روح تبحث عنك الجزء الثالث
شبح الماضي وظلال الحاضر
بقلم فاطمة النجار
ارتسمَ القلقُ على محيَّا الحاجِّ منصورَ وهوَ يستمعُ إلى ابنتِهِ آمالَ. لمْ يكنْ يتوقعُ أنْ تصلَ الأخبارُ إلى الحاجةِ فاطمةَ بهذا الشكلِ. كانَ يعلمُ أنَّ أحمدَ يمرُّ بفترةٍ صعبةٍ، وأنَّ بعضَ المعاملاتِ التجاريةِ التي يمرُّ بها قدْ تكونُ محفوفةً بالمخاطرِ، ولكنهُ لمْ يتوقعْ أنْ تصلَ إلى درجةِ الاتهامِ بالفسادِ الماليِّ.
"يا آمالُ، لقدْ أثقلتِ كاهلَ الحاجةِ فاطمةَ بهذهِ الأخبارِ." قالَ الحاجُّ منصورَ، وعلاماتُ الأسى باديةٌ على وجهِهِ. "ولكنْ، هلْ أنتِ متأكدةٌ منْ صحةِ المعلوماتِ؟ أحمدُ شابٌ عرفناهُ منذُ نعومةِ أظفارِهِ، ونعرفُ تربيتَهُ. إنْ كانَ لديهِ بعضُ المشاكلِ الماليةِ، فهذا أمرٌ يحدثُ للكثيرينَ، ولكنْ أنْ يصلَ الأمرُ إلى هذا الحدِّ، فهذا شيءٌ مؤسفٌ حقاً."
"يا أبي، المعلوماتُ دقيقةٌ، وقدْ تأكدتُ منها بنفسي." أجابتْ آمالُ، وقدْ علا صوتُها قليلاً منْ شدةِ الحرصِ. "لقدْ تحدثتُ معَ الحاجِّ سعيدٍ، وهوَ مَنْ أبلغني بكلِّ شيءٍ. يقولُ إنَّ أحمدَ تورطَ في شبكةٍ منَ الديونِ، ويحاولُ الخروجَ منها بطرقٍ ملتويةٍ، وبدأَ يتعاملُ معَ بعضِ الأشخاصِ ذوي السمعةِ السيئةِ في السوقِ. إنْ استمرَّ على هذا المنوالِ، فسيؤدي ذلكَ إلى انهيارِهِ، وربما إلى تبعاتٍ قانونيةٍ خطيرةٍ."
تنهدَّ الحاجُّ منصورَ بعمقٍ. "ربما يكونُ الحاجُّ سعيدٌ محقاً. إنْ كانَ الأمرُ كذلكَ، فعلينا أنْ نحاولَ مساعدتَهُ. أحمدُ رجلٌ طيبٌ، ولكنَّ الشدائدَ قدْ تدفعُ الإنسانَ إلى ارتكابِ أخطاءٍ. هلْ تظنينَ أنَّ بإمكانِنا التحدثُ إليهِ؟ ربما يمكنُنا إقناعُهُ بالتراجعِ عنْ هذهِ الطريقِ."
"هذا ما أردتُ أنْ أقترحَهُ يا أبي." قالتْ آمالُ بحماسٍ. "لقدْ اتصلتْ بي ليلى، وتريدُ أنْ تلتقيَ بي. يبدو أنَّها سمعتْ بالأمرِ أيضاً، وتريدُ معرفةَ الحقيقةِ. ربما يمكنُنا أنْ نلتقيَ سوياً، أنا وليلى، ونتحدثُ إلى أحمدَ. ربما وجودُها معه، ومحاولتنا مساعدتَهُ، قدْ تحدثُ فرقاً."
"فكرةٌ جيدةٌ." قالَ الحاجُّ منصورَ، وعلاماتُ الأملِ بدأتْ تلوحُ على وجهِهِ. "ولكنْ، يجبُ أنْ نكونَ حذرينَ. لا نريدُ أنْ نثيرَ المزيدَ منَ المشاكلِ، أوْ أنْ نجعلَ أحمدَ يشعرُ بأنَّنا نتجسسُ عليهِ. علينا أنْ نتعاملَ معَ الأمرِ بحكمةٍ ورويةٍ."
"بالتأكيدِ يا أبي." أجابتْ آمالُ. "سأدعُ ليلى تتواصلُ معي لتحديدِ موعدٍ مناسبٍ. سأحاولُ أنْ نجعلَ الأمرَ يبدو عادياً، كأننا نلتقيُ للاطمئنانِ عليهِ، أوْ للحديثِ عنْ أمورٍ أخرى."
وفي منزلِها، كانتْ ليلى قدْ أنهتْ حديثَها معَ آمالَ. شعرتْ براحةٍ أكبرَ بعدَ أنْ تحدثتْ معَ شخصٍ يمكنُ أنْ يفهمَ موقفَها. آمالُ، بما أنها تعملُ في المجالِ الماليِّ، قدْ تكونُ على درايةٍ ببعضِ التفاصيلِ التي أغفلتْ عنها.
"شكرًا لكِ يا آمالُ." قالتْ ليلى، وقدْ ارتسمَ أملٌ خفيفٌ على وجهِها. "أنا حقاً ممتنةٌ لمساعدتِكِ. لا أعرفُ ماذا كنتُ سأفعلُ بدونِكِ."
"على الرحبِ والسعةِ يا ليلى." أجابتْ آمالُ بابتسامةٍ دافئةٍ. "نحنُ أخواتٌ، ويجبُ أنْ ندعمَ بعضَنا البعضَ. سنلتقيُ قريباً، وسنحاولُ إيجادَ حلٍّ لهذهِ المشكلةِ. الأهمُّ الآنَ هوَ أنْ نبقى هادئاتٍ، وأنْ نفكرَ بعقلانيةٍ."
بعدَ انتهاءِ المكالمةِ، جلستْ ليلى في غرفتِها، تحاولُ ترتيبَ أفكارِها. كانتْ تلتقيُ بآمالَ، وبوجودِ آمالَ، سيتمكنونَ منْ رؤيةِ أحمدَ. ولكنْ، ما الذي ستفعلهُ إذا لمْ يعترفْ أحمدُ بشيءٍ؟ إذا أنكرَ كلَّ شيءٍ؟
تذكرتْ كيفَ كانتْ تقضي وقتاً ممتعاً معَ أحمدَ في الأيامِ الأولى، كيفَ كانَ يتحدثُ عنْ طموحاتِهِ وأحلامِهِ. هلْ كانَ هذا كلهُ كذباً؟ أمْ أنَّ الظروفَ قدْ غيَّرتْهُ؟
فجأةً، تذكرتْ شيئاً. في إحدى المراتِ، قبلَ فترةٍ ليستْ ببعيدةٍ، كانَ أحمدُ يتحدثُ عنْ مشروعٍ جديدٍ كانَ يخططُ لهُ، ولكنهُ كانَ يبدو قلقاً بعضَ الشيءِ. قالَ إنَّهُ يحتاجُ إلى تمويلٍ كبيرٍ، وإنهُ يواجهُ بعضَ الصعوباتِ في الحصولِ عليهِ. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ هذا المشروعُ هوَ السببُ؟
"ربما." همستْ ليلى لنفسِها. "ربما تورطَ في شيءٍ ليحصلَ على هذا التمويلِ."
بدأتْ الأفكارُ تتطايرُ في رأسِها كالفراشاتِ المذعورةِ. كانَ كلُّ شيءٍ يبدو غامضاً، ومعقداً. شعرتْ بأنها تتخبطُ في متاهةٍ لا نهايةَ لها.
في هذهِ الأثناءِ، كانَ أحمدُ يعيشُ في دوامةٍ منَ القلقِ والضغطِ. لقدْ حاولَ جاهداً أنْ يخفيَ مشاكلهُ الماليةَ عنْ ليلى، وعنْ عائلتِهِ. كانَ يعلمُ أنَّ انكشافَ أمرِهِ قدْ يدمرَ كلَّ شيءٍ. لقدْ كانَ مقتنعاً بأنَّهُ سيتمكنُ منْ حلِّ مشاكلهِ قبلَ أنْ يكتشفَ أحدٌ.
ولكنْ، يبدو أنَّ الأمورَ قدْ خرجتْ عنْ سيطرتِهِ. لقدْ تلقى تهديداتٍ مبطنةً منْ الأشخاصِ الذينَ تعاملَ معهمْ، وأصبحَ يشعرُ بأنَّهُ محاصرٌ. كانَ يشعرُ بالخوفِ الشديدِ منْ فقدانِ ليلى، وفقدانِ سمعتِهِ.
"ماذا سأفعلُ؟" سألَ نفسَهُ بصوتٍ متهدجٍ. "كيفَ سأخرجُ منْ هذا المستنقعِ؟"
في المساءِ، تلقى أحمدُ اتصالاً منْ الحاجِّ سعيدٍ. كانَ صوتُ الحاجِّ سعيدٍ هادئاً، ولكنهُ يحملُ نبرةً جديةً. "يا أحمدُ، سمعتُ أنَّكَ تمرُّ ببعضِ المشاكلِ. أرجو أنْ تتواصلَ معي غداً، لنبحثَ عنْ حلٍّ. اللهُ غفورٌ رحيمٌ، ولكنَّ الحقَّ يجبُ أنْ يعلوَ."
شعرَ أحمدُ ببرودةٍ تسري في عروقِهِ. لقدْ انكشفَ الأمرُ. لمْ يعدْ بإمكانِهِ إنكارُ شيءٍ. كانَ يعلمُ أنَّ الحاجَّ سعيداً رجلٌ لا يتهاونُ في الحقِّ.
"نعم، يا حاجِّ سعيدٌ." أجابَ أحمدُ بصوتٍ ضعيفٍ. "سأتواصلُ معكُ غداً."
أغلقَ أحمدُ الخطَّ، وشعرَ بعبءٍ ثقيلٍ يقعُ على صدرِهِ. لقدْ وصلَ الأمرُ إلى ذروتِهِ. لمْ يعدْ هناكَ مجالٌ للتظاهرِ أوِ الإنكارِ. كانتْ رحلةُ الشكِّ تتجسدُ أمامهُ، وتُلقي بظلالِها القاتمةِ على مستقبلِهِ.
كانَ يعلمُ أنَّهُ سيواجهُ ليلى قريباً، وسيواجهُ الحقيقةَ. ولكنْ، هلْ كانتْ ليلى ستسامحُهُ؟ هلْ كانتْ ستتمكنُ منْ فهمِ ما حدثَ؟
كانَ ظلامُ الليلِ يحيطُ بهِ، وظلامُ الحقيقةِ يحيطُ بقلبِهِ. كانَ يشعرُ بأنَّهُ يقفُ على حافةِ الهاويةِ، وأنَّ قراراً واحداً قدْ يغيرُ مجرى حياتِهِ إلى الأبدِ.