روح تبحث عنك الجزء الثالث
لقاء الصدق ورياح التغيير
بقلم فاطمة النجار
صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى على صوت المنبه، وهي تشعر بتوتر متزايد. كان عليها أن تلتقي بطارق، وأن تسمع منه كل شيء. لم تكن متأكدة من رد فعلها، ولكنها كانت تعلم يقيناً أنها بحاجة إلى الوضوح. ارتدت ملابس محتشمة وأنيقة، ودعت الله أن يمنحها القوة والسكينة.
توجهت إلى المكان الذي اتفقا عليه، وهو مقهى هادئ ذو طابع شرقي أصيل، بعيداً عن ضوضاء المدينة. عندما وصلت، وجدت طارق قد سبقتها. كان يجلس وحيداً، وعيناه زائغتان، وكأنه يفكر بعمق. عندما رآها، نهض سريعاً، ورسمت على وجهه ابتسامة خجولة.
"أهلاً بكِ يا ليلى. شكراً لكِ على المجيء." "أهلاً بك يا طارق. أتيت لأنني بحاجة إلى الحديث." جلسا على طاولة جانبية، حيث يمكنهما التحدث براحة. طلبوا قهوتهم، وبدأت ليلى بالحديث.
"طارق، لقد تحدثتُ مع والدتكِ أمس. وأخبرتني عن خطوبتكِ السابقة." شحب وجه طارق قليلاً، وقال بصوت منخفض: "ليلى، أنا آسف جداً لأنني لم أخبركِ. لم أكن أعرف كيف أبدأ. تلك الفترة كانت صعبة جداً بالنسبة لي، ولم أكن أريد أن أخلق لكِ أي شكوك أو مخاوف." "ولكن، ألم تخف أنني سأكتشف الأمر؟ ألم تفكر في عواقب إخفاء هذا الأمر؟" "فكرت، يا ليلى. ولكن خوفي من فقدانكِ كان أكبر من خوفي من الكشف عن الماضي. كنتُ أخشى أن تظني أنني شخص غير جدير بالثقة. لقد كنتُ أحبكِ، وأريد هذه العلاقة، ولكنني في نفس الوقت، لم أكن أعرف كيف أواجهكِ."
روى طارق لليلى قصة خطوبته السابقة بالتفصيل. كانت خطوبة تقليدية، ولكنها لم تكتمل بسبب اختلاف جذري في وجهات النظر حول المستقبل، ولأسباب تتعلق ببعض العادات والتقاليد التي لم تستطع والدة خطيبته السابقة التخلي عنها. قال إنه لم يكن يريد أن يثقل كاهلها بتفاصيل مؤلمة، خاصة وأن الأمور قد انتهت.
"ولكن، لماذا لم تذكر ذلك عندما تقدمت لخطبتي؟" سألت ليلى، وشعرت بأن دموعها بدأت تتجمع في عينيها. "لأنني كنتُ في حالة نفسية سيئة جداً حينها. وبعد أن بدأت علاقتي بكِ، شعرتُ بأنني وجدتُ نوراً في حياتي. ولم أرد أن أفسد هذا النور بأي شيء من الماضي. اعتقدتُ أن نسيان الأمر هو أفضل حل."
بعد أن فرغ طارق من حديثه، ساد الصمت بينهما. كانت ليلى تفكر بعمق. هل كان صادقاً؟ هل كان اعتذاره حقيقياً؟ "طارق، أنا أفهم أنك مررت بظروف صعبة. وأنا أقدر صراحتك الآن. ولكن، كذب الأفعال، حتى لو كان بدافع الحب، هو كذب. والزواج يجب أن يبنى على أساس لا تتزعزعه أي محاولة لإخفاء حقائق."
نظر إليها طارق بعينين تحملان الشفقة والألم. "أعلم يا ليلى. وأنا أتحمل كامل المسؤولية. ولكن، هل تمنحينني فرصة؟ فرصة لأثبت لكِ أنني تغيرت، وأنني قادر على أن أبني معكِ مستقبلاً حقيقياً. مستقبلاً خالياً من الأسرار."
فكرت ليلى في كلمات جدتها: "قلبكِ لا يكذب." لقد كانت تشعر بالحيرة، ولكنها في نفس الوقت، لم تشعر بأن طارق كان ينوي إيذاءها. كان يبدو نادماً، ومستعداً لتغيير سلوكه.
"طارق، أنا أحتاج إلى وقت للتفكير. لا أستطيع أن أقرر الآن. هذه المسألة تتعلق بمستقبلي، وبحياتي. لا يمكنني أن أتخذ قراراً متسرعاً." "أتفهم ذلك يا ليلى. خذي وقتكِ. ولكن، أرجوكِ، لا تتخلي عني. أريد أن أكون معكِ."
عندما غادرت ليلى المقهى، كانت تشعر بأنها تقف عند مفترق طرق. أمامها طريقان، كلاهما يحمل احتمالات مختلفة. هل تعود إلى علاقتها بطارق، مع الأمل في أن يكون قد تعلم درساً؟ أم أنها تنهي كل شيء، وتفتح الباب أمام خيارات أخرى، ربما مثل أيمن، الذي بدت كلماته أكثر وضوحاً، ولكنه أيضاً كان يمثل مفاجأة غير متوقعة؟
في طريق عودتها، رأت ليلى سيارة أيمن تقف أمام منزلها. شعر قلبها بالخفقان. هل جاء لزيارتها مرة أخرى؟ أم أنه كان يراقبها؟
نزلت من سيارتها، وتقدمت نحو البوابة. كان أيمن ينتظرها، وابتسامته المعهودة على وجهه. "ليلى! لم أتوقع رؤيتكِ بهذه السرعة. هل أنتِ ذاهبة إلى مكان ما؟" "كنتُ ألتقي بطارق." قالت ليلى بصدق، دون أن تخفي الحقيقة. "طارق؟" بدا على وجه أيمن شيء من الانزعاج، ولكنه سرعان ما أخفاه. "وماذا قلتم؟" "كنتُ أطلب منه بعض التوضيحات."
"وهل حصلتِ عليها؟" سأل أيمن، ونبرته أصبحت أكثر اهتماماً. "بعضها." أجابت ليلى، وهي تشعر بأنها لا تريد أن تشارك كل شيء معه. "ليلى، أنا هنا لأنني أهتم لأمركِ. وأعلم أنكِ تستحقين الأفضل. إذا كان طارق لا يستطيع أن يقدم لكِ الأمان والصدق الذي تستحقينه، فربما يجب أن تفكري بجدية."
لم تكن ليلى متأكدة ما إذا كانت نظرة أيمن تحمل حباً حقيقياً، أم مجرد رغبة في الفوز. ولكنها كانت تعلم يقيناً أنها بحاجة إلى مساحة للتفكير، وللتعافي من هذه المشاعر المتضاربة.
"شكراً لك أيمن، أنا أقدر اهتمامك. ولكنني بحاجة إلى وقتي الخاص." "أتفهم. ولكن، تذكري أنني هنا، إذا احتجتِ لأي شيء. حتى لو كان مجرد الاستماع."
غادر أيمن، تاركاً ليلى تتأمل في كل ما حدث. لقد كشفت أسرار، وفُتحت أبواب، وبدت رياح التغيير تهب بقوة في حياتها. ولكن، هل كانت هذه الرياح تحمل لها الخير، أم الشر؟