الحب المستحيل الجزء الثاني
حديث الذكريات على ضفاف الأمل
بقلم سارة العمري
كان مقهى "الواحة" يقع في زاوية هادئة من المدينة، تحيط به الأشجار الوارفة، وتنساب فيه مياه نافورة صغيرة، تنشر جواً من السكينة والرومانسية. اختار زياد طاولته في مكان منعزل، يطل على حديقة المقهى الخضراء، ليمنحاهما بعض الخصوصية. وصل قبله بدقائق، وأوصى النادل بعدم إزعاجهما.
عندما دخلت أميرة، شعر زياد بارتباك مفاجئ، وكأن أول لقاء لهما قد عاد من جديد. رأى الفتاة التي أحبها، بجمالها الهادئ، وعينيها اللتين تحملان مزيجاً من الشوق والحذر. جلست أمامه، وابتسمت ابتسامة خفيفة، حاولت بها أن تخفي قلقها.
"مرحباً زياد."
"أهلاً بكِ أميرة. شكراً لكِ على المجيء."
"لم يكن لدي خيار." قالت أميرة، بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية. "لقد طرحت أمراً بدا مهماً."
"هو مهم حقاً." أردف زياد، وهو ينظر إليها بتأمل. "ولكن دعيني أولاً أطلب لكِ شيئاً. قهوة؟ شاي؟"
"قهوة سادة، من فضلك."
طلب زياد القهوة، ثم عاد بنظره إليها. "لقد مر وقت طويل جداً يا أميرة."
"نعم، سنوات طويلة."
"هل تسمحين لي أن أسألكِ سؤالاً؟"
"تفضل."
"كيف كنتِ؟ كيف تجاوزتِ كل شيء؟"
نظرت أميرة إلى فنجان القهوة الذي وصل، وأخذت ترتشف منه ببطء. "لقد كانت رحلة طويلة يا زياد. مليئة بالصعاب، ولكنها علمتني الكثير."
"أعلم أنني سبب الكثير من الألم لكِ." قال زياد بصوت خافت. "لقد كنت صغيراً، وساذجاً. لم أفهم قيمة ما كنت أملكه."
"لم يكن الأمر سهلاً." قالت أميرة. "ولكنني لم أستسلم. آمنت بأن الله لديه خطة لي، وأنني سأجد طريقي."
"ووجدتِ طريقكِ. لقد رأيتِ إنجازاتكِ، إنكِ مهندسة رائعة."
"شكراً لك."
"ولكن، هل ما زلتِ تشعرين تجاهي بنفس المشاعر التي كانت في الماضي؟" سأل زياد، وبدا على صوته بعض التوتر. "أم أن كل شيء قد تلاشى؟"
تنهدت أميرة. "المشاعر لا تتلاشى بسهولة يا زياد. ولكنها تتغير. تتحول. أعتقد أنني تجاوزت مرحلة الحب المتهور. الآن، أبحث عن السكينة، وعن الاستقرار. أبحث عن زواج مبارك، يعتمد على الاحترام المتبادل، وعلى رضا الله."
"وهل تعتقدين أنني قادر على منحكِ ذلك؟" سأل زياد، وعيناه مثبتتان على عينيها. "لقد عدت لأجل ذلك. لأجل فرصة ثانية. لأجل بناء حياة كريمة، في ظل ما يرضي الله. لم أعد الشاب المتهور الذي عرفتيه. لقد نضجت، وتعلمت."
"كيف لي أن أصدق ذلك؟" قالت أميرة، بنبرة ضعف. "لقد تركتني في أصعب لحظات حياتي."
"وأنا أعرف ذلك. ولكن هل يمكن أن تغفري لي؟ هل يمكن أن تعطيني فرصة، لأثبت لكِ أنني تغيرت؟"
كانت كلماته مؤثرة، وكان صدقها يتردد في صدى المكان. شعرت أميرة بأن قلبها بدأ يلين، ولكنها حاولت أن تحافظ على توازنها.
"الأمر ليس بهذه البساطة يا زياد. لقد بنيت حياتي من جديد. لدي أحلامي، وأهدافي. ولا أريد أن أدخل في علاقة قد تعيدني إلى نقطة البداية."
"ولكن، ألا تفكرين في إمكانية بناء مستقبل جديد؟ مستقبل أفضل؟" سأل زياد، وبدا عليه بعض اليأس. "أنا لا أريد أن أفرض نفسي عليكِ، أميرة. ولكنني أشعر بأننا ما زلنا مرتبطين ببعضنا البعض بطريقة ما."
"الارتباط القديم لا يعني بالضرورة مستقبل مشترك." قالت أميرة، وعادت بنظراتها إلى الحديقة.
"ولكن، إذا أردتِ ذلك، يمكن أن نصنع مستقبلاً جديداً. مستقبلاً لا يكون فيه الماضي سداً يمنعنا، بل جسراً يقودنا."
صمتت أميرة، وهي تفكر في كلمات زياد. كانت ترى في عينيه صدقاً، ورغبة حقيقية في التغيير. ولكنها كانت تخشى أيضاً. تخشى أن تكون قراراتها متسرعة، وأن تندم لاحقاً.
"ما الذي جعلك تعود إلى هنا؟" سألت أميرة فجأة. "ما الذي دفعك للبحث عني؟"
"لقد عدت لأجل العمل، ولكن وجودي هنا أعاد إلي كل الذكريات." قال زياد. "لم أستطع أن أنساكِ. وشعرت بأنني مدين لكِ بالكثير. كنت بحاجة لأن أقدم لكِ اعتذاراً، وأن أرى ما إذا كان هناك مجال لإعادة بناء الثقة."
"الثقة تبنى بصعوبة يا زياد."
"وأنا مستعد لبناء هذه الثقة، حجراً حجراً. أريد أن أريكِ أنني أصبحت رجلاً يستحق ثقتكِ، ورجلاً يقدر حبكِ."
تناول زياد يد أميرة بلطف، ونظر في عينيها. "أميرة، أنا أحبكِ. وما زلت أحبكِ. وأريد أن أثبت لكِ أنني تغيرت، وأنني أستطيع بناء حياة سعيدة لكِ، حياة مباركة."
شعرت أميرة بدموع تتجمع في عينيها. كان كلام زياد يلامس وتراً حساساً في قلبها. لقد طالما تمنت أن تجد شخصاً يفهمها، ويحبها بصدق، ويتزوجها على سنة الله ورسوله.
"لا أدري يا زياد." قالت أخيراً. "يجب أن أفكر في الأمر."
"خذي وقتكِ." قال زياد. "ولكن، لا تدعي الماضي يحول دون مستقبل جميل. أنا مستعد للانتظار، وللانتظار بصبر."
بينما كانت أميرة تغادر المقهى، وشعور متضارب يملؤها، كان زياد يشاهدها، وبدا على وجهه مزيج من الأمل والقلق. لقد كانت محادثتهما خطوة أولى، خطوة صغيرة، ولكنه كان يعلم أن الطريق لا يزال طويلاً.