الحب المستحيل الجزء الثاني

مواجهة الحقيقة ومرارة الاعتراف

بقلم سارة العمري

كان الهواء في غرفة المعيشة يتسم بالثقل، كثقل الغيمة التي تجمعت فوق سماء صافية، حاملة معها نذر البرق والرعد. اجتمع الثلاثة، ليلى، أحمد، والشيخ إبراهيم، في جو من الترقب المشوب بالحذر. نظرات ليلى كانت تتنقل بين وجه أحمد الشاحب وعيني عمها المليئتين بالجدية. كانت قد استجمعت كل ما لديها من شجاعة، بعد حديثها الطويل مع عمها، لتواجه الرجل الذي أحبته، والذي أصبحت حياتها متشابكة معه بشكل لا رجعة فيه.

بدأ الشيخ إبراهيم الحديث، بصوته الهادئ الذي يحمل نبرة من الأسف. "يا أحمد، أردت أن أتحدث معك في أمر هام. أمر يتعلق بماضي عائلتك، وأنا أؤمن بأن الصدق والشفافية هما أساس العلاقة القوية، خاصة علاقة كالتي تربطك بالسيدة ليلى."

لاحظ أحمد نظرة ليلى الحادة، لم يكن يفهم سبب هذا التوتر، لكنه أدرك أن الأمر جلل. اعتلى وجهه قلق خفي، حاول إخفاءه بابتسامة باهتة. "تفضل يا عمي. أنا أستمع."

"لقد علمت،" بدأ الشيخ إبراهيم، "بوجود زواج قديم لجدتك، السيدة سكينة، رحمها الله. زواج سبق زواجها من جدك، وله... تبعات لم يتم حسمها."

كان وجه أحمد شاحباً بالفعل، لكن هذه الجملة جعلت لونه يزداد بهتا. بدا وكأن الأرض انشقت وابتلعته. انقبضت عضلات وجهه، وعيناه اتسعتا قليلاً، تعكسان صدمة لم يكن يتوقعها. نظر إلى ليلى، ثم إلى عمها، ثم عاد بصره إلى الأرض.

"هذا... هذا كلام خطير يا عمي،" قال أحمد بصوت بالكاد مسموع. "لم أسمع شيئاً كهذا من قبل."

"وهنا تكمن المشكلة يا أحمد،" واصل الشيخ إبراهيم. "لماذا لم تسمع شيئاً؟ هل تم إخفاء الأمر عنك عمداً؟ أو ربما لم تكن التفاصيل واضحة بما يكفي؟"

ارتعشت شفتا أحمد، بدا وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، أو ربما عن مخرج. "والدتي لم تذكر لي شيئاً عن زواج سابق لجدتي. كل ما أعرفه هو قصة زواجها من جدي، وكيف كانت تحبه وتحبه. كانت تعيش حياة سعيدة."

"السعادة الظاهرة قد تخفي أحياناً أموراً عميقة يا بني،" قال الشيخ إبراهيم بحكمة. "البعض قد يفضل نسيان الماضي المؤلم، أو تجنب الحديث عنه. ولكن، في بعض الأحيان، يعود هذا الماضي ليطرق الأبواب."

تنهد أحمد بعمق، ونظر إلى ليلى مباشرة. كانت عيناها تطلب منه الحقيقة، كانت تصرخ بسؤاله. رأى في عينيها مزيجاً من الحب والقلق، بل ربما خيبة أمل. هذا ما لم يكن يريده أبداً.

"يا ليلى،" قال أحمد، وصوته يرتعش قليلاً. "صدقيني، لم أكن أعرف أي شيء عن هذا الأمر. والدتي... كانت دائماً تتحدث عن جدتي كأعظم امرأة عرفتها. لم تشر أبداً إلى زواج سابق."

"ولكن يا أحمد،" قاطعته ليلى بصوتها الذي اختلط فيه الألم بالرجاء، "عمي قال إن هناك تبعات. تبعات لم يتم حسمها. وهذا الأمر يتعلق بك، يتعلق بنا."

نظر أحمد إلى الشيخ إبراهيم، ثم إلى ليلى. رأى في عينيهما إصراراً على معرفة كل شيء. لم يعد هناك مجال للتراجع. بدأ يعلم أن الصمت الآن سيكون خيانة.

"ربما... ربما كان هناك شيء..." بدأ أحمد، متلعثماً. "عندما كنت صغيراً، سمعت جدتي تتحدث مع جدتي الكبرى. كانتا تتحدثان عن... اتفاق. اتفاق قديم."

"اتفاق؟" سألت ليلى، وقلبها يدق بعنف. "أي اتفاق؟"

"لم أفهم المعنى الكامل وقتها،" تابع أحمد. "لكنها كانت تبدو كأنها تحمل عبئاً. كانت تتحدث عن وعد، وعن مسؤولية."

"المسؤولية تجاه ماذا يا أحمد؟" سأل الشيخ إبراهيم بهدوء، لكن عينيه كانت ترصدان كل حركة على وجه أحمد.

"لم أفهم شيئاً محدداً،" اعترف أحمد. "ربما يتعلق الأمر بتلك القبيلة النائية التي ذكرها عمي. سمعت أبي يذكرها مرة، لكن لم يلتفت لها أحد. قال إنها كانت عائلة قديمة، لها عادات وتقاليد غريبة."

"والدتك، هل تحدثت معها عن هذا الأمر؟" سألت ليلى، تبحث عن أي خيط يقودها إلى الحقيقة.

"حاولت أن أسألها مرة،" قال أحمد. "لكنها تهربت من الإجابة. قالت إنها أمور قديمة، ولا يجب أن نهتم بها. كان يبدو عليها الانزعاج الشديد."

"إذن، هناك شيء تخفيه والدتك،" قال الشيخ إبراهيم. "وهي تعرف أكثر مما تقول."

"لا أعتقد أنها تخفيه عمداً،" قال أحمد مدافعاً عن والدته. "ربما تحاول أن تحمينا. ربما تخشى أن يؤثر هذا الماضي علينا."

"ولكن يا أحمد،" قالت ليلى، والدموع بدأت تتساقط على خديها، "أنا الآن جزء من هذا. أنا أحبك، وأنا أرى مستقبلي معك. كيف يمكن أن نبني مستقبلاً إذا كان هناك شيء مجهول ومخيف يكمن في الماضي؟"

كانت كلمات ليلى مؤثرة، لم يستطع أحمد إلا أن يرى صدق مشاعرها، ويلمس حجم الألم الذي تعيشه. شعر بالذنب يتملكه. لقد كان يحبها، وكان يريد أن يحميها، لكنه في نفس الوقت، كان يخفي عنها جزءاً هاماً من حقيقته.

"يا ليلى،" قال أحمد، ومد يده ليمسك بيدها، لكنه توقف، وكأن هناك حاجزاً غير مرئي يفصلهما. "والله، لم يكن في نيتي أبداً أن أخفي عنك شيئاً. كان همي الوحيد هو سعادتنا. ولكن، يبدو أن القدر له رأي آخر."

"وما هو رأي القدر يا أحمد؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأن قلبها يتصدع.

"لقد علمت مؤخراً،" قال أحمد بصوت متعب، "من بعض الوثائق القديمة في بيت جدي، أن زواج جدتي سكينة من جدك لم يكن مجرد زواج تقليدي. كان هناك... اتفاق. اتفاق قديم مع رجل من تلك القبيلة."

"اتفاق؟" كررت ليلى، وأصابعها ترتجف.

"نعم،" أجاب أحمد. "اتفاق يتضمن... ترتيباً. ترتيباً لزواج. ولكن، حدث ما حدث، وتزوجت جدتي من جدي. ولم يتم إتمام هذا الترتيب."

"تقصد... تقصد أن جدتك كانت مخطوبة لشخص آخر؟" سألت ليلى، والصدمة ترتسم على وجهها.

"ليس مجرد خطوبة،" قال أحمد، وعيناه تحملان ثقل المعرفة الجديدة. "بل كان هناك... تعهد. تعهد قديم، يربط بين عائلتين. وعندما لم يتم إتمام هذا الترتيب، حدث شيء ما... شيء ترك آثاراً."

"آثاراً؟ أي آثار؟" سألت ليلى، وقلبها يكاد يتوقف.

"هنا تكمن المعضلة يا ليلى،" قال أحمد، واضعاً رأسه بين يديه. "يبدو أن هناك بنداً في هذا التعهد، يتعلق بالجيل القادم. بنداً ينص على أنه في حال عدم إتمام الزواج، فإن هناك... تعويضاً. أو ربما... إلزاماً آخر."

"إلزاماً آخر؟" سألت ليلى، وشعرت بالخوف يتسلل إلى أعماق روحها. "أي إلزام؟"

"لا أعرف التفاصيل الدقيقة،" قال أحمد. "لكن الوثائق تشير إلى أن هذا التعهد لم ينتهِ تماماً. وأن هناك طرفاً ما، في تلك القبيلة، ربما ما زال يتمسك بهذا التعهد. ويطالب ب... إتمامه."

"إتمامه؟" سألت ليلى، ولا تزال الكلمات تعجز عن وصف ما تشعر به. "وكيف يمكن أن يتم إتمامه؟"

صمت أحمد للحظة، وبدا وكأن كل ألوان الحياة قد بهتت من وجهه. "هنا يكمن الخطر، يا ليلى. الوثائق تشير إلى أن هذا الإلزام قد يقع على... سليلة العائلة. أي، عليّ."

"عليك؟" صرخت ليلى، والدموع تنهمر غزيرة. "ماذا يعني هذا؟"

"يعني،" قال أحمد، بصوت يرتجف من الألم، "أن هذا التعهد القديم، وهذا الالتزام غير المحسوم، قد يفرض عليّ... زواجاً. زواجاً من امرأة من تلك القبيلة. كتعويض أو كإتمام لهذا الاتفاق القديم."

كانت هذه الكلمة الأخيرة كالصاعقة التي تضرب في صميم قلب ليلى. زواج؟ تعويض؟ إلزام؟ كل ما كانت تحلم به، كل ما كانت تبنيه مع أحمد، كان ينهار أمام عينيها. لقد انكشفت الحقيقة، حقيقة أكثر قتامة وألماً مما تخيلت. كانت هذه نقطة اللاعودة. لقد دخلوا معتركاً جديداً، معتركاً تدفعه رياح الماضي العاصفة، وتهدد مستقبل عش الزوجية الذي بدأت ليلى وأحمد في بنائه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%