روح تبحث عنك الجزء الثالث

المواجهة المنتظرة

بقلم فاطمة النجار

جلستْ آمالُ وليلى في مقهى هادئٍ، تفوحُ منهُ رائحةُ القهوةِ العربيةِ الأصيلةِ. كانتْ أشعةُ الشمسِ تتسللُ منَ النوافذِ الزجاجيةِ، ترسمُ لوحاتٍ منَ الضوءِ على الطاولاتِ الخشبيةِ. في الخارجِ، كانتْ ضوضاءُ المدينةِ لا تزالُ بعيدةً، مما منحَهما بعضَ السكينةِ للتحدثِ.

"لقدْ تحدثتُ معَ الحاجِّ سعيدٍ." بدأتْ آمالُ، وهيَ تفركُ يديها بتوترٍ. "لقدْ أكدَ لي كلَّ ما سمعتُهُ. يبدو أنَّ أحمدَ بالفعلِ تورطَ في أمورٍ لا تُرضي اللهَ. يقولُ إنَّهُ مدينٌ للكثيرينَ، وإنَّهُ بدأَ يتعاملُ معَ أشخاصٍ ذوي سمعةٍ سيئةٍ لتغطيةِ ديونِهِ."

شعرتْ ليلى بقلبِها يهبطُ. كانتْ كلُّ كلمةٍ منْ آمالَ كطعنةٍ جديدةٍ. "ولكنْ، كيفَ؟ كيفَ يمكنُ لرجلٍ مثلَ أحمدَ أنْ يفعلَ هذا؟"

"الحياةُ يا ليلى ليستْ دائماً كما تبدو." قالتْ آمالُ بحزنٍ. "أحياناً، تضعُنا الظروفُ في مواقفَ صعبةٍ، وتجعلُنا نتخذُ قراراتٍ قدْ نندمُ عليها لاحقاً. ولكنَّ الأهمَّ الآنَ هوَ كيفَ سنتعاملُ معَ هذا الأمرِ. لقدْ أبلغني الحاجُّ سعيدٌ أنَّهُ سيجتمعُ بأحمدَ غداً، وسيحاولُ إقناعَهُ بالتوبةِ والرجوعِ إلى الطريقِ الصحيحِ. ويريدُ أنْ نحضرَ أنا وأنتِ هذا الاجتماعَ، لنكونَ شاهدينَ، ولندعمَ أحمدَ في قراراتِهِ."

ارتعشتْ يدا ليلى. "اجتماعٌ؟ معَ الحاجِّ سعيدٍ؟"

"نعم." أجابتْ آمالُ. "يريدُ أنْ يعرفَ أحمدُ أنَّ هناكَ منْ يهتمُّ لأمرِهِ، وأنَّ هناكَ منْ يريدُ لهُ الخيرَ. ولكنَّهُ أيضاً يريدُ أنْ يبلغهُ رسالةً واضحةً بأنَّ هذهِ الطريقَ خاطئةٌ، وأنَّ عليهِ أنْ يصلحَ ما أفسدَ."

"ولكنْ، كيفَ سأكونُ أنا هناكَ؟" سألتْ ليلى بترددٍ. "ماذا سأقولُ؟"

"لا تقلقي." طمأنتْ آمالُ. "دورُكِ هوَ أنْ تكوني موجودةً، وأنْ تُظهري لأحمدَ أنَّكِ معه. إذا اعترفَ، فكوني بجانبِهِ. وإذا أنكرَ، فالحقُّ سيظهرُ. الحاجُّ سعيدٌ رجلٌ حكيمٌ، وسيعرفُ كيفَ يتعاملُ معَ الأمرِ."

"وهلْ سيحضرُ والدا أحمدَ؟" سألتْ ليلى، وفكرتْ في ردِّ فعلِ عائلةِ أحمدَ.

"لا أعتقدُ ذلكَ." أجابتْ آمالُ. "الحاجُّ سعيدٌ يريدُ أنْ يتحدثَ معَ أحمدَ بشكلٍ خاصٍّ في البدايةِ. ثمَّ إذا رأى أنَّ الأمرَ يتطلبُ حضورَ عائلتِهِ، فسيفعلُ ذلكَ. ولكنْ، في الوقتِ الحاليِّ، هوَ يريدُ أنْ يكونَ الأمرُ بينَنا نحنُ الأربعةِ."

تبادلتْ ليلى وآمالُ نظراتٍ تحملُ مزيجاً منَ الخوفِ والأملِ. كانتْ هذهِ المواجهةُ المنتظرةُ قابَ قوسينِ أوْ أدنى. كانَ عليها أنْ تستعدَّ نفسياً لكلِّ الاحتمالاتِ.

في اليومِ التاليِّ، وقفتْ ليلى أمامَ مرآتِها، ترتدي حجابَها بعنايةٍ. كانتْ تشعرُ بأنَّ قلبَها يضربُ بقوةٍ، وكأنَّهُ يريدُ أنْ يقفزَ منْ صدرِها. كانتْ تسترجعُ كلَّ الذكرياتِ الجميلةِ التي جمعتها بأحمدَ، وكلَّ الوعودِ التي تبادلاها. هلْ كلُّ هذا سينتهي اليومَ؟

عندَ الظهيرةِ، التقتْ بآمالَ في المكانِ المتفقِ عليهِ. سارا معاً في صمتٍ، كلٌّ منهما غارقةٌ في أفكارِها. وصلتا إلى منزلِ الحاجِّ سعيدٍ، وهوَ منزلٌ كبيرٌ يعكسُ مكانتَهُ الاجتماعيةَ. استقبلَهُما الحاجُّ سعيدٌ بابتسامةٍ هادئةٍ، ولكنَّ عينيهِ كانتا تحملانِ جديةً واضحةً.

دخلَ أحمدُ بعدَ لحظاتٍ. عندما رآهُ أحمدُ، شعرتْ ليلى بتشنجٍ مفاجئٍ. كانَ يبدو مختلفاً. كانَ وجهُهُ شاحباً، وعيناهُ تحملانِ آثارَ السهرِ والقلقِ. عندما لمحَ ليلى، اتسعتْ عيناهُ قليلاً، وكأنهُ تفاجأَ بوجودِها.

"السلامُ عليكمْ." قالَ أحمدُ بصوتٍ خفيضٍ، وهوَ ينظرُ إلى الحاجِّ سعيدٍ، ثمَّ إلى ليلى وآمالَ.

"وعليكمُ السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ." أجابَ الحاجُّ سعيدٌ. "تفضلْ بالجلوسِ يا أحمدُ."

جلسَ أحمدُ على مقعدٍ مقابلٍ للحاجِّ سعيدٍ، وجلستْ آمالُ بجانبِ ليلى. كانَ الصمتُ ثقيلاً، والجوُّ مشحوناً بالتوترِ.

بدأَ الحاجُّ سعيدٌ حديثَهُ بهدوءٍ. "يا أحمدُ، نحنُ هنا اليومَ لنتحدثَ عنْ أمورٍ مهمةٍ. أمورٍ تتعلقُ بمستقبلِكَ، وبعلاقتِكَ باللهِ، وبسمعةِ عائلتِكَ."

نظرَ أحمدُ إلى الحاجِّ سعيدٍ، ولمْ ينطقْ بكلمةٍ.

"لقدْ وصلَ إلينا خبرٌ مؤسفٌ يا بني." استمرَّ الحاجُّ سعيدٌ. "خبرٌ يفيدُ بأنَّكَ قدْ تورطتَ في بعضِ المعاملاتِ الماليةِ التي لا ترضي اللهَ. وأنَّكَ قدْ استلفتَ منْ جهاتٍ مشبوهةٍ، وربما اتعاملتَ بالربا."

تغيرَ لونُ وجهِ أحمدَ، وبدأَ يتصببُ عرقاً. نظرَ إلى ليلى، فرأى في عينيها مزيجاً منَ الحزنِ والصدمةِ.

"هلْ هذا صحيحٌ يا أحمدُ؟" سألَ الحاجُّ سعيدٌ بنبرةٍ لا تخلو منَ العتابِ. "هلْ أنتَ غارقٌ في هذهِ المشاكلِ؟"

سادَ صمتٌ رهيبٌ. شعرَ أحمدُ بأنَّ كلَّ الأنظارِ موجهةٌ إليهِ. كانَ يتصارعُ داخلياً بينَ الاعترافِ بالحقِّ، وبينَ محاولةِ إنكارِ ما حدثَ.

"أنا..." بدأَ أحمدُ بصوتٍ مرتعشٍ، ثمَّ توقفَ. "أنا..."

"تحدثْ يا بني." شجعَهُ الحاجُّ سعيدٌ. "لا تخفْ. كلُّنا نخطئُ، ولكنَّ الاعترافَ بالخطأِ هوَ بدايةُ الإصلاحِ."

بعدَ لحظاتٍ طوالٍ، انخفضَ صوتُ أحمدَ ليصبحَ همساً. "نعم... نعم، يا حاجِّ سعيدٌ. الأمرُ صحيحٌ."

ارتعشَ جسدُ ليلى. شعرتْ بأنَّ الأرضَ تميدُ بها. لقدْ اعترفَ. لقدْ تأكدَ كلُّ شيءٍ.

"لقدْ كنتُ في ضيقٍ شديدٍ." استمرَّ أحمدُ، وعيناهُ زائغتانِ. "واجهتُ مشاكلَ ماليةً كبيرةً، ولمْ أجدْ حلاً. ثمَّ... ثمَّ تورطتُ."

"ومنْ هؤلاءِ الذينَ تعاملتَ معهمْ؟" سألَ الحاجُّ سعيدٌ بهدوءٍ. "وما هيَ طبيعةُ هذهِ المعاملاتِ؟"

بدأَ أحمدُ يحكي قصتَهُ، قصةً مليئةً بالأخطاءِ والقراراتِ المتسرعةِ. كانَ يحكي عنْ مشروعهِ الذي فشلَ، وعنْ ديونِهِ التي تراكمتْ، وعنْ الأشخاصِ الذينَ استغلوا حاجتَهُ. كانَ يحكي بصدقٍ، وبمرارةٍ.

استمعتْ ليلى بصمتٍ، والدموعُ تنهمرُ على خديها. كانتْ تشعرُ بأنَّ قلبَها يتفتتُ قطعةً قطعةً. لقدْ كانَ كلُّ ما تخوفتْ منهُ قدْ حدثَ.

"ولماذا لمْ تخبرْنا؟" سألَ الحاجُّ سعيدٌ بنبرةٍ تحملُ حزناً عميقاً. "لماذا لمْ تطلبْ المساعدةَ؟"

"خفتُ." أجابَ أحمدُ بصوتٍ مبحوحٍ. "خفتُ أنْ أخسرَ كلَّ شيءٍ. خفتُ منْ نظرةِ الناسِ، وخفتُ منْ أنْ أخسرَكِ يا ليلى."

نظرَ أحمدُ إلى ليلى، وقدْ ارتسمَ على وجهِهِ الألمُ والندمُ. كانتْ ليلى تنظرُ إليهِ، وقدْ اختلطَ في عينيها الألمُ والحيرةُ.

"لقدْ أخطأتُ يا ليلى." قالَ أحمدُ بصدقٍ. "لقدْ أخطأتُ كثيراً. ولكنْ، أرجو أنْ تسامحيني."

لمْ تستطعْ ليلى أنْ تتكلمَ. لقدْ كانتْ الكلماتُ معلقةً في حلقِها. لقدْ وصلَ القطارُ إلى محطةِ الحقيقةِ، ولمْ يعدْ هناكَ مجالٌ للتراجعِ. لقدْ كانتْ هذهِ هيَ ذروةُ الأحداثِ، ونقطةُ اللاعودةِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%