الحب المستحيل الجزء الثاني
همسات الشك وخيوط الماضي
بقلم سارة العمري
هدأت العاصفة التي ضربت قصر آل الزاهر، لكن آثارها العميقة بدأت تتكشف في زوايا الروح، كما تتكشف آثار الحريق في هيكل المبنى. كانت ليلى، وما زالت، القلب النابض في هذا البيت، لكن نبضها كان يختلف اليوم. لم يعد نبض الفرح المعتاد، بل نبض قلق متصاعد، تسري في عروقه همسات شك لم تطرق باب قلبها من قبل. جلست في شرفتها المطلة على الحديقة، حيث كانت ذات أمس تتسامر مع أحمد، يتسلل إلى مسامعها الآن صوت النمل وهو يزحف على الحجارة، صوت الفراغ الذي خلفه غيابها المفاجئ.
كان الخبر الذي وصلها من عمها، الشيخ إبراهيم، كالصاعقة التي لا ترحم. لم تتوقعه قط، بل ظنت أنها تجاوزت أخطر منعطفات حياتها. ولكن، كما يبدو، فإن القدر كان يخبئ لها فصلاً جديداً من التحديات، فصلاً أكثر قتامة من سابقه. "لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً يا عمي،" تمتمت بصوت مرتجف، وعيناها تزغللان بالدموع المكبوتة. "أحمد... أحمد الذي أعرفه، لا يمكن أن يخفي عني شيئاً كهذا. بل أكثر من ذلك، لا يمكن أن يفكر في... في ما تقول."
كان عمها، بصوته الهادئ والحزين، قد أخبرها بأمر يتعلق بأحمد، أمر كان مدفوناً في ماضي لم يكشف عنه لأحد، أمر يتعلق بعائلته، بعائلته القديمة. تفاصيل دقيقة، ربما كانت غامضة للبعض، لكنها بالنسبة لليلى كانت أشبه بفتحة في جدار صلب، تسرب منها الضوء ليرسم ظلالاً قاتمة على كل ما كانت تعتقده يقينياً. لم تكن تعرف كيف توصل عمها إلى هذه المعلومات، ولكن ثقته بنفسه وبما يقول كانت تشي بأن الأمر جاد.
"يا ابنتي،" قال الشيخ إبراهيم بصوته الذي يعكس حكمة السنين، "قلبي لم يطمئن أبداً منذ أن سمعت عن هذه الزيجات القديمة. كان هناك حديث متقطع، شائعات غير مؤكدة، لكن في تلك الليلة، وبعد أن تحدثت مع بعض الشيوخ من تلك القبيلة النائية، تأكد لي الأمر. هناك شيء يجب أن تعرفيه، شيء يتعلق بماضي والدة أحمد، شيء قد يؤثر على حاضركما."
كانت والدة أحمد، السيدة فاطمة، امرأة صالحة، ربما كانت الأكثر صلاحاً في نظر ليلى. كانت حضنها الدافئ، ومنبع حكمتها. كيف يمكن أن يكون لها علاقة بشيء كهذا؟ "ولكن يا عمي، كيف؟ ولماذا الآن؟" سألت، وصوتها يكاد لا يخرج. "هل أنت متأكد مما سمعته؟"
"اليقين صعب في أمور الماضي يا ليلى،" أجاب الشيخ إبراهيم. "لكن الأدلة تتراكم. يبدو أن جدة أحمد، رحمها الله، كانت متزوجة قبل زواجها من جدك. زواجاً لم يستمر طويلاً، وله تبعات لم يتم الحسم فيها."
كانت هذه الكلمات تضرب في صدر ليلى كالمطارق. زواج سابق؟ تبِعات؟ لم تكن تعرف حتى أن جدة أحمد لديها زيجات أخرى غير الزواج من جدها. كان كل ما تعرفه هو القصة التي رواها لها أحمد عن جده العطوف وحفيدته الوحيدة المدللة.
"وما هي هذه التبعات يا عمي؟" سألت، وهي تشعر ببرودة تسري في عروقها.
"هنا تكمن المشكلة يا ابنتي،" قال الشيخ إبراهيم بنبرة تزداد ثقلاً. "يبدو أن هذا الزواج الأول لم يكن مجرد زواج تقليدي. بل كان فيه... التزام. التزام عائلي، قديم، يتعلق بمصير. وعندما توفي زوجها الأول، لم يتم إنهاء هذا الالتزام بشكل صحيح. وبمرور الزمن، ومع انتقال الأجيال، ربما تم نسيانه، أو تجاهله. ولكن، يبدو أن هناك من يتذكره الآن."
"يتذكره؟ من؟" سألت ليلى، وصوتها يرتجف.
"هذا ما أحاول معرفته،" أجاب الشيخ إبراهيم. "لكن ما يقلقني هو أن ما وصلني يشير إلى أن هذا الالتزام يتطلب... إتماماً. إتماماً لم يتم أبداً."
صمتت ليلى، وعيناها مثبتتان على الأفق البعيد، حيث بدأت خيوط الشمس الخجولة تتسلل بين السحب. كانت الشمس هي الأمل، لكن الظلال التي بدأت تلوح في الأفق كانت أكثر قوة. لم تكن تعرف ماذا يعني "إتمام" في هذا السياق، لكن شعوراً غريباً بالخطر بدأ يتسلل إلى روحها.
"وهل... هل لأحمد علاقة بهذا الالتزام؟" سألت بصوت ضعيف، وكأنها تخشى الإجابة.
"للأسف، نعم،" قال الشيخ إبراهيم. "بصفته سليلاً لتلك العائلة، وبصفته الوريث الأكبر، فإن هذا الالتزام قد يقع على عاتقه. وهذه هي النقطة الخطرة يا ليلى. هذه التبعات يمكن أن تكون... معقدة. ويمكن أن تطال أقرب الناس إليه."
لم تستطع ليلى استيعاب ما تسمعه. أحمد، الرجل الذي أحبته بكل جوارحها، الرجل الذي رأته مثالاً للنقاء والطهارة، الرجل الذي كانت تخطط معه لمستقبل مشرق، هل يمكن أن يكون له ماضٍ كهذا؟ هل يمكن أن يكون ملتزماً بشيء يتعارض مع كل ما تؤمن به؟
"ولماذا لم يخبرني أحمد بهذا؟" سألت، وعيناها تمتلئان بالدموع. "لماذا أخفى عني شيئاً بهذا القدر من الأهمية؟"
"لا أعرف يا ابنتي،" قال الشيخ إبراهيم بصوت فيه حزن. "ربما لم يكن يعرف كل التفاصيل. أو ربما كان يخشى أن يفقدك. أو ربما... كان يحميك بطريقته الخاصة."
"يحميني؟" كررت ليلى، وصوتها فيه سخرية مرة. "هل كان يعتقد أن إخفاء الحقيقة عني سيحميني؟"
"الرجال يا ليلى،" قال الشيخ إبراهيم، "يفكرون بطرق مختلفة. وبما أن الأمر يتعلق بسمعة العائلة، وربما بضغوط اجتماعية أو قبلية قديمة، فقد يكون اختار الصمت. ولكن الآن، لم يعد الصمت خياراً. لقد انكشفت هذه الخيوط، ولا بد من فكها، أو التعامل معها."
شعرت ليلى وكأن الأرض تميد بها. لقد كانت تعيش حلماً وردياً مع أحمد، حلماً نسجته بشغف وحب، وكانت تؤمن بأن هذا الحلم سيتحول إلى واقع جميل. ولكن الآن، يبدو أن هذا الحلم يتهدده شبح غامض من الماضي، شبح يحمل في طياته أسراراً مظلمة.
"ماذا سنفعل يا عمي؟" سألت، وقد استجمعّت ما تبقى من قوتها.
"علينا أن نتحدث مع أحمد،" قال الشيخ إبراهيم بحزم. "علينا أن نواجه هذا الأمر مباشرة. لا يمكن أن نستمر في بناء مستقبل على أساس غير متين. والصدق، يا ابنتي، هو أساس كل علاقة مبنية على الشريعة. لا يمكن أن ننكر حقيقة، مهما كانت مؤلمة."
أومأت ليلى برأسها، رغم أنها كانت تشعر بالخوف يتملكها. الخوف من مواجهة أحمد، والخوف من ما قد تسمعه منه، والخوف من أن تكون هذه القصة أكبر من قدرتها على التحمل. لقد وصلوا إلى نقطة اللاعودة. لقد انفتحت الأبواب على عالم لم تكن تتخيله، عالم يحتاج إلى شجاعة تفوق بكثير ما اعتقدت أنها تمتلكه. لقد بدأت رحلة اكتشاف حقيقة أحمد، وحقيقة ماضي عائلته، رحلة قد تكون الأقسى في حياتها.
كانت الشمس قد بدأت ترتفع، ترسل أشعتها الذهبية عبر الأفق، لكن ليلى لم تشعر بالدفء. كان قلبها يشعر ببرد قارس، برد قادم من أعماق زمن سحيق، ومن أعماق أسرار عائلية بدأت تتكشف، لتهدد كل ما بنته من حب وأمل. انتهى الفصل الأول من صدمتها، وبدأت فصول القلق تتوالى، تحمل معها أسئلة بلا إجابات، وتحديات لم تكن مستعدة لها.