روح تبحث عنك الجزء الثالث

أسرار الغرف المغلقة ونداء الحقيقة

بقلم فاطمة النجار

تغلغلت خيوط الفجر الأولى إلى قصر جدة "خالد"، كشفت عن جمالٍ عريقٍ وأسرارٍ دفينة. كان "خالد" ما يزال مستيقظًا، يجلس في مكتبة جده الضخمة، تحيط به رفوف الكتب التي تعبق برائحة الورق القديم والجلد. كان يقلب في صندوقٍ خشبيٍ قديمٍ وجده مخبئًا في أحد أدراج المكتب، صندوقٌ كان مغلقًا بإحكام، يبدو أنه لم يفتح منذ سنواتٍ طويلة.

كانت يداه ترتجفان قليلاً وهو يفتح الصندوق. بداخله، وجد مجموعة من الرسائل القديمة، وصورةً باهتة لامرأةٍ شابةٍ ذات جمالٍ هادئ. كانت المرأة في الصورة تشبه "والدته" بشكلٍ كبير، ولكن بملامحٍ أكثر شبابًا وبراءة.

"من أنتِ؟" تساءل "خالد" بصوتٍ خفيض، يشعر بغرابةٍ لم يعهدها.

فتح إحدى الرسائل، بخطٍ أنيقٍ ومرتب، لكن الأحرف كانت قد تداخلت بفعل الزمن. كانت الرسالة موجهة إلى "جدته". قرأ "خالد" بتمعن، وكل كلمة كانت تلقي به في دوامةٍ من الأسئلة.

"إلى سيدتي، أمي الغالية..." بدأت الرسالة.

"أمي؟" فكر "خالد" بدهشة. جدته لم تكن تتحدث عن والدتها إلا نادرًا، وكانت تصفها دائمًا بالمرأة القوية المستقلة.

"أعلم أنكِ ستغضبين مني، ولكن قلبي لا يطاوعني على كتمان هذه الحقيقة. لقد قررت الرحيل، الرحيل إلى مكانٍ لا أعرف فيه أحدًا، لكي أعيش حياتي كما أريد. لا تقلقي عليّ، فلقد بدأت مشروعي الصغير، وسأكسب رزقي بالحلال. أتمنى أن تسامحيني، وأن تتذكري دومًا أنني أحببتكِ."

كانت الرسالة موقعة باسمٍ لم يسمع به "خالد" من قبل: "نور".

"نور؟" تكررت الكلمة في ذهنه. هل كانت "نور" هي والدة "خالد"؟ ولكن والدته كانت تخبره أن اسمها "فاطمة".

بدأ "خالد" يربط خيوطًا متفرقة. كلام جدته عن الأسرار، كلام "الشيخ يوسف" عن الروابط التي لا تنفصم. بدأ يشعر بأن هناك طبقاتٍ من الحقيقة مخفية، طبقاتٌ قد تغير نظرته إلى كل ما يعرف.

وجد رسالةً أخرى، هذه المرة موجهة إلى "شخصٍ ما" لم تذكر اسمه.

"أعلم أنكِ لستِ والدتي الحقيقية، ولكنكِ كنتِ خير أمٍ لي. لقد فقدتُ والديّ في حادثٍ مبكر، وتركتني جدتي لتربيتي. لم أكن أعرف شيئًا عن عائلتي، ولم أرغب في ذلك. ولكن، الآن، وبعد أن أصبحتُ أمًا، أصبحتُ أرغب في معرفة جذوري. أرغب في أن يعرف ابني من هي والدته الحقيقية، ومن هي جدته. لا أريد أن يعيش في ظلامٍ مثلي."

هنا، شعر "خالد" بالدم ينساب بسرعة في عروقه. "ابني؟" هل كان يتحدث عن نفسه؟ ولكنه لم يكن يعرف أن "والدته" كانت لديها خططٌ أخرى.

قلب في الصندوق مرة أخرى، فوجد رسالةً أخيرة، هذه المرة كانت أقصر، وأكثر إيلامًا.

"يا خالد، ابني العزيز. قد تجد هذه الرسالة بعد رحيلي. لا تحزن عليّ. لقد عشتُ حياتي كما أردت، ولكنني لم أستطع أن أجد السعادة التي كنت أبحث عنها. أتمنى لكَ حياةً مليئةً بالحب والسعادة، وأن تجد في "ليلى" كل ما لم أجده."

"ليلى؟" صدمةٌ جديدة. كيف عرفت "والدته" بـ "ليلى"؟ هل كان هناك تواصلٌ بينهما؟

كانت "نور" هي والدة "خالد" الحقيقية، وأن "فاطمة" التي عرفها "خالد" على أنها والدته، كانت في الواقع جدته، أخت "نور" الكبرى، التي تبنت "خالد" بعد رحيل "نور". ولكن لماذا؟ ولماذا كل هذا الإخفاء؟

شعر "خالد" بأن عواطفه تتلاطم. الغضب، الحزن، الخيبة، كلها مشاعرٌ بدأت تنتابه. كيف استطاعت جدته، المرأة التي أحبها دومًا، أن تخبئ عنه حقيقته طوال هذه السنوات؟

ذهب "خالد" ليواجه جدته. وجدها جالسةً في حديقة القصر، تنظر إلى زهور الياسمين بعينين تحملان حزنًا عميقًا.

"جدتي،" بدأ "خالد" بصوتٍ مرتجف. "من هي نور؟"

تجمدت جدته للحظة، ثم نظرت إليه ببطء. كان وجهها شاحبًا، وعيناها مليئتان بالندم.

"آه يا خالد، لقد اكتشفتَ السر." قالت بصوتٍ متعب.

"أنتِ أمي الحقيقية، أم أن نور هي أمي؟" سأل، قلبه يعتصره الألم.

"نور هي والدتكِ، يا بني. وأنا شقيقتها. لقد كانت تحلم بالاستقلال، بالعيش لنفسها. وبعد أن أنجبتك، شعرت بأنها لا تستطيع أن تكون الأم التي تطمح إليها. فتركتك معي، وذهبت لتبحث عن السعادة. وعدتني بالعودة، ولكنها لم تعد أبدًا."

"ولماذا لم تخبريني؟" سأل "خالد"، صوته يعلو تدريجيًا.

"كنتُ أظن أن ذلك في مصلحتك. أردتُ لكِ حياةً مستقرة، بعيدةً عن تقلبات حياة أمكِ. أردتُ أن أحميكِ. ولكن، يبدو أنني أخطأت."

كانت كلمات جدته أشبه بضرباتٍ قوية على قلبه. لم يكن يعرف كيف يتعامل مع هذه الحقيقة. كل ما كان يعرفه، هو أن حياته قد انقلبت رأسًا على عقب.

في نفس الوقت، كانت "ليلى" تشعر بضيقٍ شديد. لم يأتِ "خالد" للقائها منذ أيام، ولم يرد على رسائلها. كان صمته يزداد عمقًا، وكان قلبه ينبض بخوفٍ متزايد.

"هل يتهرب مني؟" تساءلت، عيناها تدمعان. "هل قرر ألا يكمل ما بدأناه؟"

ذهبت "ليلى" إلى منزل "أمجد" لتطلب منه النصيحة. وجدته جالسًا في شرفته، يقرأ كتابًا.

"أمجد،" قالت بصوتٍ مخنوق. "لقد اختفى خالد."

نظر إليها "أمجد" بقلق. "اختفى؟ لم يتصل بك؟"

"لا شيء. صمتٌ تام. أشعر أنني أقف وحدي في هذه المعركة."

"لا تقلقي يا ليلى. أحيانًا، تكون هناك أسبابٌ لهذا الصمت. أسبابٌ قد تكون خارجة عن إرادة الشخص."

"ولكن، هل هذا مبررٌ للهروب؟" سألت "ليلى"، وقلبها ينفطر.

"ربما ليس هروبًا، يا ليلى. ربما هو صراعٌ داخلي. ربما يواجه شيئًا كبيرًا. ولكن، إذا كان حبكِ صادقًا، فإنه سيجعلُكِ قويةً بما يكفي لتجاوز هذا الاختبار."

"أنا لا أعرف ماذا أفعل يا أمجد. أشعر أنني على وشك الانكسار."

"لا تنكسري يا ليلى. لقد تعلمتِ الكثير. تعلمتِ الصبر، وتعلمتِ الثقة. الآن، تعلمي شيئًا جديدًا: الثقة بنفسكِ. وثقي بأن الحق لا يضيع. وإذا كان "خالد" حقًا يحبكِ، فإنه سيعود."

كانت كلمات "أمجد" بلسمًا، ولكن الألم في قلب "ليلى" كان لا يزال عميقًا. كانت تشعر بأنها تسير في طريقٍ مظلم، وأنها لا ترى نورًا في نهايته.

لم تكن تعلم "ليلى" أن "خالد" كان يمر بأزمةٍ كبيرة، وأن هذه الأزمة كانت بسببها، وبسبب سرٍ كبيرٍ كان سيغير كل شيء.

بدأ "خالد" يشعر بثقل المسؤولية. لقد اكتشف حقيقة والدته، وحقيقة جدته. الآن، كان عليه أن يكتشف ما يربطه بـ "ليلى"، ولماذا ذكرته والدته في وصيتها.

أمسك بالصورة الباهتة لـ "نور"، وتذكر كلماتها: "أتمنى لكَ حياةً مليئةً بالحب والسعادة، وأن تجد في "ليلى" كل ما لم أجده."

هل كانت "نور" تعرف "ليلى"؟ هل كان هناك رابطٌ بينهما لم يعلمه "خالد"؟

بدأت الألغاز تتكشف، ولكن كلما اكتشف "خالد" سرًا، ظهر له سرٌ آخر أشد تعقيدًا. كان القدر يضع أمامه امتحاناتٍ متلاحقة، وامتحان "ليلى" كان على وشك أن يبدأ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%