روح تبحث عنك الجزء الثالث
أصداء الماضي في جنبات القلب
بقلم فاطمة النجار
عادت بي أمي إلى عالم الأحياء، وهمساتها اللطيفة تلاحقني كأنها محاولة يائسة لإنقاذي من غيبي. "لينا، يا ابنتي، ما بكِ؟ لمَ هذه الدموع؟"
امسحتُ دموعي بسرعة، محاولةً إخفاء ما حدث، لكن عينيّ كانتا تفضحان كل شيء. "لا شيء يا أمي، مجرد... شعور بالضيق."
كانت أمي تنظر إليّ بعينين خبيرتين، تعرفان أسراري قبل أن أفصح عنها. "لينا، لستِ وحدكِ. تحدثي."
ترددتُ لحظة، هل أبوح لها بما جرى؟ هل أشاركها ألمي، وأنا التي لطالما كانت ملاذي؟ لكنني عرفتُ أن إخفاء الألم لن يزيدني إلا انكسارًا.
"لقد... لقد رحل خالد يا أمي. إلى الأبد."
كلماتي خرجت بصعوبة، كأنها حجارة ثقيلة. انفجرت أمي بالبكاء، احتضنتني بقوة، وكأنها تريد أن تمتص ألمي كله. "يا إلهي! كيف؟ وما السبب؟"
حكيتُ لها، بصوت متقطع، كل ما قاله خالد. شعرتُ أن كل كلمة كانت تخرج مني تمزق قلبي إلى ألف شق. لم تفهم أمي السبب، بل زاد حيرتها وحزنها.
"لكن، كيف؟ ولماذا؟ أليس لديكم اتفاق؟"
"لا أعرف يا أمي. قال إن الظروف... وإن التغيير."
"تغيير؟ أي تغيير؟ أليس هو الذي اختاركِ؟"
لم أكن أملك إجابة. كان خالد قد غادر، تاركًا خلفه أسئلة لا نهاية لها، وألمًا يمتد في أعماق روحي.
مرت الأيام ثقيلة، كأنها أبد. كنتُ أقضي معظم وقتي في غرفتي، أتأمل جدرانها الباهتة، وأتذكر خالد. صورته كانت تتراءى لي في كل مكان، في ابتسامته، في كلماته، في عينيه.
كانت جدتي، امرأة صالحة، حكيمة، وصابرة، تحاول أن تواسيني. كانت تأتي إليّ كل يوم، تجلس بجانبي، تقرأ عليّ آيات من القرآن الكريم، وتتلو عليّ قصص الأنبياء والصالحين الذين واجهوا مصائب عظيمة.
"يا ابنتي،" كانت تقول بصوتها الهادئ، "الدنيا دار ابتلاء. والصبر مفتاح الفرج. ما أصابكِ لم يكن ليخطئكِ، وما أخطأكِ لم يكن ليصيبكِ. اجعلي أمركِ لله، فهو يعلم ما في القلوب."
كلماتها كانت كبلسم على جروحي، لكن الألم كان لا يزال حاضرًا، كأن شبح خالد يطاردني في كل مكان.
لم أكن أرى خالد في أحلامي، بل كنتُ أرى ظلاله، أرى صورته وهو يغادر، وأسمع صدى كلماته. كان ذلك يزعجني أكثر من أي شيء آخر.
في إحدى الليالي، بينما كنتُ جالسة وحدي أتأمل القمر، شعرتُ بوجود شخص ما. رفعتُ رأسي، ورأيتُ أختي الكبرى، عائشة، تقف عند الباب. كانت عائشة، بخلاف شخصيتي الهادئة، دائمًا ما تكون قوية، ومستقلة.
"كيف حالكِ اليوم، أختي؟" سألت بعينين مليئتين بالأسى.
"بخير، الحمد لله." أجبتُ، بصوت بالكاد مسموع.
"لينا، لم تتحدثي معي عما حدث. ألم تثقي بي؟"
جلستُ بجانبها، وأخذتُ بيدي. "بلى يا عائشة، أثق بكِ. لكن... كل شيء كان سريعًا جدًا. لم أفهم ما حدث."
"أعرف أن الأمر صعب. لكن يجب أن تواجهي الأمر. خالد رجلٌ لم يكن على قدر مسؤولية حبكِ. وربما كان هذا الأمر خيرًا لكِ."
"خيرًا؟ كيف يمكن أن يكون هذا خيرًا؟ لقد أحببته."
"الحب وحده لا يكفي يا لينا. الحب يجب أن يبنى على أسس سليمة، على الاحترام، وعلى الثقة، وعلى الوفاء. وحينما ينهار هذا الأساس، فإن الحب نفسه يصبح عبئًا."
كانت كلماتها منطقية، لكن قلبها كان يأبى أن يقتنع.
"لكن... ما الذي جعله يتغير هكذا؟"
"لا أعلم. لكنني سمعتُ بعض الأحاديث من نساء القرية. يقولون إنه كان يمر بضائقة مالية كبيرة. ربما كان ذلك السبب؟"
ضائقة مالية؟ لم يخطر ببالي هذا الاحتمال. خالد، الذي كنا نتوقع له مستقبلًا باهرًا، هل كان يعاني من مشاكل مالية؟
"هل تعتقدين أن هذا هو السبب؟" سألتُ، والأمل يرتسم في عيني.
"لا أعرف. لكن يجب أن تبدئي في التساؤل عن الأسباب الحقيقية. لا تقبلي أي إجابة لا تشعركِ بالراحة."
كلمات عائشة أشعلت في داخلي فضولًا جديدًا، فضولًا ممزوجًا بالألم. أردتُ أن أعرف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
بدأتُ أراقب القادمين من القرية، أستمع إلى أحاديث النساء، وأبحث عن أي معلومة قد تساعدني في فهم ما حدث. لم يكن الأمر سهلًا، فالأحاديث كانت متشعبة، وكثيرها كان مجرد تخمينات.
في أحد الأيام، وأثناء زيارتي لجدتي، سمعتُ جدتي تتحدث مع إحدى جاراتها، أم محمود.
"الحمد لله أن ابنتي لم تتزوج منه. سمعتُ أن عائلة بن صالح تواجه مشاكل كبيرة. يقولون إن خالد قد اقترض الكثير من المال، ولم يعد قادرًا على السداد."
"نعم، سمعتُ ذلك أيضًا. يقال إنه كان يراهن على أمواله، وخسر كل شيء."
كانت تلك الكلمات كالصاعقة. رهان؟ خسارة كل شيء؟ كيف؟ خالد؟ هذا ليس هو خالد الذي عرفته!
خرجتُ من بيت جدتي والقلب يعتصرني. لم يكن السبب هو التغيير الداخلي، بل كان ضياعًا، كان انحرافًا. شعرتُ بغضب شديد، غضب على خالد، وعلى نفسه، وعلى الظروف التي قادته إلى هذا الانحدار.
في تلك الليلة، لم أستطع النوم. كنتُ أتقلب في فراشي، والصور تتلاحق في ذهني. خالد الشاب الواعد، وخالد الذي أصبح مدمنًا على المقامرة. كيف يمكن لرجل مثله، رجلٌ كنا نرى فيه المثل الأعلى، أن يسقط إلى هذا المستوى؟
كانت مشاعري تتصارع داخليًا. بين الألم والحزن، وبين الغضب والخيبة. شعرتُ بأنني أحتاج إلى الابتعاد، إلى استعادة نفسي، إلى إيجاد طريق جديد لحياتي.
في صباح اليوم التالي، استيقظتُ مبكرًا. قررتُ أن أذهب إلى بيت جدتي، وأن أعتكف فيه لبضعة أيام، بعيدًا عن ضغوط القرية، بعيدًا عن ذكريات خالد.
"يا جدتي،" قلتُ لها، "أريد أن أبقى عندكِ لبضعة أيام. أحتاج إلى الهدوء، إلى التأمل."
ابتسمت جدتي بحنان. "أهلاً وسهلاً بكِ يا حبيبتي. بيت جدتكِ هو بيتكِ."
ذهبتُ إلى غرفتي الصغيرة في بيت جدتي. كانت الغرفة بسيطة، لكنها كانت تحمل عبق التاريخ، وروح الصلاح. أغلقتُ الباب، وجلستُ على سجادة الصلاة.
بدأتُ أتلو القرآن، وأدعو الله بكل ما في قلبي. كنتُ أدعو أن يمنحني القوة، وأن يغفر لي، وأن يهديني إلى الطريق الصحيح.
في هذه الأيام، شعرتُ وكأنني أستعيد روحي الضائعة. كنتُ أتأمل في معنى الحياة، وفي قيمة الصبر، وفي عظمة الله.
في أحد الأيام، وبينما كنتُ أخرج من المسجد بعد صلاة العصر، لمحْتُ رجلاً يقف عند مدخل القرية، ينظر إليّ بتردد. كان وجهه مألوفًا، لكنني لم أتمكن من التعرف عليه في البداية.
اقترب مني، وقال بصوت خافت: "هل أنتِ لينا؟"
"نعم، أنا هي."
"لقد... لقد جئتُ لأطلب منكِ مسامحة."
نظرتُ إليه بتعجب، وبدأتُ أتعرف على ملامحه. كان خالد. لكنه كان مختلفًا. وجهه شاحب، عينيه غائرتان، وملابسه بالية. كان يبدو كشبح.
"خالد؟"
"نعم، أنا هو. لقد... لقد عدتُ لأطلب منكِ مسامحة. لقد أخطأتُ بحقكِ، وبحق نفسي، وبحق كل من أحبني."
توقفتُ عن التنفس للحظة. لم أتوقع رؤيته مرة أخرى، خاصة بهذه الحالة.
"ما الذي حدث لكَ؟" سألتُ، وصوتي يرتجف.
"لقد... لقد خسرتُ كل شيء. كل أموالي، سمعتي، كرامتي. لقد أصبحتُ عبدًا لهذا الشر. لقد تبتُ، لينا. تبتُ إلى الله، وأنا أبحث عن طريق جديد."
نظرتُ إليه، ورأيتُ في عينيه الندم الحقيقي، والبؤس العميق. كان مختلفًا جدًا عن الشاب الواثق الذي عرفته.
"لماذا عدتَ؟"
"لأنني... لأنني ما زلتُ أحمل بعضًا من حبكِ في قلبي. ولأنني بحاجة إلى فرصة ثانية. فرصة لأثبت لكِ، ولنفسي، أنني قادر على أن أكون أفضل."
صمتتُ. كان قلبي يتألم لرؤيته هكذا، لكن عقلي كان يتذكر خيانته.
"ماذا تريد مني؟" سألتُ، بصوت صارم.
"أريد... أريد فرصة. فرصة لأثبت لكِ أنني تغيرت. وأنني قادر على أن أكون الزوج الذي تستحقينه."
كانت كلماته صعبة، ومؤلمة. كان قلبي معلقًا بين الشفقة والغضب.
"لقد دمرتَ كل شيء يا خالد. كيف يمكنني أن أثق بكَ مرة أخرى؟"
"أعلم أنني فقدتُ ثقتكِ. لكنني لن أستسلم. سأبذل قصارى جهدي لأستعيدها. أرجوكِ، أعطني فرصة واحدة."
نظرتُ إليه، ورأيتُ دموعه تنهمر على خديه. لم يكن ذلك الشاب الذي تركته، بل كان رجلاً مكسورًا، يبحث عن الخلاص.
"سأفكر في الأمر." قلتُ، بصوت بالكاد مسموع.
"شكرًا لكِ، لينا. شكرًا لكِ."
استدار خالد، وابتعد. تركتني واقفة وحدي، في مواجهة قرار صعب، قرار قد يغير مجرى حياتي. هل يمكن لهذا الرجل المكسور أن يصلح ما أفسده؟ وهل أنا قادرة على منحه فرصة أخرى، بعد كل ما حدث؟