الحب المستحيل الجزء الثاني

شرور تكتم الأنفاس

بقلم سارة العمري

كانت ليلةً هادئةً، تتوشح فيها السماء بوشاحٍ من النجوم المتلألئة، وكأنها تهمس بأسرار الكون الخفية. لكن داخل جدران قصر آل شهاب، لم يكن الهدوء إلا قناعاً يخفي عواصف هوجاء. عادت نور إلى غرفتها، وقلبها يعتصره الخوف والقلق. ذكريات الأمس، كلمات والدها القاسية، وابتسامة سليم الواثقة، كلها دارت في رأسها كدوامةٍ عنيفة. جلست على حافة السرير، تسند رأسها بين يديها، تشعر بثقل العالم كله على كتفيها.

كيف لها أن تواجه هذا المصير؟ زواجٌ لم ترغب به، فرضٌ من أبيها الذي لم يعد يرى سوى مصلحته. زواجٌ من رجلٍ لم تتبادل معه سوى نظراتٍ باردة، ورجلٍ لم تشعر نحوه بأي ميلٍ، بل على العكس، كانت تشعر بنفورٍ غامضٍ يمنعها من الاقتراب. هل كانت تبالغ؟ هل كانت تمنح مشاعرها الحرة أكثر من اللازم؟ والدها قال إن سليم رجلٌ كفء، صاحب مالٍ وجاه، ما الذي يمكن أن تريده أكثر من ذلك؟ لكن المال والجاه لم يكونا يوماً غايتها. كانت تسعى لقلبٍ ينبض بالحب، لروحٍ تشاركها أحلامها، لعينين ترى فيهما الصدق والوفاء.

كانت تعلم أن والدها لم يطلب رأيها قط في أمور حياتها. كانت دائماً مطيعة، ملتزمة، تفعل ما يُطلب منها دون نقاش. لكن هذه المرة، كان الأمر يخص حياتها كلها، مستقبلها، سعادتها. شعرت بأن هناك شيئاً ما خطأ، شيئاً عميقاً يدفعها للمقاومة. لم تستطع تحديد ماهية هذا الشعور بالضبط، لكنه كان قوياً، ينمو ويتضخم بداخلها.

طرقت باب غرفتها برفق. عرفت الصوت قبل أن تراه. ابتسمت رغم الدموع التي بدأت تتساقط على خديها. "تفضلي يا أمي."

دخلت والدتها، السيدة فاطمة، حاملةً صينيةً صغيرةً عليها كوبٌ من شاي الأعشاب وبضع قطعٍ من البسكويت. وجهها كان يفيض حناناً وقلقاً. جلست بجانبها، ووضعت يدها الحنونة على شعرها. "ما بك يا حبيبتي؟ منذ وصول سليم وأنتِ على هذه الحال."

"لا شيء يا أمي، مجرد تعب." قالت نور، تحاول إخفاء اضطرابها.

"تعب؟ أم أن قلبكِ المكلوم يتحدث؟" قالت والدتها بحكمة. "أتفهم يا نور. أتفهم أن هذه الخطوة كبيرة، وأنها مفاجئة. لكن الحياة أحياناً تأخذنا في دروبٍ لم نتوقعها."

"لكن يا أمي، أنا لا أريده." همست نور، وصوتها يرتجف. "قلبي لا يميل إليه. أشعر بأنني سأكون سجينةً معه."

تنهدت السيدة فاطمة. "الحب يأتي مع الأيام يا ابنتي. الزواج ليس فقط عن الحب من أول نظرة، بل عن بناء حياةٍ مشتركة، عن المودة والرحمة التي أمرنا بها ديننا. سليم يبدو شاباً طيباً، واحترام والدكِ له دليلٌ على كفاءته."

"لكن يا أمي، هل هذا يكفي؟ هل يجب أن أضحي بسعادتي من أجل احترام أبي؟" سالت نور، عيناها تتوسلان.

"لا يا حبيبتي. السعادة ليست تضحية. السعادة هي التوفيق. ربما يكون هذا الزواج هو قدركِ، وهو الخير لكِ. لكنني أرى في عينيكِ حزناً عميقاً. هل هناك شيءٌ آخر؟"

ترددت نور. كانت تريد أن تبوح بكل شيء، أن تغسل قلبها بكل ما يثقله. لكن الخوف من رد فعل والدها، والخوف من أن تُفهم بشكلٍ خاطئ، جعلها تصمت. "لا يا أمي. فقط… فقط لم أتخيل مستقبلي هكذا."

"والدكِ أراد لكِ الأفضل يا نور. وهو يرى في سليم المستقبل الآمن الذي يخشاه عليكِ. لكن قراركِ مهمٌ أيضاً. هل تحدثتِ معه؟ هل حاولتِ أن تفهميه؟"

"لم تسنح لي الفرصة." قالت نور. "وهو… هو يبدو شخصاً لا يسهل الاقتراب منه."

"الشخصيات القوية قد تبدو كذلك. لكن خلف كل درعٍ إنسانٌ له مشاعر. حاولي يا نور. تحدثي معه، دعيه يراكِ على حقيقتكِ، ودعيه يعرف ما في قلبكِ. ولكن قبل كل شيء، استخيري الله. هو مدبر الأمور، وهو من يكتب الخير لعباده."

أومأت نور برأسها، وشعرت ببعض الراحة لحديث والدتها. كانت والدتها دائماً ملاذها، وصوت العقل والرحمة في حياتها. لكنها في الوقت نفسه، شعرت بأن هذا اللقاء مع والدها، وهذا الإصرار على الزواج من سليم، قد كشف لها عن وجهٍ جديدٍ لوالدها، وجهٍ لم تكن تتوقعه. وجهٍ يبدو فيه أن مصلحته الشخصية، أو مصالح عائلته، قد تطغى على سعادة ابنته.

لم يكن الأمر يتعلق فقط برفض سليم، بل بشعورٍ أعمق بالخيانة. لقد اكتشفت أن هناك أسراراً تخفى على عائلتها، وأن هناك قوىً تتلاعب بخيوط حياتها من وراء الستار. لماذا هذا الإصرار المفاجئ على زواجها من سليم؟ لم يكن والدها عادةً يندفع لمثل هذه القرارات بهذه السرعة. هل كانت هناك صفقةٌ ما؟ هل كان هناك شيءٌ ماليٌ أو تجاريٌ وراء هذا الزواج؟

فجأة، لمعت في ذهنها صورةٌ أخرى. صورة ذلك اليوم الذي رأت فيه والدها يتحدث مع رجلٍ غريب، رجلٍ ذي نظراتٍ باردة وملامح قاسية، في مكانٍ بعيدٍ عن أعين الناس. كانت قد تجاهلت الأمر وقتها، معتبرةً أنها مجرد لقاءٍ عملي. لكن الآن، بعد هذا الزواج المفروض، بدأت تلك الصورة تكتسب معنىً جديداً ومقلقاً. هل كان هذا الرجل له علاقة بسليم؟ هل كان والدها يتلقى أوامر؟

شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها. بدأت تدرك أن حياتها لم تكن كما تبدو. وأن ما تراه على السطح ليس إلا واجهةً تخفي تحتيها صراعاتٍ وأسراراً قديمة.

ارتدت نور عباءةً خفيفة، وخرجت من غرفتها متجهةً إلى حديقة القصر. كانت النجوم لا تزال تلمع، والهواء عليل. جلست على مقعدٍ حجري، تغمض عينيها، وتحاول أن تهدئ من روعها. "يا رب، اختر لي الخير، وأبعد عني الشر."

كانت تعلم أن أمامها طريقاً صعباً. طريقٌ سيتطلب منها قوةً وشجاعةً لم تعرفهما من قبل. لم يعد الأمر متعلقاً بمشاعرها فقط، بل بمسألةٍ أكبر، تتعلق بكرامتها، وحريتها، وربما حتى أمنها.

لم تكن تعلم أن تلك الليلة الهادئة، التي بدت وكأنها نهاية لموضوع، كانت في الواقع بدايةً لنهاياتٍ أخرى، وبدايةً لمعارك جديدة. معارك ستكشف عن نفوسٍ لم تكن تظن أنها موجودة، وعن شرورٍ كامنةٍ كانت تتغذى على الخفاء.

تسللت دمعةٌ أخرى على خدها، لكن هذه المرة، لم تكن دمعة ضعف، بل دمعة تصميم. تصميمٌ بدأ يتشكل داخل قلبها، تصميمٌ على كشف الحقيقة، مهما كان الثمن.

*

في مكانٍ آخر من المدينة، كان سليم يقف أمام نافذةٍ كبيرةٍ تطل على أضواء المدينة المتلألئة. يده تمسك بكوبٍ من الشراب، وعيناه تتابعان الأفق الغامض. وجهه كان هادئاً، لكن داخله كانت عاصفةٌ لا تهدأ.

"لقد حدث ما يجب أن يحدث." قال لنفسه بصوتٍ خفيض. "الآن، لن يمنعنا أحد."

كانت رغبته في نور عميقةً، متجذرةً. لم تكن مجرد رغبةٍ جسدية، بل كانت رغبةً في امتلاكها، في السيطرة عليها، في جعلها جزءاً من عالمه. لقد رأى فيها ما لم يره الآخرون، رأى فيها ضعفاً يمكن استغلاله، ونقاءً يمكن تلويثه.

كان يعلم أن نور ليست مجرد فتاةٍ بسيطة. كانت ذكية، عنيدة، ومليئةٌ بالحياة. وهذا ما جعله يصر على الزواج منها. لم يكن يريد زواجاً تقليدياً، بل كان يريد أن يشعر بالقوة، بالسلطة، وبأن لديه ما يستطيع به أن يتباهى أمام العالم.

لقد حاول مراراً أن يتواصل معها، أن يظهر لها جانبه اللطيف، لكنها كانت دائماً تبتعد. كانت عيناها تحملان بريقاً من الرفض، شيئاً جعله يشعر بالغضب والرغبة في إخضاعها.

"ستكونين لي يا نور." همس، وابتسامةٌ ماكرةٌ تلتف حول شفتيه. "وسوف تتعلمين أن تقاومي هو أمرٌ عقيم."

كان يعلم بوجود العقبات. كان يعلم أن هناك من يحاول عرقلته، وأن هناك قوىً لا ترغب في تحقيق هدفه. لكنه كان مستعداً لمواجهتها. لقد أعد خططه بعناية، ووضع كل شيءٍ في مكانه.

نظر إلى ساعة يده. الوقت يمر. وكان عليه أن يضع لمساته الأخيرة. "غداً، سنرى كيف ستتغير الأمور."

أطفأ الأنوار، وغادر الغرفة، تاركاً الظلام ليحتضن أفكاره السوداء. كان يعلم أن نور ستكون له، رغماً عنها. وكان مستعداً لأن يدفع أي ثمن، وأن يستخدم أي وسيلة، ليحقق ما يريد.

كانت ليلةً مليئةً بالأسرار، ليلةً أطلقت العنان لشرورٍ كامنة، ولرغباتٍ متهورة. وبدايةً لمعركةٍ لن تكون سهلةً أبداً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%