روح تبحث عنك الجزء الثالث

الفجر الذي لا يشرق

بقلم فاطمة النجار

كان الهواء يهمس بأسرار الليل القديم، يحمل معه برودة الصحراء التي لم تمسها شمس النهار بعد. أسدل الظلام ستاره الثقيل على قريتي الصغيرة، حيث تتناثر البيوت الطينية كعقود لؤلؤ على بساط الرمال الذهبية. كنتُ، لينا، أقف عند نافذة غرفتي المفتوحة، أستنشق عبير الياسمين المتسلل من جدار بيت جدتي، وقلبي يعزف لحنًا حزينًا لا يعرف مداواته سوى الصبر.

لم يكن صبري قد أوشك على النفاد، بل كان يراودني شعور غريب، كأن نسمة القدر قد هبت حاملة معها وعدًا بالمستقبل، أو ربما تحذيرًا من قادم. تحت ضوء القمر الباهت، رأيتُ ظلالاً تتراقص على الرمل، أشباحًا لأيام مضت، وأحلامًا لم تتحقق بعد.

"لينا! يا ابنتي، ما الذي تفعلينه واقفة هكذا في البرد؟"

صوت أمي العذب، النابع من دفء المنزل، أيقظني من شرودي. التفتُ إليها، وابتسامة باهتة ارتسمت على شفتي. كانت أمي، سارة، كالشمس في حياتي، تبعث الدفء والنور في كل زاوية.

"لا شيء يا أمي، كنتُ أتأمل النجوم."

"النجوم لا تجيب عن أسئلة القلب، يا صغيرتي. تعالي، فقد أوشك الفجر على البزوغ، وصلاة الفجر لا تتأخر."

احتضنتني أمي بحنان، وشعرتُ بدفء يغمرني، دفء لا يجاريه أي دفء آخر. لكنها لم تدرك أن قلبي كان يسأل أسئلة لم تتوقف عند النجوم، أسئلة تعلقت بشخص غائب، بصورة محفورة في ذاكرتي، بعهدقطع على رمال الماضي.

في ذلك المساء، قبل أسابيع قليلة، بينما كانت الشمس تغيب خلف الأفق، مطليةً السماء بألوان النسيان، كنتُ أجلس مع أهلي في فناء البيت الواسع. كان الجو مليئًا بالألفة، ورائحة القهوة العربية تفوح في الأرجاء. أبي، الحاج أحمد، الرجل الصامت الذي يحمل في عينيه حكمة السنين، كان يتبادل أطراف الحديث مع عمي، الذي جاء زائراً.

"لقد سمعتُ خبرًا طيبًا يا أحمد." قال عمي، وابتسامة ارتسمت على وجهه.

"خير إن شاء الله." أجاب أبي، وقد لمعت عيناه بفضول.

"عائلة بن صالح، لقد عاد ابنه الكبير، خالد، من سفره الطويل."

تجمدتُ في مكاني. خالد. الاسم الذي كان يتردد في أحاديث النساء، وصورته التي كانت معلقة في ذاكرتي كأجمل لوحة. شابٌ تجاوز العشرين بقليل، تميز بذكائه الحاد، وبأخلاقه الرفيعة، وبخُطاه الواثقة التي كانت تشق طريقها نحو مستقبل مشرق. كان خطيبي.

كان القدر قد رسم لنا طريقًا، طريقًا بدأ بشبكة علاقات بين العائلتين، وتوج بخطبة جمعتني به في حفل بسيط، قبل أن يسافر لإكمال دراسته. وعدنا بعضنا البعض بالصبر، وبأن نجعل حبنا ينمو في ظل الاحترام والتقوى، حبًا حلالًا يرضي الله.

"هذا خبر مفرح حقًا." قال أبي، وعاد الهدوء يلف المكان، لكنني لم أعد أسمع شيئًا سوى وقع اسم خالد في أذني.

في تلك اللحظة، شعرتُ بأن الرياح قد بدأت تتغير. عودة خالد كانت تعني اقتراب موعد الزواج، اقتراب تحقيق حلمي الذي طال انتظاره. لكنها كانت تعني أيضًا مواجهة مشاعر مختلطة، خليط من الفرح والقلق.

في الأيام التالية، انتشر خبر عودة خالد كالنار في الهشيم. كانت الأحاديث تدور حوله في القرية، عن نجاحاته، وعن التغييرات التي طرأت عليه. كان الجميع يتوقع قدومه إلى بيت جدتي، حيث اعتاد أن يزورنا في كل مرة.

في صباح يوم مشمس، بينما كنتُ أساعد أمي في ترتيب البيت، سمعنا صوتًا مألوفًا ينادي باسمي من خارج الباب. قلبي قفز من مكانه. صوت خالد.

اندفعتُ نحو الباب، وفتحتُه على مصراعيه. كان واقفًا هناك، تحت أشعة الشمس الذهبية، يرتدي ثوبًا عربيًا أنيقًا، وتبدو على وجهه علامات النضج والرزانة. كان أجمل مما تخيلت.

"السلام عليكم، لينا." قال بصوت عميق، كان يحمل معه صدى أيام طويلة من الغياب.

"وعليكم السلام، خالد." تمكنتُ من النطق بالكلمات بصعوبة، وشعرتُ بخديّ يشتعلان.

ابتسم ابتسامة واسعة، كشفت عن صف أسنان بيضاء. "لقد اشتقتُ إليكِ."

جملة بسيطة، لكنها كانت تحمل في طياتها عالمًا من المشاعر. عالمٌ كنتُ أنتظره بصبر.

"وأنا أيضًا." قلتُ، محاولةً التحكم في رجفة يدي.

دخل خالد إلى البيت، وبدأت تهانيء العائلة تنهال عليه. كان كل شيء يسير كما خططنا له، كما حلمنا. لكنني، في أعماق قلبي، كنتُ أشعر بشيء ما، بشيء غامض، كأن هذا اللقاء لم يكن كافيًا، كأن هناك شيئًا كان لا يزال معلقًا في الهواء، ينتظر أن يكشف عن وجهه الحقيقي.

بعد وقت قصير، جلسنا أنا وخالد في زاوية هادئة من الفناء. كان الحديث بيننا أشبه بلملمة قطع متناثرة من ذكرياتنا. تحدثنا عن رحلته، وعن التحديات التي واجهها، وعن أحلامه المستقبلية. كنتُ أستمع إليه بقلب يفيض حبًا، وفي نفس الوقت، كان هناك شعور غامض ينتابني، شعور بعدم اليقين.

"لينا،" قال فجأة، ووجهه أصبح جادًا. "هناك أمرٌ أود أن أتحدث معكِ فيه."

توقف قلبي عن النبض للحظة. "خير يا خالد؟"

نظر إليّ بعينين صافيتين، فيهما مزيج من الحزن والعزم. "لقد واجهتُ صعوبات كبيرة في رحلتي، صعوبات لم أكن أتوقعها. وظروفٌ أجبرتني على اتخاذ قرارات لم أكن راغبًا فيها."

شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي. "ماذا تقصد؟"

"أقصد أنني..." تردد، ثم استجمع قوته. "أقصد أنني لم أعد الشخص الذي وعدتكِ أن أكونه."

كلماته كانت كالصاعقة. حاولتُ استيعاب ما يسمع، لكن عقلي رفض أن يصدق. "ماذا تقول؟"

"لقد تغيرتُ يا لينا. الظروف، والتجارب... لقد تركت أثرًا في نفسي. لم أعد قادرًا على الوفاء بالوعد الذي قطعته على نفسي، وعلى قلبي."

ارتعش صوتي وأنا أسأله: "هل تقصد...؟"

لم يكمل هو، بل اكتفى بإيماءة رأس موجعة. "لقد عدتُ لأقول لكِ وداعًا، لينا. وداعًا لقصتنا التي لم تكتمل."

انفطر قلبي. وقف أمامي، الغائب الذي عاد، أصبح الآن غائبًا للأبد. نظرتُ إليه، ورأيتُ في عينيه ما لم أكن أراه من قبل، رؤية واضحة لحزن عميق، وشعور بالأسف، لكنه كان حاسمًا.

"ولكن... لماذا؟" سألتُ، وصوتي يرتجف. "ما الذي حدث؟"

"لا يمكنني أن أخبركِ بكل شيء، لينا. لكنني أردتُ أن أكون صريحًا معكِ. أردتُ أن أتحمل مسؤولية قراراتي، حتى لو كانت مؤلمة."

وقفتُ أمامه، أحاول جمع شتات نفسي. كان شعورًا بالفقد، بالفقد الذي لم أكن مستعدة له. كان حلمي يتلاشى أمام عيني، تاركًا خلفه رمادًا وبقايا أمل.

"إذًا... هذا هو الوداع؟" قلتُ، وصوتي بالكاد كان مسموعًا.

"هذا هو الوداع، لينا. سامحيني."

استدار خالد، وغادر. تركتني واقفة وحدي، في فناء البيت الذي كان يفيض بالألفة، والآن أصبح فارغًا إلا من صدى كلماته. نظرتُ إلى حيث وقف، وكأنني أبحث عن أثر له، عن إشارة تدل على أن كل ما حدث لم يكن سوى كابوس. لكن الواقع كان قاسيًا.

تسللت الدموع إلى عيني، وبدأت تنهمر كالمطر. لم أكن أبكي على فقدانه فحسب، بل على فقدان حلم، على فقدان الثقة، على فقدان شيء جميل كاد أن يكتمل.

في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن الفجر لم يشرق بعد، وأن الظلام قد أحاط بي من كل جانب. كان قلبي ينزف، وروحي تبحث عن معنى لهذا الفقد المفاجئ، عن سبب لهذا الوداع الذي لم يكن له مبرر واضح.

رفعتُ رأسي نحو السماء، متسائلةً عنكمة القدر، وعن تلك الروح التي تبحث عني، هل هي تبحث عني لأجد روحي الضائعة؟ أم عن روحه الضائعة؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%