روح تبحث عنك الجزء الثالث
همسات القدر وأحلام مبعثرة
بقلم فاطمة النجار
استيقظت ليلى على خيوط الشمس الذهبية وهي تتسلل عبر ستائر الغرفة، ترسم خطوطاً دافئة على الأرضية الخشبية. حملت نسمة الصباح رائحة الياسمين المتسلقة على جدار المنزل، فاستنشقتها بعمق، وهي تشعر بجسدها يمتلئ بالهدوء النسبي الذي لم يكن ليخطر ببالها قبل أسابيع قليلة. بالأمس، كانت الأفكار تتصارع في رأسها كأمواج عاتية، ولكن هذا الصباح، بدا كل شيء أكثر وضوحاً، وأكثر سكينة.
تذكرت كلمات جدتها التي تلقتها بالأمس، نصائحها المتزنة، ودعواتها الصادقة. "الحياة يا ابنتي قصيرة، ولكنها تحمل في طياتها ما لا يُحصى من الفرص لمن يفتح قلبه وعقله. والأهم من ذلك، أن تتذكري دائماً أن الله معك، يرعاك ويوفقك لما فيه خيرك." كانت تلك الكلمات كبلسم شافٍ، أعادت إليها بعضاً من ثقتها بنفسها التي اهتزت.
نهضت من فراشها، وتوجهت نحو المكتبة الصغيرة التي تجمع فيها والدتها كتبها القديمة. أمسكت بيديها كتاباً قديماً بغلاف جلدي بالٍ، صفحاته صفراء من الزمن، وعنوانه: "قصص الأنبياء". كانت قد قرأت منه كثيراً في صغرها، والآن تشعر بأنها بحاجة إلى الاستلهام من تلك القصص العظيمة، قصص الإيمان والصبر، وكيف أن الله لم يخذل عباده الصالحين أبداً.
بينما كانت تتصفح الصفحات، سمعت صوت أمها يناديها من الأسفل. "ليلى، يا ابنتي، أين أنتِ؟ الفطور جاهز." نزلت مسرعة، ووجدت والدتها قد أعدت مائدة الإفطار، وكأنها تستقبل ضيفاً عزيزاً. رائحة القهوة العربية تفوح في الأجواء، مع خبز طازج وبعض الفاكهة الموسمية.
جلست بجانب والدتها، وبدأت الأم بالحديث عن بعض الأمور اليومية، ثم سألتها بلطف: "كيف كان يوم أمس يا ليلى؟ هل تحدثتِ مع طارق؟" احمر وجه ليلى قليلاً، وأجابت بتردد: "نعم يا أمي، تحدثت معه. لقد كان... حديثاً طويلاً." ابتسمت الأم، وقالت: "أعلم أنه في مثل هذه الأمور، غالباً ما تكون الأحاديث طويلة وتحتاج إلى وقت. المهم أن تتحدثا بصراحة ووضوح. وهل هناك أي جديد؟"
ترددت ليلى قليلاً. هل تخبر والدتها عن تفاصيل المحادثة؟ عن التوتر الذي شعرت به، عن التناقضات التي رأتها في كلام طارق؟ أم أن الأمر لا يزال في طور التفكير؟ قررت أن تشارك والدتها جزءاً من مخاوفها، دون أن تزيد أو تنقص. "يا أمي، هو... لديه بعض الضغوطات في عمله. وهو يحاول التوفيق بين الأمور. لكنني أشعر أحياناً أنه... بعيد." ربتت الأم على يد ابنتها بحنان. "يا ابنتي، الرجال يختلفون عن النساء في طريقة تعبيرهم عن مشاعرهم. وطارق شاب طيب، ولديه قلب كبير. ربما يحتاج فقط إلى بعض الوقت ليرتب أفكاره. المهم أن تبقي التواصل مفتوحاً، وأن تسألي قلبكِ قبل كل شيء. هل تشعرين بأن هذا الارتباط سيبني لكِ السعادة التي تستحقينها؟"
نظرت ليلى في عيني والدتها، فوجدت فيهما حكمة وصقلاً تجعلها تشعر بالطمأنينة. "أفكر كثيراً في هذا الأمر يا أمي. أحياناً أشعر بأننا متوافقان، وأحياناً أخرى... أشعر بشيء من الغموض." "الغموض طبيعي في البداية يا ليلى. لا يمكن أن تعرفي كل شيء عن شخص إلا بعد فترة من الزمن. ولكن، هناك أمور أساسية يجب أن تتضح. هل لديه أهداف واضحة؟ هل يتقي الله في معاملته؟ هل تشعرين بالأمان معه؟" "نعم، في معظم الأمور نعم. لكن... طريقة كلامه عن بعض الأمور، تجعلني أتساءل." "تساءلي يا ابنتي، ولا تخشي ذلك. العقل هو سبيلنا لنفهم الأمور. ولكن لا تدعي الشك ينهش قلبكِ. تحدثي معه مجدداً، ولكن هذه المرة، كوني أكثر تحديداً في أسئلتك. لا تترددي في طلب التوضيح. الزواج رباط مقدس، ويجب أن يبنى على أساس متين من الصدق والثقة."
بعد الإفطار، قررت ليلى أن تقضي بعض الوقت في الحديقة. جلست على الأرجوحة الخشبية القديمة، وهي تتأرجح ببطء، مستنشقة عبير الزهور. كانت تحب هذا المكان، فهو يذكرها بأيام طفولتها، وبالذكريات الجميلة التي قضتها مع عائلتها.
فجأة، رأت سيارة تقف أمام المنزل، ونزل منها شخص. تقدم بخطوات سريعة نحو البوابة. قلب ليلى خفق بقوة. لم يكن طارق. إنه... أيمن. أيمن، الشاب الذي كانت تعرفه منذ زمن، والذي بدت خطواته واثقة وعزيمته قوية. لم تره منذ فترة طويلة، منذ أن غادر المدينة للدراسة في الخارج. كيف جاء؟ ولماذا؟
فتح أيمن البوابة ودخل إلى الحديقة، وابتسامة واسعة ارتسمت على وجهه. "ليلى! ما هذا الجمال كله؟ تبدين أجمل من أي وقت مضى." وقفت ليلى، تشعر بتضارب في المشاعر. السعادة لرؤيته، والقلق من سبب زيارته غير المتوقعة. "أيمن! لم أتوقع رؤيتك أبداً. كيف حالك؟" "بخير الحمد لله، ولكن رؤيتكِ الآن تزيدني سعادة. لم أكن أعرف أنكِ ما زلتِ تسكنين في هذا المنزل الجميل. كنتُ في زيارة سريعة للعائلة، وقلتُ في نفسي، لماذا لا أسلم على ليلى؟"
دخل أيمن إلى الحديقة، وبدأ يتفقد الزهور، وكأنه يعرفها جميعاً. ثم جلس بجانبها على الأرجوحة، وبدأ يتحدث عن رحلاته، وعن مغامراته، وعن طموحاته. كان حديثه مليئاً بالحيوية والطاقة، وكان يبدو واثقاً من نفسه بشكل لافت.
خلال حديثه، لمح أيمن كتاب "قصص الأنبياء" الذي كانت ليلى تقرأ فيه. "ما زلتِ تقرئين هذه الكتب يا ليلى؟ أتذكر كيف كنتِ شغوفة بقراءة قصص الأنبياء في المدرسة. لم يتغير حبكِ للمعرفة والقيم." ابتسمت ليلى. "نعم، أحاول أن أستلهم منها. الحياة تحتاج إلى بوصلة." "بالتأكيد. وأنا أرى فيكِ دائماً تلك البوصلة. ولكن، هل هذه البوصلة توجهكِ نحو الأشخاص المناسبين؟"
شعر قلب ليلى ببعض الوخز. هل كان أيمن يعرف شيئاً عن علاقتها بطارق؟ "ماذا تقصد أيمن؟" سألت بحذر. نظر إليها بنظرة أعمق، وأكثر جدية. "أقصد، أنني سمعتُ بعض الأمور. عن خطوبة، وعن زواج. وأنا... لم أكن أرغب في التدخل، ولكن رؤيتكِ الآن، تجعلني أشعر بأنني يجب أن أتحدث. أن أقدم لكِ النصيحة. أن أقول لكِ ما أراه."
"ما تراه أيمن؟" سألت بتردد، وقد بدأت تشعر بأن الأجواء أصبحت ثقيلة. "أرى فتاة جميلة، ذكية، ومتدينة. ولا أرى فيمن يتحدثون عنكِ، الشخص الذي يليق بكِ حقاً. الشخص الذي يرى فيكِ جوهركِ، وليس مجرد مظهر." نظرت ليلى إليه، متسائلة. هل كان أيمن يتحدث عن طارق؟ أم أنه كان يتحدث عن نفسه؟ "أظن أنك تقصد طارق. هو شخص جيد." "جيد؟ ليلى، الصلاح ليس مجرد كلمة. الصلاح هو فعل، هو سلوك، هو تقوى. وهناك فرق كبير بين من يتظاهر بالصلاح ومن يتحلى به حقاً."
لم تستطع ليلى أن تصدق ما تسمعه. هل كان أيمن يهاجم طارق؟ هل كان يحاول زرع الشك في قلبها؟ "أيمن، أنا أعرف طارق جيداً. إنه رجل طيب." "أتمنى ذلك يا ليلى. أتمنى أن أكون مخطئاً. ولكن، عندما رأيتكِ، ولم أسمع أي أخبار سعيدة تخصكِ... شعرتُ بالواجب أن أحذركِ. أن أقول لكِ أن هناك من يهتم لأمركِ حقاً. وأن هناك من يرى قيمتكِ."
استمر أيمن في الحديث، وكأنه يفرغ في كلمات ما كان يكنه في صدره. تحدث عن ذكرياتهما القديمة، عن كيف كان يراقبها دائماً، وعن كيف كان يتمنى أن تكون له. كانت كلماته تحمل عاطفة قوية، ونبرة اعتذار، وشوقاً لا يخفى. كانت ليلى تستمع، وقلبها يدق بسرعة، وعقلها يدور. هذا اللقاء المفاجئ، وهذه الكلمات الصادقة، ألقت بظلالها على كل ما كانت تفكر فيه. هل كانت تتسرع في الحكم على طارق؟ هل كانت تضيع فرصة ثمينة؟ أم أن أيمن كان يحاول أن يشوه سمعة طارق بدافع الغيرة؟
غادر أيمن بعد فترة، تاركاً وراءه عاصفة من المشاعر المتضاربة. عادت ليلى إلى غرفتها، وقلبها يمتلئ بالأسئلة. كانت تبحث عن إجابات، ولكن القدر يبدو أنه يخفيها في طيات الأيام القادمة.