الحب المستحيل الجزء الثاني
ظلال الماضي
بقلم سارة العمري
كانت نور تسير في حديقة القصر، تستنشق عبير الزهور، وتشعر بأن الهواء قد أصبح أثقل. المستندات التي وجدتها في مكتب والدها لم تفارق خيالها. كانت الكلمات محفورةً في ذاكرتها، والصفقات المشبوهة، والرسالة الموجهة إلى سليم، كلها تتردد في أذنيها كهمساتٍ شريرة.
كيف لوالدها، الذي طالما اعتبرته رمزاً للنزاهة، أن يكون متورطاً في مثل هذه الأفعال؟ هل كان يخدعها طوال حياته؟ أم أن الظروف قد دفعته إلى هذا الحد؟ لم تستطع الإجابة. كل ما كانت تشعر به هو خيبة أملٍ عميقة، وشعورٌ بأن عالمها قد اهتز.
في هذه الأثناء، خرجت السيدة فاطمة، والدة نور، من القصر، ورأت ابنتها واقفةً وحيدةً تتأمل الزهور. اقتربت منها بحنان. "ما بك يا حبيبتي؟ تبدين شارداً."
نظرت نور إلى والدتها، ورأت في عينيها حباً لم تفقد معه الأمل. "لا شيء يا أمي. مجرد تفكير."
"تفكيرٌ في أمر زواجك؟" سألت والدتها برفق.
ترددت نور. هل كان الوقت مناسباً للحديث؟ هل تستطيع أن تثق بأحد؟ تذكرت كلمات والدتها عن الاستخارة، وعن البحث عن الخير. ربما كان الحديث مع والدتها هو الخطوة الأولى.
"يا أمي، هل تثقين بوالدي؟" سألت نور، تنظر مباشرةً إلى عيني والدتها.
نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها باستغراب. "طبعاً يا ابنتي. لماذا تسألين هذا السؤال؟"
"فقط… فقط أردت أن أعرف." قالت نور. "هل ترين فيه دائماً ذلك الرجل الشريف والنزيه؟"
تنهدت السيدة فاطمة. "والدكِ رجلٌ طيب، لديه همومٌ كثيرة. الحياة ليست سهلةً دائماً. لكنني لم أرَ منه قط ما يدعو إلى الشك في نزاهته."
"لكن… ماذا لو حدث شيءٌ جعله يتغير؟ ماذا لو وجد نفسه مضطراً لفعل أشياء لم يكن يرغب بها؟"
نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها بتمعن. "ماذا تقصدين يا نور؟ هل هناك شيءٌ يزعجكِ؟ هل سمعتِ شيئاً؟"
شعرت نور بأن قلبها يتسارع. كانت تريد أن تقول كل شيء، لكنها خافت. خافت أن تتسبب في فوضى، أو أن تُتهم بالتشكيك في والديها.
"لا يا أمي. فقط… مجرد أفكار. أشعر بأن هناك شيئاً ما يحدث، شيئاً لا أفهمه."
"ربما هو قلقكِ من المستقبل يا ابنتي. هذا طبيعي. لكن لا تدعي هذه الأفكار تسيطر عليكِ. واجهي الأمور بحكمة، وبالتوكل على الله."
"لكن يا أمي، ماذا لو كانت هذه الأفكار حقيقة؟ ماذا لو كان هناك ما يجب أن أعرفه؟"
نظرت السيدة فاطمة إلى السماء، ودعت بصوتٍ خفيض. "يا رب، ألهمني الصواب. يا رب، أبعد عن ابنتي كل شر." ثم نظرت إلى نور. "إن كان هناك ما يقلقكِ، فتحدثي به معي. أنا أمكِ، ولن أسمح لأحدٍ بأن يضر بكِ."
شعرت نور ببعض الراحة. كانت والدتها هي السند الوحيد لها. "يا أمي، لقد وجدت بعض المستندات في مكتب أبي. تبدو… مقلقة."
"مقلقة؟ عن ماذا؟"
"عن… عن صفقاتٍ تجارية. وعن… عن علاقةٍ بين أبي وسليم."
تجمدت السيدة فاطمة للحظة. "علاقة؟ ما نوع العلاقة؟"
"تبدو وكأنها شراكةٌ… في أمورٍ غير قانونية." قالت نور، وصوتها بالكاد يُسمع. "كان هناك رسالةٌ من أبي إلى سليم، تتحدث عن زواجي كجزءٍ من الصفقة."
اتسعت عينا السيدة فاطمة. لم تستطع أن تتكلم. كان الأمر يفوق ما تتوقعه. لقد كانت ترى سليم رجلاً طموحاً، لكنها لم تتخيل أبداً أنه بهذه السوء. وأن زوجها قد يكون متورطاً معه.
"لا يا نور. هذا مستحيل." قالت السيدة فاطمة، وصوتها يرتجف. "والدكِ… والدكِ لا يمكن أن يفعل ذلك."
"لكن يا أمي، المستندات… والرسالة… إنها واضحة."
شعرت السيدة فاطمة بأن الدنيا تدور بها. جلست على المقعد الحجري، وبدأت ترتجف. "هذا… هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً."
"يا أمي، أنا لا أعرف ماذا أفعل." قالت نور، وبدأت الدموع تنهمر على خديها. "أنا خائفة. خائفة على نفسي، وعلى أبي، وعلى كل شيء."
عانقت السيدة فاطمة ابنتها بقوة. "اهدئي يا حبيبتي. اهدئي. ربما هناك تفسيرٌ آخر."
"ما هو التفسير الآخر يا أمي؟"
"لا أعرف. لكننا سنتعامل مع هذا معاً. لن أدع أحداً يضر بكِ. أو يفسد سمعة عائلتنا."
كانت تلك الكلمات بمثابة صدمةٍ أخرى لنور. "سمعة عائلتنا؟ هل هذا هو همكِ الوحيد يا أمي؟"
"ليس فقط يا نور. لكنني أرى أن والدكِ قد وقع في ورطة. وربما سليم هو من ورطه. أو ربما هناك من يبتز والدكِ."
"لكن الرسالة…"
"ربما الرسالة قد تم فهمها بشكلٍ خاطئ. أو ربما كُتبت في وقتٍ كان والدكِ يمر فيه بضغوطٍ كبيرة."
بدت حجج والدتها ضعيفة، وغير مقنعة. لكن نور رأت في عيني والدتها مزيجاً من الحزن، والخوف، والتصميم. تصميمٌ على حماية أسرتها، مهما كان الثمن.
*
في هذه الأثناء، كان سليم يجلس في مكتبه. يتلقى اتصالاً هاتفياً. كان المتصل والده.
"هل أنت متأكدٌ من أن كل شيءٍ على ما يرام؟" سأل السيد هاشم بصوتٍ حذر. "رأيت السيد شهاب يبدو متوتراً اليوم."
"لا تقلق يا أبي. إنه مجرد قلقٌ طبيعي قبل الزواج. نور… هي الفتاة التي أريدها، وهي ستحصل على كل ما تريد. ووالدها… يرى أن هذا الزواج يضمن له مستقبلاً آمناً."
"آمناً؟ أم أنه يرى أن هذا الزواج سيخرجه من ورطته؟" سخر السيد هاشم. "لا تنسَ، نحن نستخدمه، وليس هو من يستخدمنا."
"أعلم يا أبي. ولن ينسى ذلك أبداً."
"ممتاز. المهم الآن أن تتم الصفقة. وأن تصبح نور زوجتك. عندها، ستكون العائلة كلها تحت سيطرتنا."
"وهل هناك أي قلقٍ بخصوص نور؟ هل قد تشك في شيء؟"
"لا أعتقد. إنها فتاةٌ بريئة، تفتقر إلى الخبرة. والدها هو من يحمل الأسرار. ولأنه متورط، فلن يستطيع فعل شيءٍ ضدنا."
"وماذا عن… تلك المستندات؟ هل هي آمنة؟"
"بالطبع. لقد تأكدت من أن كل شيءٍ في مكانه. والدها لا يعرف مقدار ما يعرفه والدي. إنه يعتقد أننا نساعده، بينما نحن نستغله."
"هذا رائع." قال سليم، مبتسماً. "يبدو أن الأمور تسير وفق الخطة تماماً."
"لا تكن متفائلاً أكثر من اللازم. لا تنسَ، أن هناك دائماً مفاجآت. كن حذراً."
"سأكون كذلك يا أبي."
أغلق سليم الهاتف، وشعر بالرضا. كانت خطته تتكشف بشكلٍ مثالي. لقد استغل ضعف السيد شهاب، واستخدم نور كوسيلةٍ لتحقيق أهدافه.
كان يعلم أن هناك شيئاً ما في ماضي السيد شهاب قد جعله عرضةً للابتزاز. لكنه لم يكن يهتم بالتفاصيل. ما يهمه هو النتيجة النهائية: السيطرة الكاملة على القصر، وعلى ثروات آل شهاب.
نظر إلى صورة نور التي كانت معلقةً على مكتبه. "قريباً، ستكونين لي يا نور. وسوف تعرفين أن مقاومتي لا جدوى منها."
لكن في زاويةٍ أخرى من المدينة، كانت نور تتخذ قراراً. قراراً قد يغير مجرى كل هذه الأحداث. كانت قد اكتشفت الحقيقة، والآن، يجب عليها أن تواجهها.