الحب المستحيل الجزء الثاني
كشف الأسرار وخيانة الأقربين
بقلم سارة العمري
لم تستطع ليلى نسيان كلمات الرجل المسن الغامض. "النبوءة القديمة... لم تتحقق بعد..."، كانت تلك الكلمات تتردد في أذنيها كصدىً لحنٍ حزين. شعرت ببرودةٍ غريبةٍ تتسلل إلى قلبها، رغم دفء الجو. أمسكت بيد جدتها بيدٍ مرتجفة، وعادت إلى المنزل وهي تفكر ملياً.
عندما وصل أحمد إلى المنزل، وجد ليلى تبدو شاردة الذهن. سألها عن حالها، فقالت له عن لقائها بالرجل المسن، وعن كلماته الغريبة.
نظر أحمد إلى ليلى، وشعر بالقلق. "رجلٌ غريب؟ وكلامٌ مبهم؟ هذا ليس جيداً يا ليلى. يجب أن نكون حذرين."
بدأ أحمد يشعر بأن هناك شيئاً ما يحدث. لم يكن لديه أي فكرةٍ عن طبيعة "النبوءة القديمة"، لكنه كان يعلم أن أي أمرٍ يثير قلق ليلى، هو أمرٌ يقلقه هو أيضاً.
في هذه الأثناء، كانت السيدة أميرة قد بدأت تحركاتها. لم تكن تريد أن تنتظر طويلاً. أرادت أن تزرع الشكوك قبل أن تتأكد الخطبة رسمياً. اتصلت بسمير، وأمرته بأن يبدأ بتحضير "المعلومات".
"سمير"، قالت أميرة بصوتٍ يقطر شراسة، "أريد أن تتأكد من أن هذا 'أحمد' ليس سوى رجلٍ انتهازي، يبحث عن مصلحته. أريد أن أسمع قصصاً عن علاقاته السابقة، وعن نزاهته. وإن لم تجد، فابحث عن طرقٍ لتضخيم الأمور، أو لخلق بعض الشكوك."
وافق سمير، وهو يعلم أن هذه المهمة لن تكون سهلة، لكنه كان يعلم أيضاً أن أميرة لن تترك الأمر. فقد كانت لا تخشى شيئاً في سبيل تحقيق ما تريد.
وبدأ سمير بتحقيقاته. استعان ببعض الأشخاص الذين كانت لهم علاقةٌ بأحمد في السابق، وبدأ بجمع معلوماتٍ متفرقة. اكتشف أن أحمد لم يكن لديه علاقاتٌ جديةٌ كثيرة، وأنه كان دائماً ما يضع عمله ودراسته في المقام الأول. وهذا كان أمراً طبيعياً، لكن سمير بدأ يبحث عن أي شيءٍ يمكن تفسيره بشكلٍ سلبي.
ثم، تذكر سمير شيئاً. قبل سنواتٍ، كانت هناك قضيةٌ تتعلق بإحدى المشاريع الهندسية التي شارك فيها أحمد، ولم تكن الأمور واضحةً تماماً. كانت هناك بعض الاتهامات بوجود تلاعبٍ في المناقصات، لكن لم يتم إثبات أي شيءٍ على أحمد شخصياً.
شعر سمير بأن هذه قد تكون نقطةً جيدة. ذهب إلى أميرة، وقال لها: "يا سيدتي، لقد وجدت شيئاً. هناك قضيةٌ قديمةٌ تتعلق بالمهندس أحمد. كانت هناك شبهاتٌ حول تلاعبٍ في مناقصةٍ هندسية، لكن لم تثبت عليه أي أدلة. ولكن، يمكننا استخدام هذا لإثارة بعض الشكوك."
نظرت أميرة إلى سمير بابتسامةٍ ماكرة. "ممتاز يا سمير. هذا يكفي. أريد منك أن تنشر هذه القصة، ولكن بطريقةٍ تجعله يبدو مذنبًا. اربطها بنزاهته، وبأخلاقه. اجعل الأمر يبدو وكأن هذا هو وجهه الحقيقي."
بدأ سمير بنشر القصة، مستخدماً وسائل غير مباشرة. بدأ بنشر الشائعات على منصات التواصل الاجتماعي، ومن خلال بعض الأحاديث التي كان يمررها لأشخاصٍ يعرفون عائلة أحمد. كان هدفها هو زرع الشكوك في العقول، وجعل الناس يتحدثون عن أحمد بشكلٍ سلبي.
في هذه الأثناء، كانت الحاجة زينب تشعر ببعض القلق. لم تكن تنسى كلماتها عن "النبوءة القديمة"، وشعرت بأن هناك شيئاً ما بدأ يتحرك. في أحد الأيام، بينما كانت تبحث في صندوقٍ قديمٍ يخص جدتها "نور"، وجدت بعض الرسائل المكتوبة بخطٍ أنيق. كانت تلك الرسائل مكتوبةً بخطٍ يدويٍ جميل، وهي لـ "سليمان"، خطيب جدتها "نور" السابق.
قرأت الرسائل بقلبٍ يمتلئ بالحزن والأسى. كانت تلك الرسائل تتحدث عن حبه العميق لـ "نور"، وعن أمله في العودة إليها، وعن الظروف القاسية التي اضطرته إلى الاختفاء. لكن، في إحدى الرسائل، كانت هناك معلومةٌ صادمة.
كتب سليمان في إحدى الرسائل: "يا حبيبتي نور، إنني أضع بين يديكِ سرّاً عظيمًا، وسرّاً قد يغير مجرى حياتنا. لقد كنت أعمل على مشروعٍ سريٍ، يتعلق بإنقاذ ثروةٍ عائليةٍ كبيرة، كانت على وشك الضياع بسبب بعض الخلافات الداخلية. لقد نجحت في ذلك، ووضعت هذه الثروة في أمان. لكن، هناك شخصٌ خائنٌ من العائلة، حاول أن يسرق هذه الثروة. ولهذا، اضطررت إلى التظاهر بالاختفاء، لتجنب الصراع معه، ولحماية ما أملك. سأترك لكِ دليلاً، يمكن أن يكشف هذا الخائن، وهو...".
توقفت الحاجة زينب عن القراءة. صدمةٌ غمرتها. الخائن؟ الثروة؟ كيف يمكن أن يكون هذا صحيحاً؟ كانت تتذكر أن سليمان قد اختفى، وأن عائلته قد تدهورت أوضاعها المالية بعد ذلك.
نظرت إلى الرسالة التالية. كانت مكتوبةً بخطٍ مختلف. كان خطاً حاداً، وسريعاً، ويكاد يكون غير مقروء. كانت تلك الرسالة من "الخائن" نفسه، موجهةً إلى "نور".
"إلى نور"، قرأت الحاجة زينب بصوتٍ مرتجف، "إن سليمان لم يعد موجوداً. وقد كان أحمقاً عندما حاول أن يخدعنا. لقد أخذت منه كل شيء. والآن، أنتِ لا تملكين شيئاً. فإذا كنتِ تريدين أن تعيشي حياةً كريمة، فعليكِ أن تنسي سليمان، وأن تقبلي عرضي. عرضي هو أن تكوني زوجتي. عندها، سأعطيكِ كل ما تحتاجينه. وإلا، فستبقى حياتكِ بائسةً."
كان هذا هو ما كشفته الرسالة. كانت الصدمة كبيرةً جداً. كانت الحاجة زينب تشعر بأنها قد اكتشفت سراً مظلماً، سراً كان مدفوناً لسنواتٍ طويلة.
لكن، من هو هذا الخائن؟ ومن هو الرجل المسن الذي تحدثت عنه ليلى؟ هل كان هو نفسه سليمان؟
بدأت الحاجة زينب تربط الأحداث. سليمان اختفى، ثم تزوجت نور من رجلٍ آخر. ثم، مرت السنين، وظهر أحمد، وهو من نفس العائلة. هل كان هناك علاقةٌ بين هذه القصة القديمة وبين مستقبل ليلى وأحمد؟
شعرت الحاجة زينب بالخوف. كانت تعلم أن بعض الأسرار، عندما تكشف، يمكن أن تجلب معها مشاكل كبيرة. كانت تعلم أن هناك من قد لا يريد لهذه الأسرار أن ترى النور.
في هذه الأثناء، كان سمير قد أكمل مهمته. ذهب إلى أميرة، وقدم لها كل ما جمعه. كانت أميرة سعيدةً جداً.
"ممتاز يا سمير"، قالت أميرة وهي تبتسم ابتسامةً شيطانية. "هذا كل ما كنت أحتاجه. سأستخدم هذا لدفع أحمد بعيداً عن ليلى. لن أسمح لها بأن تحصل على ما تريد."
بدأت أميرة بتنفيذ خطتها. اتصلت ببعض الأشخاص الذين كانوا على اطلاعٍ بقضية أحمد القديمة، وبدأت تضخم الأمور، وتنشر الشائعات. كانت تهدف إلى تشويه سمعة أحمد، وجعله يبدو شخصاً غير جديرٍ بالثقة.
لم يكن أحمد يعلم شيئاً عن هذه المكائد. كان يعيش في سعادةٍ، ويتحضر لزيارة عائلة ليلى. لكن، كانت الرياح بدأت تهب، حاملةً معها رياح الشر، ورياح الخيانة.