الحب المستحيل الجزء الثاني
فجرٌ على رمالٍ متغيرة
بقلم سارة العمري
كانت الشمس قد بدأت لتوّها ترسل خيوطها الذهبية الأولى لتداعب قمة جبل "القمر"، الذي اعتاد أن يقف شاهداً على صمت الصحراء العظيم. في أسفله، حيث امتدت قرية "واحة الأمل" كوشاحٍ من الطين الأبيض يلتف حول نخلٍ باسق، كان صوتٌ رقيقٌ ولكنه حازمٌ يرتفع، يكسر هدوء الفجر. إنه صوت "ليلى"، الفتاة التي لم تتجاوز العشرين ربيعاً، ولكن عينيها تحملان بحراً من التجارب.
كانت ليلى تقف أمام موقدٍ صغيرٍ تنبعث منه رائحة القهوة العربية الأصيلة، تلفّها عباءةٌ سوداءٌ فضفاضةٌ، تبرز لمعان عينيها الداكنتين وهدوء ملامحها. لم تكن مجرد فتاةٍ من القرية؛ كانت ابنة شيخها، ولكنها اختارت أن تبدأ يومها قبل الجميع، لتستقبل رزق الله بصبرٍ وعمل. اليوم، كان لديها مهمةٌ خاصةٌ، مهمةٌ تتطلب منها الصمت واليقظة.
"أمي، هل أنتِ متأكدة؟" سألت ليلى والدتها، السيدة "فاطمة"، التي كانت تجلس بهدوءٍ تراقبها وهي تجهز حقيبةً صغيرةً. ابتسمت السيدة فاطمة ابتسامةً حانية، وقالت بصوتٍ فيه دفء السنين: "ثقي بربك وبما يمليه عليكِ قلبك يا ابنتي. لقد رأيتُ فيه ما لم يره الآخرون."
كانت "السيدة فاطمة" امرأةً ذات فراسةٍ عميقة، وغالباً ما كان حدسها يسترشد بنورٍ إلهي. كانت ليلى تكنّ لها كل الاحترام والتقدير، وتثق في حكمتها أكثر من أي شيءٍ آخر. "ولكن، يا أمي، الخوف يتسلل إلى نفسي. ماذا لو لم يكن الأمر كما نتوقع؟ ماذا لو كان مجرد وهم؟" همست ليلى، وشعرها الأسود الداكن ينساب على كتفها.
"إذا كان وهماً، فإن الله سيأخذ بيدنا. وإذا كان حقيقةً، فسنكون نحن المبادرين بالخير، كما عودنا أبوكِ." قالت السيدة فاطمة، ويديها تتلمسان بحنانٍ وجه ابنتها. "لقد بلغني أن قافلة الحاج "أحمد" ستصل اليوم. وهذا هو الوقت المناسب."
تنفست ليلى بعمق، وأغلقت الحقيبة التي كانت تحتوي على بعض الأطعمة الطازجة، وبعض الحاجيات التي تبرعت بها نساء القرية للمحتاجين. كانت "القافلة" هي شريان الحياة لهذه القرية النائية، تحمل إليها المؤن، وتأخذ منها ما تجود به الأرض. ولكن هذه المرة، كان للقافلة أهميةٌ أخرى، أهميةٌ تتجاوز مجرد التجارة.
عندما خرجت ليلى من منزلها، كان شعاع الشمس الأول قد لامس أسوار القرية الطينية، يرسم ظلالاً طويلةً تتراقص فوق الرمال. استقبلها هواء الصباح النقي، محملاً برائحة النخيل والتراب الندي. لم يلتفت إليها أحدٌ في هذا الوقت المبكر، فكانت هذه فرصةٌ لها لتنطلق دون لفت الأنظار.
كانت تسير بخطواتٍ ثابتةٍ نحو طرف القرية، حيث تقع ساحة السوق الصغيرة التي لم تكن قد استيقظت بعد. عيناها تترقب كل شيء، من حركة حشرةٍ صغيرةٍ على ورقة شجر، إلى أبعد نقطةٍ في الأفق. كانت تبحث عن علامةٍ معينة، علامةٍ أشار إليها والدها قبل وفاته بفترةٍ وجيزة، علامةٌ لم يفهمها أحدٌ حينها، ولكنها أصبحت الآن مفتاحاً لسرٍ قد يغير مجرى حياتهم.
وصلت ليلى إلى شجرة نخيلٍ معمرةٍ تقف وحيدةً على مشارف القرية. كانت هذه الشجرة تحمل علامةً غريبةً، نقشها أحدهم منذ زمنٍ بعيد، شكلٌ يشبه هلالاً ينقصه نجمة. وقفت ليلى تحت ظلها، واستندت إلى جذعها، تستجمع قواها.
"بسم الله الرحمن الرحيم..." تمتمت، وبدأت تتلو آياتٍ من القرآن الكريم، بنية التوفيق والاستعانة. وبينما كانت ترفع بصرها نحو السماء، لاحظت شيئاً يتحرك في الأفق البعيد. كانت غيمةً صغيرةً، ولكنها كانت تتحرك بسرعةٍ غير طبيعية، كأنها تجري فوق الرمال.
لم تكن غيمةً. كانت حوافر خيلٍ تثير سحابةً من الغبار. اقتربت السحابة، وتوضحت معالمها. قافلةٌ. قافلةٌ لم تكن تشبه القوافل المعتادة. كانت الإبل فيها تسير بخطىً متثاقلة، والمركبات تبدو أثقل من المعتاد. وكان على رأسها رجلٌ طويلٌ، ذو لحيةٍ سوداءٍ كثيفةٍ، يرتدي ثياباً داكنةً.
شعر قلب ليلى بخفقانٍ متسارع. هذا الرجل، لم ترَهُ من قبل. هل هو الحاج أحمد؟ لا، الحاج أحمد معروفٌ لديهم. إذن، من يكون؟ تسلل شعورٌ غريبٌ إلى نفسها. مزيجٌ من الخوف والفضول. كانت قد تلقت رسالةً غامضةً قبل أسبوع، رسالةٌ كتبتها بخطٍ مجهول، وتحدثت عن قدوم شخصٍ سيغير القدر، شخصٍ يحمل في طياته أملاً وبؤساً في آنٍ واحد. هل هذا هو الرجل؟
توقفت القافلة على مقربةٍ منها، ونزل الرجل الطويل عن جمله. كان وجهه خالياً من أي تعابير، ولكن عينيه كانت تتجولان بسرعةٍ في الأنحاء، وكأنه يبحث عن شيءٍ ما. ثم، رفعت عينيه، وتثبتت على ليلى.
شعرت ليلى وكأن الزمن قد توقف. كانت تلك النظرة، نظرةٌ تحمل ثقلاً هائلاً، وكأنها تعرفها منذ زمنٍ طويل، ولكنها لا تستطيع تحديد مصدر هذه المعرفة. لم يكن الرجل قبيحاً، بل كان له هيبةٌ وجاذبيةٌ غريبة. ولكن ما لفت انتباهها أكثر، هو قطعة قماشٍ مطرزةٍ كانت معلقةً على صدره، تحمل نفس العلامة الموجودة على جذع شجرة النخيل: هلالٌ ينقصه نجمة.
تجمعت نساء القرية، اللواتي بدأن يخرجن من منازلهن مع ارتفاع الشمس. ولكن ليلى لم تنتبه إليهن. كانت عيناها ما زالتا مثبتتين على الرجل. تقدم الرجل بخطواتٍ وئيدةٍ نحوها، والرمال تتناثر تحت قدميه. لم يتحدث، ولم تتقدم هي بخطوة. كلاهما يقفان في صمتٍ، والمسافة بينهما تضيق، تحمل معها وعداً بأسرارٍ ستنكشف، وبحياةٍ ستبدأ من جديد.
عندما أصبح الرجل على بعد خطواتٍ قليلةٍ منها، رفع يده، وبدأ يفك قطعة القماش المطرزة. مدها نحوها. "هل أنتِ ابنة شيخ القرية؟" سأل بصوتٍ أجش، ولكنه كان يحمل نبرةً غريبةً، فيها حزنٌ دفين. أومأت ليلى برأسها، وما زالت تحمل الحقيبة بيدها. "أنا... أنا ليلى." قالت بصوتٍ مخنوق.
ابتسم الرجل ابتسامةً باهتة، ثم قال: "لقد كُلفتُ بإيصال هذا إليكِ. إنه أمانةٌ." مد يده، ووضع قطعة القماش المطرزة في يدها. كانت خفيفةً، ولكنها بدت أثقل من أي شيءٍ حملته من قبل. عندما فتحتها، وجدت بداخلها قلادةً فضيةً بسيطةً، تتوسطها حجرٌ أزرقٌ لامعٌ، وعلى ظهرها نقشت نفس العلامة.
"هذه... هذه أمي..." قالت ليلى، والدموع بدأت تتجمع في عينيها. لم يكن هناك أي شك. هذه القلادة، هذه العلامة، كانت جزءاً من حكايةٍ سمعتها من جدتها عن أختٍ ضاعت قبل سنواتٍ طويلة، وعن علامةٍ تركتها لت تعرفها عائلتها. "وهذا أيضاً." قال الرجل، وأخرج من جيبه رسالةً مختومةً. "من... من شخصٍ لن يعود."
أخذت ليلى الرسالة، ويداها ترتجفان. عندما نظرت إلى اسم المرسل، شعرت وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميها. كان الاسم مألوفاً جداً، اسماً لم تسمعه منذ زمنٍ طويل، اسماً حمل معه ذكرياتٍ مؤلمةً وجميلةً في آنٍ واحد. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." قال الرجل، ثم استدار وابتعد، عائداً إلى قافلته.
وقفت ليلى وحدها، والقلادة والرسالة بين يديها، تحت أشعة الشمس التي بدأت ترتفع، وكأنها تريد أن تكشف عن كل الأسرار التي تحملها هذه الصحراء الشاسعة. لقد بدأ فجرٌ جديد، فجرٌ على رمالٍ متغيرة، يحمل معه تغييراً لم تتوقعه.