فهد، وهو يحاول أن يبقي صوته هادئاً.
"إنهم أصدقائي يا أبي،" قال فهد بحدة. "لماذا دائماً تنظر إليهم كأعداء؟"
"لأنني أرى ما يفعلونه، وما يفعلونه بك،" قال الشيخ عبد الرحمن. "لقد رأيتك اليوم، ولست على ما يرام. تبدو شاحباً، ومتعباً."
"أنا بخير يا أبي،" قال فهد، وهو يتجنب النظر إليه. "فقط، تعبان من العمل."
"العمل؟" رفع والد فهد حاجبه. "أنت لا تذهب إلى العمل منذ أسابيع."
ارتعش فهد. "أنا... أنا أعمل من المنزل."
"فهد،" قال الشيخ عبد الرحمن، وقد بدأ صوته يكتسب حدة. "لقد اكتشفت أنك تخفي عنا الكثير. لقد اكتشفت أنك... تتعاطى. أليس كذلك؟"
كان الصمت ثقيلاً. بدا وكأن فهد انقبض على نفسه، وكأنه يتقلص. ثم، وبصوت خافت، كاد لا يُسمع، قال: "نعم."
ارتعشت ليلى من الألم. كانت تعرف أن هذا اليوم سيأتي، لكنها لم تتوقع أن تسمع هذه الكلمة منه مباشرة.
"ومن أين تحصل على هذه الأشياء؟" سأل والد فهد. "ومن هم هؤلاء الأصدقاء الذين تحدثت معهم؟"
"إنهم... إنهم يوفرونها لي،" قال فهد، وقد غطى وجهه بيديه. "إنهم يساعدونني."
"يساعدونك؟" صرخ الشيخ عبد الرحمن. "يساعدونك على تدمير نفسك؟ على تدمير حياتك؟"
"لا تقل هذا يا أبي!" قال فهد، وقد بدأت الدموع تتساقط من عينيه. "أنا... أنا أحاول التوقف، ولكنني لا أستطيع."
"لماذا لا تستطيع؟" سأل والد فهد، وقد خفت صوته ليصبح أكثر تعاطفاً. "هل لأنك لا تريد؟ أم لأن هؤلاء الأصدقاء منعوك؟"
"لا أعرف!" صرخ فهد، وهو يبكي. "أنا... أشعر بالضعف، أشعر بالوحدة. وكل شيء يبدو أسهل عندما... عندما أنسى."
"تنسى؟" قال الشيخ عبد الرحمن. "النسيان ليس حلاً يا بني. النسيان يزيد المشكلة تعقيداً. أنت بحاجة إلى المساعدة، فهد. أنت بحاجة إلى علاج."
"لا أريد علاجاً!" صرخ فهد. "لا أريد أن أذهب إلى مصحة. أريد فقط أن أكون وحدي."
"لن تكون وحدك يا بني،" قال والد فهد، وهو يقترب منه. "نحن هنا. أنا و... ليلى."
كان فهد قد نسي تماماً أن ليلى موجودة. عندما نظر إليها، رأى في عينيها مزيجاً من الشفقة والألم. شعرت ليلى بأن قلبها يتقطع. أرادت أن تذهب إليه، أن تحتضنه، لكنها شعرت بأنها لا تستطيع.
"ليلى؟" قال فهد، وهو ينظر إليها بصدمة. "ماذا تفعلين هنا؟"
"أتيت لأساعدك يا فهد،" قالت ليلى بصوت مرتجف. "أتيت لأكون معك."
"لقد أخبرتني أنك لا تعرفين شيئاً،" قال فهد لوالده، وعيناه حمراوان.
"كنت أحاول أن أرى إلى أي مدى ستصل الأمور،" قال الشيخ عبد الرحمن. "ولكن، لقد وصلت إلى نقطة لا يمكن تجاهلها."
"أنا آسف،" قال فهد، وهو يغطي وجهه بيديه مرة أخرى. "آسف لأنني خيبت ظنكم. آسف لأنني... أصبحت هكذا."
"لا تقل هذا يا بني،" قال والد فهد. "سنخرجك من هذا. سنقف معك. ولكن، يجب أن تكون أنت أول من يريد الخروج. يجب أن تكون قوياً."
"لا أستطيع أن أكون قوياً!" صرخ فهد. "أنا ضعيف جداً!"
"الضعف ليس عيباً يا بني،" قال والد فهد. "العيب هو الاستسلام. والعيب هو عدم طلب المساعدة. لقد طلبت المساعدة الآن. وهذا هو أول خطوة. والآن، علينا أن نتحدث عن خطوتنا التالية. وهي الذهاب إلى متخصص. هل توافق؟"
نظر فهد إلى والدته، ثم إلى أخته. رأى في عيونهم حباً، وقلقاً، وأملاً. لم يستطع أن يرفض.
"حسناً،" قال فهد، بصوت بالكاد مسموع. "سأذهب. ولكن... لا تخبروا أحداً."
"لن نخبر أحداً حتى تقرر أنت،" قال والد فهد. "ولكن، علينا أن نتخذ القرار الصحيح. هذه ليست مجرد مشكلة، هذه قضية حياة أو موت."
ارتفعت أنفاس ليلى. كانت هذه العاصفة التي كانوا يخشونها. ولكن، الآن وبعد أن انفجرت، ربما يستطيعون البدء في إيجاد طريق للخروج منها.
"هيا يا بني،" قال الشيخ عبد الرحمن، وقد مد يده لفهد. "لنجلس ونتحدث بهدوء. لنتحدث عن مستقبلك."
مد فهد يده، وأمسك بيد والده. وشعر بالدفء، وشعر بالأمل. كان يعلم أن الطريق طويل، ولكن، لأول مرة منذ فترة طويلة، شعر بأنه ليس وحيداً.