روح تبحث عنك الجزء الثالث

رحلة الشك الأولى

بقلم فاطمة النجار

اهتزّ الفؤادُ، وتزعزعتْ أرضُ اليقينِ تحتَ وطأةِ الكلماتِ التي ارتطمتْ بأسماعِ ليلى كأمواجٍ عاتيةٍ. جلستْ مترنحةً على مقعدِ الصالونِ، تتلمسُ أطرافَ ثوبِها الحريريِّ، وعيناها شاخصتانِ في فراغِ الغرفةِ التي انقلبتْ فجأةً إلى مسرحِ اتهامٍ صامتٍ. "ألمْ تسمعي يا ليلى؟" صوتُ جدتِها، الحاجةُ فاطمة، اخترقَ الصمتَ المهيبَ، مشبعًا بنبرةٍ تحملُ مزيجًا من الحسرةِ والعتابِ. "لقدْ تأكدَ الأمرُ. أحمدُ... ليسَ كما ظننا. بلْ أسوأُ."

كانتِ الأخبارُ تتدفقُ على ليلى كسهامٍ مسمومةٍ. حكايا عنْ تجارةٍ مشبوهةٍ، عنْ شبكةٍ منَ الديونِ التي تلتفُ حولَ عنقِ أحمدَ، وعنْ معاملاتٍ ماليةٍ غيرِ شرعيةٍ تلوّثتْ بظلالِ الربا والغشِّ. كانتْ كلُّ كلمةٍ تقذفُ بها جدتُها كالحجرِ تلقي بظلالِ الشكِّ على كلِّ ما بنتهُ ليلى في قلبِها منْ حبٍّ وثقةٍ. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ هذا الرجلُ الذي أحبتهُ، الرجلُ الذي رأتْ فيهِ شريكَ حياتِها، بهذهِ السمةِ المظلمةِ؟

"منْ أينَ لكِ هذهِ المعلوماتُ يا جدتي؟" سألتْ ليلى بصوتٍ ضعيفٍ، بالكادِ خرجَ منْ بينِ شفتيها المرتعشتينِ. "هلْ أنتِ متأكدةٌ؟"

"مَنْ أدرى بهذا منْ أهلِ بيتِهِ؟" أجابتْ الحاجةُ فاطمةُ، وقدْ علا صوتُها قليلاً، كأنها تحاولُ إقناعَ نفسها قبلَ ليلى. "ابنُ عمِّهِ، الحاجُّ سعيدٌ، الرجلُ الذي كانَ يثقُ فيهِ أحمدُ ويسلِّمُهُ أمورَ مالِهِ، هوَ مَنْ كشفَ لنا المستور. لقدْ أتى إلينا هذا الصباحَ، يبدو عليهِ الحزنُ والخجلُ، وأخبرنا بكلِّ شيءٍ. لا مفرَّ منَ الحقيقةِ يا ابنتي. أحمدُ غرقَ في بحرٍ منَ الفسادِ."

تخيلتْ ليلى وجهَ الحاجِّ سعيدٍ، رجلُ الدينِ والتقوى، وكيفَ كانَ يلقي بهذهِ الأخبارَ الثقيلةَ على جدتِها. لمْ يكنْ الحاجُّ سعيدٌ منَ المتسرعينَ في الحكمِ، بلْ كانَ معروفاً بحكمتِهِ وصبرهِ. إنْ جاءَ هوَ بالأمرِ، فربما لا مجالَ للإنكارِ.

"ماذا عنْ أسرتِهِ؟ هلْ يعرفونَ؟" سألتْ ليلى، وقلبُها يضربُ بجنونٍ. "أمهُ؟ والدهُ؟"

"همْ على علمٍ، ولكنهمْ يحاولونَ سترَ العيبِ. كالعادةِ. لكنَّ الأمرَ باتَ علناً الآنَ، ولا يمكنُ دفنهُ تحتَ الرمالِ. الحاجُّ سعيدٌ أقسمَ على أنْ يضعَ حداً لهذهِ المهزلةِ، وأنْ يبلغَ السلطاتِ إذا لمْ يلتزمْ أحمدُ بالتوبةِ والعودةِ إلى الطريقِ المستقيمِ."

شعرَتْ ليلى بغصةٍ تعتصرُ حلقَها. أحمدُ... الرجلُ الذي كانتْ تتحدثُ معهُ عنْ مستقبلٍ مشرقٍ، عنْ بناءِ بيتٍ سعيدٍ، عنْ تربيةِ أطفالٍ على مبادئِ دينِهمْ وقيمِ مجتمعِهمْ. هلْ كانَ كلُّ هذا مجردَ وهمٍ؟ هلْ كانتْ تخدعُ نفسَها؟

"لا يمكنُ أنْ يكونَ هكذا." همستْ ليلى، وكأنها تتحدثُ إلى نفسها. "أحمدُ طيبٌ. رأيتُ فيهِ الصدقَ والأمانةَ. لمْ ألمحْ فيهِ أيَّ شبهةٍ."

"الظاهرُ يختلفُ يا ابنتي عنِ الباطنِ أحياناً." قالتْ الحاجةُ فاطمةُ بحزنٍ. "ولكنْ، ماذا نفعلُ الآنَ؟ الأمرُ قدْ وصلَ إلى طريقٍ مسدودٍ. هلْ سنبقى صامتينَ أمامَ هذا الانحرافِ؟ هلْ سنسمحُ لهُ بتلويثِ سمعةِ عائلتِنا، بلْ سمعةِ كلِّ منْ عرفهُ؟"

تنهدتْ ليلى بعمقٍ، محاولةً استجماعَ قواها. لمْ يكنْ الأمرُ يتعلقُ فقطْ بأحمدَ، بلْ بسمعتِها هيَ أيضاً، وسمعةِ عائلتِها. كانتْ مخطوبةً لهُ، والزواجُ على الأبوابِ. كيفَ ستقفُ أمامَ أهلِها، وأمامَ المجتمعِ، وقدْ انكشفَ فسادُ خطيبِها؟

"علينا أنْ نتحققَ منْ الأمرِ بأنفسِنا." قالتْ ليلى أخيراً، وقدْ استقامتْ في جلستِها، وعزمٌ جديدٌ يشتعلُ في عينيها. "لا يمكنُني أنْ أحكمَ عليهِ بناءً على كلامِ الغيرِ، مهما كانَ موثوقاً. أحتاجُ إلى دليلٍ قاطعٍ، إلى ما يسمعُهُ أذنايَ ويرى عينايَ."

نظرتْ إليها جدتُها بتقديرٍ ممزوجٍ بالدهشةِ. "هذهِ هيَ ليلى التي أعرفُها. ابنةُ الأصلِ. ولكنْ، كيفَ ستفعلينَ هذا؟ كيفَ ستصلينَ إلى الحقيقةِ دونَ أنْ يثيرَ ذلكَ شكوكَ أحمدَ، أوْ ينبهَ الآخرينَ؟"

"لا أدري بعدُ." اعترفتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بعجزٍ مؤقتٍ. "ولكنْ، سأجدُ طريقةً. أريدُ أنْ أسمعَ منهُ بنفسي. أنْ أواجههُ. أريدُ أنْ أعرفَ منهُ الحقيقةَ كاملةً، أوْ أكذبَها بنفسي."

كانتْ تلكَ الكلماتُ بمثابةِ إعلانِ حربٍ صامتةٍ. حربٌ ستقودُها ليلى بنفسِها، ضدَّ الظلامِ الذي يحيطُ بمنْ كانتْ تظنُّهُ نورَ حياتِها. لمْ تعدِ الأمورُ كما كانتْ. لقدْ عبرتْ ليلى نقطةَ اللاعودةِ. لمْ يعدْ هناكَ مجالٌ للرجوعِ إلى الوراءِ. كانَ عليها أنْ تخوضَ هذهِ المعركةَ، مهما كلفَ الأمرُ.

في تلكَ اللحظةِ، بدأتْ تخططُ في عقلِها. كيفَ ستصلُ إلى أحمدَ؟ كيفَ ستجعلُهُ يتحدثُ؟ هلْ ستزورُهُ تحتَ أيِّ ذريعةٍ؟ أمْ أنها ستعتمدُ على طرفٍ ثالثٍ؟ فكرتْ في صديقتِها المقربةِ، سارةَ، ابنةِ عمِّ أحمدَ، ولكنَّ سارةَ كانتْ تحبُّ أحمدَ كثيراً، وقدْ لا تكونُ موضوعيةً.

"يا جدتي، هلْ لكِ معرفةٌ بأحدٍ يعملُ في نفسِ المجالِ الذي يعملُ فيهِ أحمدُ؟ شخصٌ يمكنُ أنْ أستشيرَهُ، أوْ ربما أحصلُ منهُ على معلومةٍ غيرِ مباشرةٍ؟"

تفكيرٌ جديدٌ بدأَ يتشكلُ في رأسِ الحاجةِ فاطمةِ. "أتذكرُ أنَّ صديقاً قديماً لأبيكَ، الحاجُّ منصورَ، يعملُ في قطاعِ التجارةِ، وكانَ يعرفُ الكثيرَ عنْ هذهِ الأمورِ. ربما يمكنُكَ استشارةُ ابنتِهِ، آمالَ، فربما ورثَتْ عنْ أبيها بعضَ هذهِ المعرفةِ. آمالُ فتاةٌ ذكيةٌ، وتعملُ في المجالِ الماليِّ أيضاً."

شعرتْ ليلى بومضةِ أملٍ. "آمالُ! نعم، أتذكرُها. لقدْ قابلتُها في إحدى المناسباتِ. فكرةٌ جيدةٌ يا جدتي. سأتصلُ بها فوراً."

أمسكتْ ليلى هاتفَها، وقلبُها ما زالَ ينبضُ بقوةٍ. كانتْ تعرفُ أنَّ الطريقَ أمامَها سيكونُ صعباً ومليئاً بالمخاطرِ. ولكنْ، لمْ يعدْ هناكَ خيارٌ آخرُ. كانَ عليها أنْ تواجهَ الحقيقةَ، مهما كانتْ مؤلمةً. كانَ عليها أنْ تجدَ الإجاباتِ التي ستحررُ روحَها، وتنقذُ مستقبلَها. لقدْ بدأتْ رحلةُ الشكِّ الأولى، رحلةٌ ستقودُها إلى أعماقِ النفسِ البشريةِ، وإلى مفترقِ طرقٍ مصيريٍّ.

كانَ الليلُ قدْ أرخى سدولَهُ، ولكنَّ عيني ليلى ظلتا مفتوحتينِ، تلاحقُ ظلالَ القلقِ والخوفِ. كانتْ تتساءلُ كيفَ يمكنُ للحبِّ الذي ملأَ قلبَها يوماً، أنْ يتحولَ إلى مصدرِ كلِّ هذا الألمِ والارتباكِ. هلْ كانَ أحمدُ يمثلُ عليها؟ هلْ كانتْ كلُّ كلماتِ الحبِّ والمودةِ مجردَ تمثيليةٍ بارعةٍ؟

فكرتْ في لقائِهِمْ الأخيرِ، في ابتسامتِهِ، في وعودِهِ. كلُّ شيءٍ كانَ يبدو طبيعياً، مثالياً. كيفَ فاتَها كلُّ هذا؟ كيفَ لمْ تشعرْ بشيءٍ؟ هلْ كانتْ غافلةً؟ أمْ أنَّ أحمدَ كانَ بارعاً في إخفاءِ حقيقتِهِ؟

"لا. لا يمكنُ." همستْ لنفسِها. "لا بدَّ أنْ يكونَ هناكَ تفسيرٌ آخرُ."

أغمضتْ عينيها، محاولةً تخيلَ أحمدَ في مواقفَ مختلفةٍ، باحثةً عنْ أيِّ خيطٍ قدْ يفكُّ لغزَ ما يحدثُ. ولكنْ، كلُّ ما تراهُ هوَ وجهُهُ الباسمُ، وكلماتُهُ العذبةُ.

"يجبُ أنْ أكونَ قويةً." قالتْ بصوتٍ حازمٍ، وكأنها تخاطبُ روحَها. "عليَّ أنْ أواجهَ هذا بعقلٍ راجحٍ، لا بقلبٍ مكسورٍ."

كانتْ تلكَ الليلةُ هيَ بدايةَ تحولٍ كبيرٍ في حياةِ ليلى. تحولٌ سيختبرُ قوتَها، وصبرها، وإيمانَها. كانتْ رحلةُ الشكِّ قدْ بدأتْ، ولمْ يكنْ أحدٌ يدري إلى أينَ ستقودُها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%