الحب المستحيل الجزء الثاني

همساتٌ في سوق العطارين

بقلم سارة العمري

تسللت ليلى عائدةً إلى منزلها، وقلبها يغلي بمشاعرٍ متضاربة. الابتسامة الباهتة التي ارتسمت على وجهها وهي تنظر إلى قلادة جدتها، تحولت إلى خطٍ رفيعٍ من القلق وهي تتأمل الرسالة المختومة. لم تكن الرسالة من والدتها، ولا من عماتها. كانت من شخصٍ آخر، شخصٍ كانت قد أغلقت عليه أبواب قلبها، ولكن يبدو أن القدر يصر على فتحهما مجدداً.

بعد أن أدت صلاة الضحى، جلست في غرفتها الهادئة، حيث تتراكم الكتب الدينية وبعض المخطوطات القديمة. كان والدها، الشيخ "محمد"، قد ترك لها إرثاً من العلم والحكمة، ولكن أيضاً إرثاً من الألغاز. استنشقت رائحة الورق القديم، وبدأت تتأمل العلامة المرسومة على قطعة القماش. هلالٌ ينقصه نجمة. كانت جدتها قد روت لها حكاياتٍ عن هذا الرمز، ولكنها لم تعطها تفاصيل وافية.

"يجب أن أعرف ما في هذه الرسالة." قالت ليلى لنفسها، وصوتها يتردد في الغرفة. ولكنها كانت تعلم أن فتح الرسالة قبل التأكد من هوية المرسل قد يكون أمراً خطيراً. هل كان الرجل الغريب جزءاً من المؤامرة؟ أم أنه كان يحمل خيراً؟

بعد فترةٍ وجيزة، وبينما كانت الشمس تتوهج في كبد السماء، استدعتها والدتها. "ليلى، ابنتي. لقد تأخرتِ. القافلة هنا، ونساء القرية يتجمعن لاستقبال الحاج أحمد. هل أحضرتِ ما أعددناه؟" "نعم يا أمي، لقد أحضرته." قالت ليلى، وهي تضع القلادة والرسالة بعنايةٍ في جيب عباءتها.

في ساحة السوق، كانت الأجواء مليئةً بالحيوية. النساء يتحدثن بصوتٍ عالٍ، والأطفال يركضون بين الأقدام، والباعة يعرضون بضائعهم. وصل الحاج أحمد، رجلٌ طيبٌ ذو وجهٍ بشوشٍ، وبدأ في تفريغ حمولة الإبل. كانت الأكياس المليئة بالحبوب، وصناديق التمور، والقماش الملون.

تحدثت ليلى مع والدتها، ثم بدأت توزع الأطعمة التي أحضرتها على النساء الأكثر حاجةً. وبينما كانت تقوم بذلك، لاحظت وجود رجلٍ غريبٍ يقف في زاوية السوق، يراقب المشهد بعينين حادتين. كان يرتدي ملابس البدو، ولكنه لم يكن من قريتهم. كان وسيماً، ذو بشرةٍ سمراءٍ لامعة، وشعرٍ أسودٍ مجعدٍ ينسدل على كتفيه.

"أمي، من هذا الرجل؟" سألت ليلى والدتها بصوتٍ خفيض. نظرت السيدة فاطمة في اتجاه الرجل، وقالت: "لم أره من قبل. قد يكون زائراً."

لم يكن الرجل زائراً عادياً. كان يتحرك برشاقةٍ، وكأنه صيادٌ يترقب فريسته. ثم، بدأ يتجه نحوها. شعرت ليلى بارتباكٍ غريب. كان هناك شيءٌ في نظرته، شيءٌ مألوفٌ ولكنه غامض.

عندما وصل الرجل إليها، ابتسم ابتسامةً دافئةً، وقال بصوتٍ عميقٍ وموسيقي: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." أجابت ليلى، متذكرةً الرجل الذي استقبلها في الصباح. هل هو نفسه؟ لا، بالتأكيد ليس هو. هذا الشاب أصغر سناً، وأكثر هدوءاً.

"هل أنتِ ليلى، ابنة شيخ القرية؟" سأل. "نعم، أنا ليلى." "لقد سمعتُ عنكِ الكثير. عن كرمك، وعن حكمتك." قال، وعيناه تتفحصانها بتقدير. "أنا "عمر"، قادمٌ من مدينة "الزيتون"."

مدينة "الزيتون"! كانت هذه المدينة بعيدةً جداً، واشتهرت بتجارة الأعشاب النادرة والعطور الفاخرة. "أهلاً بك يا عمر. لم نتوقع قدوم أحدٍ من مدينة الزيتون." قالت ليلى، محاولةً إخفاء ارتباكها.

"لقد جئتُ في مهمةٍ خاصة، وجاءتني أخبارٌ عن هذه القرية. سمعتُ عن مصنع الأعشاب الذي تديرينه، وأردتُ أن أرى بنفسي." قال عمر، مشيراً إلى المكان الذي كانت فيه ليلى تبيع منتجاتها من الأعشاب المجففة والمستحضرات الطبيعية.

"الحمد لله، إنه عملٌ بسيطٌ بدأته لمساعدة نساء القرية." أجابت ليلى، وهي تشعر ببعض الثقة. كان عمر يتحدث بلهجةٍ راقية، تدل على تعليمٍ جيد.

"بسيطٌ؟ لقد رأيتُ المنتجات التي عرضتها الحاجة "أمينة" في السوق. إنها ذات جودةٍ عاليةٍ جداً." أثنى عمر. "أنا نفسي أعمل في مجال العطور، وأعرف قيمة الأعشاب الطيبة."

تحدثا لبعض الوقت، عن الأعشاب، وعن العطور، وعن الحياة في القرية. كان عمر يطرح أسئلةً ذكيةً، تدل على اهتمامٍ حقيقي. شعرت ليلى بأنها تتحدث مع شخصٍ مثقفٍ وواعٍ. ولكن شيئاً ما كان ينقص. لم تستطع أن تنسى الرجل الغامض الذي استقبلها في الصباح.

"يا عمر، هل رأيتَ قافلةً أخرى وصلت اليوم؟ قافلةٌ تبدو غريبةً نوعاً ما؟" سألت ليلى، محاولةً استطلاع الأمر. رفع عمر حاجبيه قليلاً، وقال: "لا، لم أرَ أي قافلةٍ أخرى. فقط قافلة الحاج أحمد. ولكن، لماذا تسألين؟"

شعرت ليلى بخيبة أملٍ. ربما كان الرجل الذي رأته مجرد وهم، أو ربما كان مسافراً آخر. "لا شيء، مجرد فضول." قالت ليلى، وهي تشعر بأنها تفقد خيطاً مهماً.

"إذا كنتِ مهتمةً بتطوير منتجاتك، يمكنني تقديم بعض المساعدة. لدي خبرةٌ في استخلاص الروائح وإضفاء لمسةٍ عصريةٍ على العطور التقليدية." اقترح عمر، وعيناه تلمعان.

"هذا لطفٌ منك يا عمر. سأكون ممتنةً للغاية." قالت ليلى، وهي تشعر بأنها أمام فرصةٍ جديدة.

انتهى اللقاء، وذهب عمر لمواصلة مهامه. بقيت ليلى واقفةً، تنظر إلى اتجاهه. كان عمر رجلاً لطيفاً، وربما كان قادماً ليحمل الخير. ولكن في نفس الوقت، لم تستطع نسيان الرجل الغامض والرسالة التي يحملها.

في وقت متأخر من الظهيرة، بعد أن تفرقت نساء القرية، جلست ليلى وحدها في غرفتها. كانت القلادة لا تزال بين يديها، والرسالة لا تزال مختومة. رفعت الرسالة، وتأملت الختم. كان على شكل حرفٍ لاتينيٍ قديم، حرفٍ لم تعرف معناه.

"ماذا تفعلين يا ليلى؟" قالت لنفسها. "أمي قالت ثقي بربك وبما يمليه عليكِ قلبك. ولكن قلبي مليءٌ بالأسئلة." قررت ليلى أن تفعل شيئاً لم تفعله من قبل. إنها ستفتح الرسالة. ليس بدافع الفضول فحسب، بل بدافع الشعور بأنها يجب أن تعرف.

بأصابع مرتعشة، كسرت ليلى الختم. فتحت الورقة، وبدأت تقرأ. كانت الكلمات مكتوبةً بخطٍ جميلٍ ولكنه متعب، يعكس حزناً عميقاً.

"ليلى حبيبتي، لا أعرف كيف أبدأ، ولا كيف أقول ما يدور في نفسي. مرت سنواتٌ طويلةٌ، ولم أتوقف عن التفكير بكِ، وبوالدتكِ، وبكل ما تركناه خلفنا. لقد أجبرتني الظروف على الرحيل، ولكن قلبي لم يغب أبداً عن هذه الأرض، عن هذه الذكريات. لقد سمعتُ عن حالتكِ. عن تعبكِ، وعن رغبتكِ في تغيير مجرى حياتكِ. وأردتُ أن أرسل لكِ هذا القليل، كرمزٍ لحبي، وكدفعةٍ صغيرةٍ لمشروعكِ. أتمنى أن تسامحيني على كل ما حدث. أتمنى أن أراكِ سعيدةً، قويةً، وقادرةً على تحقيق أحلامكِ. وإن لم نلتقِ في هذه الدنيا، فسنلتقي في جناتٍ عرضها السماوات والأرض. مع حبي الأبدي، ... (الاسم)"

عندما قرأت ليلى الاسم، شعرت وكأنها قد استيقظت من حلمٍ طويل. لم تكن تتوقع أبداً أن تكون الرسالة منه. لم تتوقع أبداً أن تكون هي من ترك لها هذه القلادة.

"مستحيل..." همست ليلى، والدموع تترقرق في عينيها. لقد عاد الماضي، عاد قوياً، وعاد محملاً بأسرارٍ لم تكن تتخيلها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%