روح تبحث عنك الجزء الثالث
مفترق طرق وأسرار مكشوفة
بقلم فاطمة النجار
عادت ليلى إلى غرفتها، وجلست أمام مرآة التسريحة، تنظر إلى انعكاس وجهها الشاحب. كانت كلمات أيمن لا تزال تتردد في أذنيها، مع صوت والدتها الهادئ، وصورتها العائلية التي تمثل الاستقرار والأمان. كيف لها أن تجمع بين كل هذه الأصوات المتناقضة داخلها؟
تذكرت حديثها مع طارق بالأمس. تلك النبرة التي كانت فيها حيرة، وذلك التردد الذي بدا كأنه يخفي شيئاً. ثم تذكرت نظرات أيمن، وصدقه الظاهري، وشوقه المعلن. هل كان هناك فعلاً ما تخفيه خطوبة طارق؟ هل كان زواجه من هند مجرد مصلحة، كما ألمحت همسات الأمس؟
قررت ليلى أن تفعل شيئاً لم تفعله من قبل. أن تبحث عن الحقيقة بنفسها. لم تكن تريد أن تعيش في قلق دائم، أو أن تبني حياتها على أساس شكوك. أمسكت بهاتفها، وتوجهت نحو تطبيق المراسلة الذي تستخدمه مع طارق. ترددت للحظة، ثم كتبت: "طارق، أتمنى أن تكون بخير. هل يمكننا التحدث اليوم؟ لدي بعض الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة."
لم يأتِ الرد سريعاً. مرت دقائق بدت كأنها ساعات. ثم وصلتها رسالة منه: "ليلى، أنا آسف. اليوم صعب جداً في العمل. هل يمكننا تأجيل حديثنا إلى الغد؟"
شعرت ليلى بخيبة أمل. هذا التهرب المتكرر كان يثير قلقها. هل كان يتهرب منها عمداً؟ هل كان لديه ما يخفيه؟ "طارق، هذا الأمر مهم جداً بالنسبة لي. لا يمكنني الانتظار طويلاً. هل أنت في المدينة؟" جاء الرد بعد فترة قصيرة، وأكثر حزماً هذه المرة: "ليلى، أنا لست في المدينة. لدي اجتماع طارئ في الخارج. أتفهم قلقكِ، ولكن عليكِ أن تصبري قليلاً."
لم يكن هذا الرد كافياً لليلى. شعرت بأنها تُعامل وكأنها طفلة، وأن أسباب غيابه غير مقنعة. اتصلت بوالدتها، وأخبرتها بما حدث. "يا أمي، طارق يقول إنه خارج المدينة، ولديه اجتماع طارئ. أشعر أن هناك شيئاً غير صحيح." هدأت الأم من روعها. "يا ابنتي، قد يكون الأمر كما يقول. لا تستعجلي في الحكم. ولكن، إن كنتِ تشعرين بقلق شديد، يمكنكِ التحدث إلى والدته. ربما تعرف شيئاً."
فكرة والدة طارق لم تكن غريبة. لقد عرفتها الأم، وكانت امرأة صالحة. ربما تستطيع أن تفهم ما يحدث. "ولكن يا أمي، كيف سأبدأ الحديث؟ كيف سأقول لها إنني أشك في ابنها؟" "قولي لها بصراحة، وباحترام. قولي إنكِ تخشين على علاقتكِ بابنها، وأنكِ بحاجة إلى بعض التوضيح. الزواج يا ليلى، مبني على الشفافية."
بعد تفكير عميق، قررت ليلى أن تخاطر. أمسكت هاتفها، وبحثت عن رقم والدة طارق، التي كانت قد حصلت عليه من أمها. ترددت للحظة، ثم ضغطت على زر الاتصال. "السلام عليكم، مدام سميرة." جاء صوت والدة طارق دافئاً ومرحباً. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. من معي؟" "معكِ ليلى، خطيبة طارق." صمتت مدام سميرة للحظة، ثم قالت بصوت فيه بعض المفاجأة. "ليلى؟ يا هلا بكِ يا ابنتي. كيف حالك؟" "بخير الحمد لله. مدام سميرة، أنا آسفة جداً على الاتصال المفاجئ. ولكن، هل يمكنني أن أستشيركِ في أمر؟" "بالتأكيد يا ابنتي، تفضلي. ما الذي يشغل بالكِ؟"
بعد لحظة تردد، استجمعت ليلى شجاعتها. "في الحقيقة، أنا... أشعر بقلق تجاه طارق. هو في الخارج الآن، ولكنه لا يجيب على أسئلتي بشكل واضح. وهناك بعض الهمسات التي سمعتها... عن زواج سابق، أو خطوبة لم تكتمل. أشعر بالحيرة، وأخشى أن تكون هناك أمور لا أعرفها."
تنهدت مدام سميرة بصوت مسموع. لم يكن تنهيداً مليئاً بالأسف، بل كان تنهيداً مليئاً بالحكمة. "يا ابنتي ليلى، أنا سعيدة جداً لأنكِ تحدثتِ معي بصراحة. طارق شاب طيب، ولكنه في بعض الأحيان، لا يجيد التعبير عن نفسه. نعم، كان هناك ارتباط سابق. كانت لديه خطوبة، ولكنها لم تكتمل لظروف خارجة عن إرادته. وكان ذلك قبل أن يخطبكِ. لقد تعمد أن لا يذكر الأمر لكِ، ربما خوفاً من أن يؤثر على مشاعركِ، أو أن يسبب لكِ قلقاً."
كانت هذه الكلمات بمثابة صدمة لليلى، ولكنها كانت صدمة تحمل معها شعوراً بالراحة. على الأقل، لم يكن هناك زواج قائم، ولم يكن طارق يخفي عنها سراً كبيراً. "إذن... لم يكن الأمر كما ظننت؟" "بالتأكيد لا يا ابنتي. ولكن، أعتقد أن طارق كان مخطئاً في عدم إخباركِ. الشفافية هي أساس أي علاقة ناجحة. ربما يحتاج إلى أن يفهم ذلك."
بعد أن أنهت ليلى مكالمتها مع مدام سميرة، شعرت بأن جزءاً كبيراً من ثقلها قد زال. عادت لتقرأ الرسائل القديمة بينها وبين طارق. لاحظت أنه لم يذكر شيئاً عن أي ارتباط سابق. هل كان ذلك لأن الأمر قديم جداً، أم لأنه ببساطة لم يرغب في ذكره؟
في المساء، قررت ليلى أن تزور جدتها. كانت بحاجة إلى نصيحتها، وإلى حضنها الدافئ. عندما وصلت، استقبلتها الجدة بابتسامة محبة. "أهلاً بكِ يا حبيبتي. أرى القلق في عينيكِ. ما الذي يشغل بالكِ؟" جلست ليلى بجانب جدتها، وبدأت تحكي لها كل ما حدث. قصة طارق، قصة أيمن، والمحادثة مع والدته. "يا جدتي، أشعر بالضياع. هل كان أيمن يحاول خداعي؟ أم أن طارق كان يخفي عني أمراً مهماً؟"
احتضنت الجدة حفيدتها بحنان. "يا ليلى، الحياة ليست دائماً واضحة كالشمس. أحياناً، تكون الأمور معقدة، وتحتاج إلى صبر وحكمة. بالنسبة لأيمن، ربما كان يقول الحقيقة، وربما كان يشعر بالغيرة. أما طارق، فكما قالت والدته، ربما كان لديه سببه. ولكن، ما تعلمته أنا من الحياة، أن الثقة لا تبنى على الكلام فقط، بل على الأفعال. وهل تشعرين بأن أفعال طارق تؤكد كلامه؟"
"في بعض الأحيان نعم، وأحياناً أخرى لا." "إذن، هذا هو مفتاح الحل. عليكِ أن تراقبي أفعاله، لا أقواله فقط. وعندما يعود، تحدثي معه بصدق. قولي له ما سمعتِ، وما شعرتِ به. اطلبي منه توضيحاً واضحاً، دون اتهام. ودعي قراركِ النهائي يعتمد على ما ترينه في سلوكه، وعلى شعوركِ الداخلي. تذكري، قلبكِ لا يكذب."
استمعت ليلى إلى جدتها، وشعرت بأن بعضاً من الضباب قد تبدد. لم تكن تريد أن تتسرع في قرارها، أو أن تسمح لأحد بالتدخل في حياتها. ولكنها كانت بحاجة إلى الوضوح، وإلى اليقين.
عندما عادت إلى منزلها، وجدت رسالة نصية من طارق. "ليلى، أنا آسف جداً. لم أكن أريد أن أخفيكِ شيئاً. أريد أن أوضح لكِ كل شيء. هل يمكن أن نلتقي غداً؟ لدي ما أقوله لكِ."
شعرت ليلى ببعض الترقب، ممزوجاً بقليل من الأمل. ربما، أخيراً، سيأتي وقت الحقيقة. ولكن، هل كانت هذه الحقيقة ما تريده؟ أم أنها كانت مجرد بداية لمزيد من التعقيدات؟