الحب المستحيل الجزء الثاني
نبوءة الماضي وصدمة الحاضر
بقلم سارة العمري
تلقى أحمد رسالة ليلى. كانت كلماتٌ بسيطة، لكنها حملت في طياتها وزناً عظيماً. "أحمد، أشكرك على مشاعرك الصادقة. يسعدني جداً أنك ترى فيَّ ما رأيت. وأنا أيضاً، أرى فيك الشاب الخلوق، صاحب المبادئ. يسعدني أن نلتقي لنتحدث في هذا الأمر. سأتحدث مع عائلتي، وأخبرك بالموعد الذي يناسبنا."
قرأ أحمد الرسالة مراراً وتكراراً، وكلما قرأها، شعر بأن قلبه يرقص فرحاً. كان هذا ما يتمناه. كان هذا هو الحل الذي يبحث عنه. ابتسم ابتسامةً عريضة، وأرسل رداً سريعاً: "ممتاز يا ليلى. سأكون بانتظار موعدكم. وأنا على أتم الاستعداد لزيارة عائلتكِ الكريمة."
في اليوم التالي، اجتمع أحمد بعائلته. والدته، السيدة فاطمة، ووالده، السيد خالد، وهما رجلان فاضلان، يتمتعان بالحكمة والرؤية الثاقبة. تحدث معهما بصراحةٍ عن ليلى، وعن مشاعره تجاهها، وعن رغبته في التقدم لخطبتها.
استمع والداه باهتمامٍ، وكانا سعيدين لسماع رغبته في بناء أسرةٍ على أسسٍ سليمة. قالت السيدة فاطمة بحنان: "يا بني، نحن نعلم أنك اخترت بقلبك وعقلك. ورضاك هو رضا والديك. فإذا كانت هذه الفتاة هي ما تريده، فنحن نسعد بذلك."
وأضاف السيد خالد وهو يبتسم: "لقد سمعنا من الأستاذ إبراهيم، عم ليلى، عن أخلاقها وحسن تربيتها. هذا شيءٌ يسرنا. متى ترغب في زيارتهم؟"
أجاب أحمد بحماس: "أردت أن أرى رأيكم أولاً. إذا كان الأمر مناسباً لكم، فأنا أرغب في زيارتهم قريباً جداً."
اتفقوا على تحديد موعدٍ مناسبٍ لزيارة عائلة ليلى، وكان ذلك بمثابة الخطوة الأولى نحو تحقيق حلمٍ بدأ يترسخ في قلب أحمد.
في منزل ليلى، كانت الأجواء مليئةً بالحيوية. تحدثت ليلى مع عائلتها عن رد أحمد، وعن رغبتهم في الزيارة. كان والدها، الأستاذ إبراهيم، سعيداً جداً. فقد كان يعرف أحمد منذ صغره، وكان يقدر أخلاقه وعلمه.
"هذا خبرٌ مفرحٌ جداً يا ليلى"، قال الأستاذ إبراهيم وهو يمسح على رأسها بحنان. "لقد قابلت الأستاذ أحمد عدة مرات، وأرى فيه الشاب الذي تتمناه كل فتاةٍ صالحة. رجلٌ على خلقٍ، وعلى علمٍ، ويحترم الآخرين. هذا هو الزواج المبارك بإذن الله."
أما جدتها، الحاجة زينب، فقد كانت تراقب المشهد بعينين تفيضان بالرضا. كانت ترى أن القدر بدأ يتدخل، وأن الخيوط القديمة بدأت تنسج مستقبلاً جديداً.
"أتذكر جيداً سليمان، يا ابنتي"، قالت الحاجة زينب بصوتٍ خفيضٍ، وكأنها تخاطب شبحاً من الماضي. "كان شاباً نبيلاً، يحمل في قلبه أحلاماً كبيرة. وقد كان لابد أن يسلك طريقاً صعباً ليحقق تلك الأحلام. واليوم، أرى في الأستاذ أحمد، تلك الروح النبيلة، وذلك العزم على فعل الخير."
كانت تلك الكلمات تثير في ليلى فضولاً عميقاً. كانت تشعر بأن هناك شيئاً ما، شيئاً غامضاً، يربط بين أحمد، وبين تلك القصة القديمة التي تتحدث عنها جدتها.
في هذه الأثناء، وبينما كانت الأمور تبدو هادئةً ومشرقةً في منزل ليلى، كان هناك من يراقب الأحداث عن كثب، وبقلبٍ لا يهدأ. كانت السيدة أميرة، والدة خطيبها السابق، نادر. أميرة كانت امرأةً قوية، متعجرفة، وتكن عداوةً دفينةً لليلى وعائلتها. فقد كانت تعتبر أن زواج نادر من ليلى هو إهانةٌ لها ولعائلتها، وأنها لن تسمح بذلك أبداً.
لقد تلقت أميرة بعض الأنباء عن قرب ارتباط ليلى، وكان مصدر هذه الأنباء غالباً ما يكون من بعض الأشخاص الذين كانت تربطهم علاقاتٌ ببعض أقارب ليلى، أو من خلال مراقبةٍ غير مباشرة. كانت تشعر بأن هناك شيئاً يدور، وأن ليلى قد تجد طريقاً جديداً.
في يومٍ مشمسٍ، بينما كانت تجلس في صالونها الفاخر، شربت قهوتها بهدوء، ثم فتحت هاتفها. اتصلت بأحد الأشخاص الذين كانت تثق بهم، شخصٌ كان يعمل لديها سابقاً، لكنه كان يميل إلى فعل ما يصب في مصلحته.
"هل من أخبارٍ جديدةٍ يا سمير؟"، سألت أميرة بصوتٍ لا يحمل أي دفء.
رد سمير بصوتٍ خفيضٍ: "نعم يا سيدتي. يبدو أن الأمور تتجه نحو إتمام الخطبة بين ليلى الشاب أحمد. وقد بدأ التحضير لزيارةٍ رسميةٍ من عائلته."
شعرت أميرة بقبضةٍ باردةٍ تعتصر قلبها. "أحمد؟ من هو هذا أحمد؟"
أوضح سمير: "هو شابٌ معروفٌ في الأوساط العلمية، يعمل مهندساً في شركةٍ كبيرة، ووالده رجلٌ ذو نفوذٍ. يبدو أنه شخصٌ لا بأس به."
"لا بأس به؟" صرخت أميرة بصوتٍ متهدج. "لا بأس به؟ هذا مستحيل! لن أسمح بهذا أبداً! هذه الفتاة، ليلى، لا تستحق إلا ما عانته من قبل. ولن أسمح بأن تجد سعادةً مع شخصٍ آخر."
كانت كلماتها تحمل حقداً عميقاً، وحزناً دفينًا. كانت تتذكر كيف اضطرت إلى فسخ خطبة ابنها نادر من ليلى، وكيف أحست بالإهانة. والآن، يبدو أن القدر يعطيها فرصةً أخرى للانتقام.
"سمير"، قالت أميرة بصوتٍ قاسٍ، "أريدك أن تبحث عن معلوماتٍ عن هذا 'أحمد'. كل شيءٍ عنه. عائلته، عمله، علاقاته. أريد أن أعرف نقاط ضعفه. لا أريد أن ينجح هذا الارتباط. بأي ثمن."
لم تسأل أميرة عن دوافع سمير، ولم تهتم. كانت مصممةً على تدمير سعادة ليلى. كانت تعتقد أن ليلى هي سبب شقاء ابنها نادر، وأنها تستحق أن تعيش حياةً تعيسة.
في هذه الأثناء، وبينما كانت أميرة تخطط لشيءٍ شرير، كان أحمد وليلى على وشك أن يلتقيا. كانت زيارة عائلة أحمد لعائلة ليلى مقررةً في الأسبوع القادم. وكان كل منهما يتطلع لهذا اللقاء بفارغ الصبر.
لكن، القدر كان يخبئ لهما مفاجأةً لم يتوقعاها. في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تتجول في سوقٍ تقليديٍ مع جدتها، شاهدت رجلاً يجلس وحيداً في مقهى. كان رجلاً مسناً، يبدو عليه الحزن والوحدة. كان وجهه مألوفاً لها، ولكنها لم تستطع تحديد هويته.
اقتربت منه بفضول، وقالت بصوتٍ خفيض: "عفواً يا سيدي، هل أعرفك؟"
نظر الرجل إليها بعينين زائغتين، ثم ابتسم ابتسامةً حزينة. "ربما يا ابنتي. ربما عرفتني في زمنٍ آخر."
شعر أحمد، الذي كان في مكانٍ قريبٍ، بالفضول. اقترب من ليلى، ورأى الرجل المسن. شعر بأن هناك شيئاً غريباً.
ثم، قال الرجل المسن بصوتٍ بالكاد يُسمع: "النبوءة القديمة... لم تتحقق بعد..."
ارتعش جسد ليلى، وشعر أحمد بقشعريرةٍ تسري في عروقه. ماذا يقصد هذا الرجل؟ ما هي النبوءة القديمة؟
كان هذا اللقاء الغامض، وهذه الكلمات المبهمة، هي الشرارة الأولى لحدثٍ مفاجئٍ سيقلب حياتهما رأساً على عقب. صدمةٌ بدأت تتشكل في الأفق، وصدمةٌ ستجعل من رحلتهما نحو المستقبل أكثر تعقيداً مما كانا يتصورن.