الحب المستحيل الجزء الثاني
خيوط متشابكة
بقلم سارة العمري
في صباح اليوم التالي، استيقظت نور على أصواتٍ خافتةٍ قادمةٍ من أسفل. رائحة القهوة العربية تفوح في أرجاء القصر، ممزوجةً برائحة البخور التي كانت والدتها تحرص عليها. لكن في قلب نور، كان هناك صراعٌ مختلف. لم تكن تجد في هذه الروائح أي راحة، بل كانت تزيدها شعوراً بالضيق.
ارتدت ثوباً بسيطاً، وخرجت من غرفتها. عند وصولها إلى غرفة الطعام، وجدت والدها، السيد شهاب، يجلس على رأس الطاولة، يحتسي قهوته بهدوء. كان سليم جالساً بجواره، يتبادل معه أطراف الحديث بابتسامةٍ راضية. بدا سليم متألقاً كعادته، ببدلته المصممة بدقة، وشعره الأنيق، وعيناه اللتان لا تفارقهما تلك النظرة الواثقة.
تصلبت نور قليلاً عندما لمحته. حاولت أن تجمع شتات نفسها، وأن تخفي أي أثرٍ للتوتر على وجهها. "صباح الخير يا أبي، صباح الخير يا سيد سليم."
رد والدها بابتسامةٍ خفيفة. "صباح النور يا ابنتي. هل نمتِ جيداً؟"
أومأت برأسها. "الحمد لله."
أما سليم، فكانت ابتسامته أوسع. "صباح الخير يا آنسة نور. أرى أن الشمس أشرقت اليوم بوجودكِ."
شعرت نور ببعض الارتياح لعدم وجود كلماتٍ أخرى. كانت تتوقع ربما تعليقاً أشد، أو محاولةً لجذب انتباهها. لكن سليم كان يتحلى بضبط نفسٍ ملحوظ.
"تفضلي يا ابنتي، اجلسي." قال والدها، مشيراً إلى مقعدٍ فارغٍ بجانبه.
جلست نور، وحاولت أن تتصرف بشكلٍ طبيعي. كان الطعام أمامها يبدو شهياً، لكن شهيتها كانت قد اختفت. بدأت تأكل ببطء، تحاول التركيز على طعامها، وتجنب النظر إلى سليم.
"كنت أتحدث مع السيد سليم عن خطط تطوير الشركة." قال السيد شهاب، موجهاً كلامه لابنته. "لقد أبدى اهتماماً كبيراً بمشاريعنا الجديدة، ولديه أفكارٌ قيمةٌ جداً. صحيح يا سليم؟"
"بالتأكيد يا عمي. السوق يشهد تغيراتٍ سريعة، ومن الضروري مواكبة هذه التغيرات. وأعتقد أننا يمكن أن نساهم في دفع عجلة التطور قدماً." قال سليم، ينظر إلى نور بنظرةٍ عابرة.
شعرت نور بأن عينيها تلتقيان بنظراته للحظة، ثم سرعان ما حولت وجهها. كان الأمر كما لو أن هناك لعبةً خفيةً تجري بينهما. لعبةٌ تتطلب منها الحذر الشديد.
"أخبرني يا أبي، متى سيتم توقيع العقود النهائية؟" سألت نور، تحاول أن تبدو مهتمةً.
"قريباً يا ابنتي. ربما خلال الأسبوع القادم. كل شيءٍ يسير على ما يرام." أجاب والدها، يبدو في غاية الرضا.
"وهل… هل هناك أي تفاصيلٍ خاصةٍ تتعلق بي؟" سألت نور، وقلبها يخفق بسرعة.
ابتسم والدها. "لا تقلقي يا نور. لقد تحدثنا في كل شيء. زواجكِ سيكون زواجاً مباركاً، وسوف يجمع العائلتين بشكلٍ أقوى. سليم رجلٌ يعتمد عليه، وسوف يوفر لكِ كل ما تحتاجينه."
كانت هذه الكلمات بمثابة طعنةٍ أخرى. "كل ما تحتاجينه." هل كان الأمر يتعلق بالمال فقط؟ هل كانت هذه هي نظرة والدها إليها؟ مجرد فتاةٍ تحتاج إلى رجلٍ يوفر لها احتياجاتها؟
"السيد سليم، هل لديك أي خططٍ بخصوص العقارات التي اشتريتها مؤخراً؟" سألت نور، تحاول تغيير الموضوع.
"نعم، لدي خططٌ طموحةٌ جداً. وأنا على وشك البدء في مشروعٍ كبيرٍ سيحدث ضجةً في السوق. ربما تحتاجين لرؤية المخططات يوماً ما." قال سليم، بنبرةٍ تحمل وعداً مبطناً.
شعرت نور بأنها تائهة. كانت تحاول أن تفهم ما يدور خلف الكواليس. لم يكن والدها أبداً رجل أعمالٍ يندفع لهذه الدرجة، ولم يكن سليم رجل أعمالٍ تقليدي. كان هناك شيءٌ أكبر، شيءٌ غامضٌ يلف كل شيء.
بعد انتهاء الإفطار، ودعت والدتها، وتوجهت إلى مكتبة والدها. كانت تبحث عن أي دليل، أي وثيقة، قد تكشف لها ما يحدث. كانت تعلم أن هذا تحدٍ كبير، وأنها قد تقع في مشاكل. لكنها لم تعد تستطيع تحمل هذا الشعور بالخوف والجهل.
فتحت الدرج الأول في مكتب والدها، وتفحصت الأوراق بعناية. لم تجد شيئاً مهماً. ثم انتقلت إلى الدرج الثاني. بين الأوراق الروتينية، لفت انتباهها مجلدٌ سميكٌ عليه ختمٌ غامض. فتحته بحذر.
كان المجلد يحتوي على مستنداتٍ سرية، تبدو وكأنها عقودٌ واتفاقيات. كانت بعض الأسماء مألوفة، وبعضها غامض. لكن ما أثار انتباهها بشدة، كان اسم سليم في عدة مستندات، مرتبطاً بمعاملاتٍ ماليةٍ كبيرة، ومع جهاتٍ تبدو مشبوهة.
بدأت تقرأ، وقلبها يدق بسرعة. كانت هناك إشاراتٌ إلى صفقاتٍ غير قانونية، إلى تهريب، وإلى تبييض أموال. لم تستطع أن تصدق ما تراه. والدها، الذي كانت تراه رمزاً للشرف والأمانة، متورطٌ في كل هذا؟
ثم، لفت انتباهها ورقةٌ معينة. كانت عبارة عن رسالةٌ بخط يد والدها، موجهةٌ إلى سليم. كانت تتحدث عن "المصلحة المشتركة"، وعن "التحكم في سوق العقارات"، وعن "التخلص من المنافسين". كانت هناك أيضاً إشارةٌ إلى "إتمام الصفقة النهائية" بزواج نور من سليم.
هذه الرسالة كانت هي الدليل الذي كانت تبحث عنه. لقد اكتشفت أن والدها لا يريد زواجها من سليم من أجل سعادتها، بل ليكون سليم جزءاً من خططه المشبوهة. لقد استخدمها كقطعةٍ في لعبةٍ قذرة.
شعرت بالاشمئزاز والغضب. لم تكن تعلم كيف ستواجه هذا. هل كان والدها قد تغير لهذه الدرجة؟ هل كان مستعداً للتضحية بابنته من أجل المال والسلطة؟
أغلقت المجلد بسرعة، وأعادت كل شيءٍ إلى مكانه. كان عليها أن تتصرف بحكمة. كان عليها أن تثبت كل شيءٍ قبل أن تتهمه.
خرجت من المكتب، وتشعر بأنها أقوى وأكثر تصميماً. لقد اكتشفت الحقيقة. والآن، يجب عليها أن تقرر ما ستفعله بهذه الحقيقة.
*
في هذه الأثناء، كان سليم في مكتبه الخاص. كان يتصفح ملفاً على حاسوبه اللوحي. الملف كان يحتوي على صورٍ ورسائل، كلها تتعلق بنور. كان يدرس عاداتها، مخاوفها، ورغباتها.
"لا تظني أنكِ تستطيعين الهرب مني يا نور." قال لنفسه، وابتسامةٌ متكلفةٌ ترتسم على شفتيه.
كان يعرف أن نور ليست سهلة المنال. لكنه كان مصمماً على كسرها. كان يعتقد أن الحب، أو على الأقل الحب الذي يملكه هو، هو سلاحٌ قوي.
"أنتِ جميلة، عنيدة، وذكية. كل هذه الصفات تجعل منكِ غنيمةً رائعة."
تلقى رسالةً على هاتفه. كانت من والده، السيد هاشم. "هل انتهيت من ترتيب كل شيء؟ لا أريد أي مفاجآت."
"كل شيءٍ تحت السيطرة يا أبي." رد سليم. "الزواج سيتم، وهي ستكون لي. وعندها، سنحصل على ما نريد."
كان والد سليم، السيد هاشم، هو العقل المدبر وراء كل هذه الصفقات المشبوهة. كان رجلاً لا يعرف الرحمة، يسعى للسلطة والثروة بأي ثمن. وكان يرى في زواج ابنه من نور فرصةً لتعزيز نفوذه، وتوسيع إمبراطوريته.
"ممتاز. لا تنسَ أن الهدف هو القصر، والسيطرة عليه. المال وحده لا يكفي. نحن نحتاج إلى النفوذ."
"أعلم يا أبي. كل شيءٍ محسوب."
أغلق سليم هاتفه، وعاد إلى ملف نور. كان يعرف أن والدها، السيد شهاب، ليس إلا أداةً في يد والده. وأن نور، رغم قوتها الظاهرة، تحمل في داخلها نقاط ضعفٍ يمكن استغلالها.
"سوف أريكِ يا نور." همس. "سوف ترين كم هو قويٌ حبٌ لم يطلب منكِ شيئاً إلا أن تكوني له. وسوف تتعلمين أن المقاومة لا تجلب إلا الألم."
كانت الأجواء مشحونةً بالخداع والمكائد. وكانت نور، دون أن تدري، قد بدأت تخوض معركةً لا يعرف نهايتها إلا الله. معركةٌ ستكشف عن أقنعةٍ كثيرة، وعن شرورٍ كامنةٍ خلف ستارٍ من الاحترام والمظهر.