روح تبحث عنك الجزء الثالث
المواجهة الحاسمة وأولى بوادر الخيانة
بقلم فاطمة النجار
اجتمع الغموض حول "خالد" كضبابٍ كثيف، يخنق أنفاسه ويشل حركته. لم يكن الأمر مجرد اكتشاف لهوية والدته الحقيقية، بل كانت هناك أبعادٌ أخرى لهذا السر، أبعادٌ تربطه بـ "ليلى" وبماضي عائلته بطرقٍ لم يكن يتصورها. بدأت "جدته"، التي كانت تسمي نفسها "فاطمة"، تشعر بوطأة ما فعلته، وبرعبٍ ينمو في قلبها وهي ترى "خالد" يتغير.
"يا بني،" قالت "فاطمة" بلهفة، محاولةً استعادة قربه. "لم أقصد أن أخفي عنك حقيقتك. لقد كان خوفي عليكِ كبيرًا. والدتكِ، "نور"، كانت فتاةً جريئة، تحلم بالمغامرات. وبعد أن سافرت، كنتُ أخشى عليكِ من أن تلقى مصيرها."
"مصيرة؟ أي مصير يا جدتي؟" سأل "خالد" بحدة، يتذكر آخر كلمات والدته في الرسالة. "أرجوكِ، قولي لي الحقيقة كاملة."
ترددت "فاطمة"، كانت عيناها تتجنب نظراته. "لقد… لقد اتهمت في قضيةٍ ما. قضيةٌ تتعلق بـ… ببعض الأوراق المهمة. وبعدها، اختفت. لم نعرف عنها شيئًا."
"قضية؟ أوراق مهمة؟" تكررت الكلمات في ذهن "خالد". كان يشعر بأن هناك شيئًا كبيرًا يغيب عنه، شيئًا قد يكون سبب كل هذا البعد وكل هذه المعاناة.
"ومن هي "ليلى"؟" سأل "خالد" فجأة، يحدق في جدته بنظرةٍ ثاقبة. "لماذا ذكرت والدتي اسمها في وصيتها؟"
تجمدت "فاطمة" للحظة، وجهها شاحب. "ليلى؟ أنا… أنا لا أعرف. ربما كانت صديقةً لها."
"صديقة؟" سخر "خالد". "وهل كانت والدتي تترك وصايا لعشيق؟"
"لا تتحدث هكذا يا بني!" قالت "فاطمة" بغضب، ولكن صوتها كان يرتجف. "نور لم تكن كذلك. كانت… كانت طيبة القلب."
"طيبة القلب ولا تترك أحداً يعرفها، ولا أهلاً لها؟" استمر "خالد" في الضغط. "هل هي شريكة والدتي في قضيتها؟ هل هي… هل هي مرتبطة بالموضوع؟"
كانت "فاطمة" تشعر بأنها على وشك الانهيار. كانت الأسرار تتكشف، واحدة تلو الأخرى، وكان "خالد" يقترب من الحقيقة المرة.
"ليلى… ليلى هي ابنة صديقتي المقربة." قالت أخيرًا، بصوتٍ منخفض. "لقد… لقد تعهدتُ لـ "نور" أن أعتني بـ "ليلى" إذا حدث لها شيء. عندما اختفت "نور"، وجدتُ "ليلى" وحيدة. قررتُ أن أساعدها، وأن أدمجها في حياتنا. كنتُ أظن أن ذلك سيجعلُها قريبةً منا، ويحميها. ولكن… لم أكن أعلم أنها ستصبح… بهذا القرب منكَ."
فهم "خالد" كل شيء. لم تكن "ليلى" مجرد فتاةٍ عادية. كانت جزءًا من خطةٍ قديمة، خطةٌ نسجتها والدته وجدته. شعر بخيبة أملٍ كبيرة، لم تكن "ليلى" بالنسبة له مجرد حبٍ عفوي، بل كانت جزءًا من إرثٍ معقد، إرثٍ قد يفسد علاقتهما.
"ولماذا لم تخبريني؟" سأل "خالد"، يشعر بغضبٍ يغلي في صدره.
"كنتُ أخشى أن تبعدكِ عني. وكنتُ أخشى أن تظن أن "نور" كانت تخطط لكل شيء. أردتُ أن أمنحكَ وقتًا لتكوين علاقةٍ صادقة معها، قبل أن تعرف هذه الحقائق."
خرج "خالد" من الغرفة، قلبه مثقلٌ بالأحزان. لم يعد يعرف بمن يثق. كل شيء كان يبدو وكأنه كذبة.
في هذه الأثناء، كانت "ليلى" في منزل "أمجد"، تحاول أن تتجاوز حزنها. كانت تتحدث مع "أمجد" عن مخاوفها، وعن شكوكها.
"لقد ذهبتُ إلى منزل "خالد" أمس،" قالت "ليلى" بأسى. "وجدته يتحدث مع جدته. سمعتُ بعض الكلمات… كلماتٌ عن خطط، وعن مؤامرات. أشعر أنني أعيش في دوامةٍ لا نهاية لها."
نظر "أمجد" إلى "ليلى" بعينين تحملان قلقًا عميقًا. "ماذا سمعتِ بالضبط يا ليلى؟"
"سمعتُ والدته تتحدث عن… عن صفقة. وعن أوراق. وعن… عن "ليلى" كـ… كـ شرط. أشعر أنني مجرد شرط في خطةٍ ما."
"لا تقولي هذا يا ليلى." قال "أمجد" بحنان. "أعلم أن الأمور تبدو صعبة، ولكن لا تدعي الشكوك تفسد عليكِ ما تشعرين به. ربما تكون هناك تفسيراتٌ أخرى."
"ولكن، ماذا لو لم تكن هناك تفسيراتٌ أخرى يا أمجد؟ ماذا لو كنتُ مجرد أداة؟"
"حينها، ستكونين أقوى مما تتصورين." قال "أمجد". "وستعرفين كيف تخرجين من هذه المأزق. ولكن، أولاً، يجب أن تواجهيه. يجب أن تسأليه. لا تدعي الشكوك تتغلغل في علاقتكما."
شعرت "ليلى" بأن "أمجد" على حق. لم يكن بإمكانها الاستمرار في العيش على هامش الشك. كان عليها أن تواجه "خالد"، وأن تعرف الحقيقة من فمه.
في اليوم التالي، ذهبت "ليلى" إلى قصر جدة "خالد". كان المكان يبدو مهيبًا، ولكنه يحمل جوًا من الحزن. استقبلتها "فاطمة" بابتسامةٍ باردة، ولكن عيناها كانتا تحملان علامات القلق.
"يا أهلاً بكِ يا ليلى." قالت "فاطمة". "كنتُ أخشى ألا تأتي."
"أردتُ أن أتحدث مع "خالد"." قالت "ليلى" مباشرة، تتجنب النظر إلى "فاطمة".
"خالد… إنه متعبٌ قليلًا. ولكنه سيقابلكِ."
جلست "ليلى" في غرفةٍ واسعة، تنتظر. بعد دقائق، دخل "خالد". كان وجهه شاحبًا، وعيناه تحملان حزنًا عميقًا. لم تكن هناك نظرة الحب التي كانت تراها فيه سابقًا.
"أهلاً بكِ يا ليلى." قال ببرود.
"خالد،" بدأت "ليلى" بصوتٍ يرتعش. "أريد أن أعرف الحقيقة. ماذا يحدث؟"
نظر إليها "خالد"، كانت عيناه تحملان خليطًا من الألم والغضب. "الحقيقة؟ الحقيقة هي أن كل ما كنا نظنه حبًا، كان مجرد جزءٍ من خطةٍ قديمة."
"خطة؟ أي خطة؟" سألت "ليلى"، قلبها ينقبض.
"خطةٌ نسجتها أمي وجدتي. خطةٌ تتعلق بـ… بصفقةٍ ما. وبـ… بـ "ليلى" كـ شرط."
كلمات "خالد" كانت أشبه بالسهام تخترق قلب "ليلى". "شرط؟ هل أنا مجرد شرط يا خالد؟"
"لم أكن أعرف ذلك حينها. ولكن الآن، أعرف." قال "خالد" بأسى. "جدتي كانت تخبئ عني كل شيء. كانت تظن أن هذا أفضل لي. ولكنها أخطأت."
"ولماذا لم تخبرني؟" سألت "ليلى"، دموعها تنهمر على خديها.
"كنتُ مرتبكًا. كنتُ أخشى أن أخسر كل شيء. ولكن، الآن، أدركتُ أن الحقيقة يجب أن تقال."
"هل هذا يعني أن كل ما بيننا كان كذبة؟" سألت "ليلى"، تتمنى أن ينفي ذلك.
"لم تكن كلها كذبة، يا ليلى. مشاعري تجاهكِ كانت صادقة. ولكن، الظروف… الظروف كانت معقدة."
"الظروف؟ هل الظروف أقوى من الحب يا خالد؟"
"في بعض الأحيان، نعم. عندما تكون هذه الظروف مليئةً بالأسرار والخيانة."
"خيانة؟" صرخت "ليلى". "هل تقصد أنني خنتك؟"
"لا، أنتِ لم تخوني. ولكن… جدتي… جدتي أخفت عني شيئًا مهمًا. شيئًا يخص "أمي". وشيئًا يخص… بـ "ليلى" كـ… كـ صفقة."
شعر "خالد" بأنه على وشك الانفجار. كان يشعر بأن جدته قد خانته، وأنها قد وضعت حياته في خطر.
"هل لديكِ أي فكرة عن هذه الصفقة؟" سأل "خالد"، ينظر إلى "ليلى" بعينين مليئتين بالأسئلة.
"لا… لا أعرف شيئًا." قالت "ليلى" بصدق، تبكي. "كنتُ أظن أن كل شيءٍ بيننا كان حقيقيًا."
"كان حقيقيًا بالنسبة لي، يا ليلى. ولكن… الآن، بدأت أشك في كل شيء."
كانت هذه المواجهة أشد إيلامًا من أي شيءٍ مر به "خالد" و"ليلى". كانت بوادر الخيانة قد بدأت تلوح في الأفق، خيانةٌ ليست من "ليلى" أو "خالد"، بل من أقرب الناس إليهما.