روح تبحث عنك الجزء الثالث
على مفترق طريقين
بقلم فاطمة النجار
عادت أصداء كلمات خالد تتردد في أذني، كلماته التي كانت تحمل مزيجًا من الشفقة والندم. وقفتُ أمام بيت جدتي، أشعر بثقل القرار الذي وضع على عاتقي. هل أمنحه فرصة أخرى؟ هل أثق به مرة أخرى؟
لقد رأيتُ بعينيّ الضياع الذي يعيشه. رأيتُ رجلًا فقد كل شيء، يسعى لاستعادة ما يمكن استعادته. جزء مني كان يشعر بالتعاطف، يرى فيه الإنسان الذي انحرف عن الطريق، ويرغب في العودة. لكن جزءًا آخر كان يرتعد خوفًا، يتذكر خيانته، ويتساءل ما إذا كان هذا مجرد تلاعب آخر، أو مجرد محاولة لكسر قلبي مرة أخرى.
لم أكن أرغب في أن أكون أداة لإنقاذ رجل غرق في مستنقع الشر. لكن في نفس الوقت، كنتُ أؤمن بأن باب التوبة مفتوح، وأن رحمة الله واسعة.
عدتُ إلى غرفتي، وجلستُ أتأمل. أمسكتُ بمصحفي، وبدأتُ أقرأ سورة يوسف، سورة الأنبياء، سورة القصص. تلوتُ آيات عن صبر الأنبياء، عن توبتهم، وعن ثقتهم بالله.
"يا رب،" دعوتُ بقلب خاشع، "يا من خلقتَ العباد، وأعلمتَ السرائر، أنر دربي، واهدني إلى ما فيه خير لي، وخير لمن يحتاج إلى الهداية."
قضيتُ ساعات طويلة في التأمل والدعاء. لم يكن الأمر سهلًا. كانت الذكريات تتصارع في ذهني. صورة خالد الشاب الواثق، وخالد الرجل المكسور. أحلامي التي تحطمت، وآمالي التي تبددت.
في اليوم التالي، قررتُ أن أتحدث مع جدتي. كانت دائمًا مرشدي، وملاذي.
"يا جدتي،" قلتُ لها، وأنا أجلس بجانبها، "لقد رأيتُ خالدًا اليوم."
نظرت إليّ جدتي بعينين حكيمتين. "وماذا رأيتِ؟"
"رأيته رجلًا تائبًا، نادمًا. يطلب مني فرصة أخرى."
أخذت جدتي بيدي، وضغطت عليها بحنان. "يا ابنتي، قرار كهذا ليس قرارًا سهلًا. يجب أن تفكري مليًا، وأن تستخيري الله."
"لقد استخرتُ يا جدتي. لكني ما زلتُ مترددة."
"الثقة يا لينا، هي أساس كل علاقة. وحينما تُكسر الثقة، يصعب جدًا إعادتها. لكن، باب التوبة مفتوح. والله يغفر لمن يشاء. عليكِ أن تسألي نفسكِ، هل أنتِ مستعدة لتحدي المستقبل معه؟ هل أنتِ مستعدة لبناء الثقة من جديد، حجرًا حجرًا؟"
"لا أدري يا جدتي. أخاف أن أخسر مرة أخرى."
"الخوف طبيعي يا حبيبتي. لكن لا تجعلي الخوف يمنعكِ من فعل ما ترينه صحيحًا. تذكري، أن الله مع الصابرين. إذا كان قلبه صادقًا في توبته، فإن الله سيمد له يد العون، وسيمد لكِ يد القوة."
أخذتُ كلمات جدتي في الاعتبار. كانت تعطيني مساحة للتفكير، ولم تفرض عليّ قرارًا.
بعد تفكير عميق، قررتُ أن أمنح خالد فرصة. لكن لم تكن هذه الفرصة هي العودة السريعة إلى الخطبة. كانت فرصة لإثبات حسن نيته، وإعادة بناء الثقة.
ذهبتُ إلى بيت أبي، وشرحتُ له كل شيء. كان أبي، كعادته، هادئًا، حكيمًا.
"يا ابنتي،" قال، "إذا كنتِ ترين أن في ذلك خيرًا، وأن خالدًا قد تغير حقًا، فتوكلي على الله. لكن كوني حذرة. العودة إلى الطريق ليست سهلة، خاصة بعد السقوط."
"أعلم يا أبي. ولكنني أريد أن أعطيه فرصة ليثبت لي."
"حسنًا. ابدأوا بلقاءات بسيطة، تحت إشراف. كوني قوية، ولا تترددي في اتخاذ القرار الصحيح مهما كان الثمن."
في اليوم التالي، أرسلتُ رسالة إلى خالد، عبر إحدى صديقاتي الموثوقات. طلبتُ منه أن نلتقي في مكان عام، في وقت النهار، وأن يكون معنا شخص من عائلتي.
جاء خالد للقاء، وكان أبي معه. كان وجهه يحمل علامات التوتر، لكن عينيه كانتا تنظران إليّ بلهفة.
"لينا، شكرًا لكِ لأنكِ منحتني هذه الفرصة."
"خالد،" قلتُ بصوت ثابت، "هذه ليست دعوة لإعادة الخطبة. هذه فرصة لكَ لتبين لي أنك تغيرت حقًا. نريد أن نرى منكِ أفعالًا، لا أقوالًا."
"أتفهم ذلك. وسأفعل كل ما بوسعي لأثبت لكم."
كانت لقاءاتنا الأولى في منزل جدتي، بحضور أمي وجدتي. كنا نتحدث عن حياتنا، عن ماضينا، وعن خططنا المستقبلية. كنتُ أراقب خالد عن كثب، ألاحظ تصرفاته، وأستمع إلى كلماته.
كان يبدو صادقًا في توبته. كان يتحدث عن أخطائه، عن ندمه، وعن رغبته في أن يصبح رجلًا صالحًا. كان حريصًا على أداء صلاته، وعلى الالتزام بآداب الشرع.
لكن، كانت هناك دائمًا تلك الشرارة من الشك في داخلي. هل كان ذلك مجرد تمثيل؟ هل كان يبني قناعًا يخفي وراءه نفس الشر؟
مرت أسابيع، ثم شهور. بدأتُ أشعر بأن هناك تغيرًا حقيقيًا في خالد. كان يعتذر عن أخطائه الماضية، ويحاول تعويض ما فات. كان يعمل بجد، ويساعد عائلته.
في إحدى الأمسيات، وبينما كنا نتناول العشاء في منزل جدتي، قال خالد: "لينا، لقد كنتُ أفكر كثيرًا في كلامكِ. قلتِ إن الثقة تبنى بالأفعال. وأنا أريد أن أبني الثقة معكِ."
"وكيف ذلك؟" سألتُ، والأمل يتسلل إلى قلبي.
"أريد أن أخبركِ بكل شيء. بكل ما مررتُ به. بكل الأخطاء التي ارتكبتها. أريد أن أفتح قلبي لكِ، حتى تعرفي حقيقتي كاملة."
كان هذا تحديًا كبيرًا، ليس له فحسب، بل لي أيضًا. أن أسمع تفاصيل ماضيه، وأن أرى كل تلك الأخطاء.
"هل أنتَ مستعد لذلك؟" سألتُ، بصوت يرتجف.
"نعم، أنا مستعد. أريد أن أكون شفافًا معكِ."
بدأ خالد يتحدث. روى لي تفاصيل رحلته، وكيف انحرف عن الطريق. تحدث عن إدمانه على القمار، وكيف خسر كل شيء. تحدث عن شعوره باليأس، وعن محاولاته اليائسة للعودة.
كانت كلماته مؤثرة، ومؤلمة. شعرتُ بالشفقة تجاهه، لكنني كنتُ أيضًا أشعر بالغضب على ما فعله بنفسه، وعلى ما فعله بحياتنا.
"ولماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟" سألتُ، والألم يعتصر قلبي.
"كنتُ خائفًا، لينا. خائفًا من فقدانكِ. خائفًا من مواجهة الحقيقة. وربما... ربما كنتُ ما زلتُ لم أتوب بصدق."
كانت كلماته صعبة، لكنها كانت صادقة. في تلك اللحظة، شعرتُ بأنني أرى خالدًا الحقيقي. رأيتُ رجلًا يعاني، رجلًا يبحث عن الخلاص.
"خالد،" قلتُ، "لقد آذيتني كثيرًا. لقد كسرتَ قلبي. لكني أرى في عينيكَ الآن ندمًا حقيقيًا."
"نعم، لينا. لقد تعلمتُ الدرس. تعلمتُ أن الشر لا يجلب إلا الدمار. تعلمتُ أن الطمع والجشع يؤديان إلى الهلاك. وأنا الآن أريد أن أبني حياتي من جديد، على أسس سليمة."
"ما الذي يجعلكَ متأكدًا من أنك لن تعود إلى نفس الطريق؟"
"لأنني رأيتُ نهايته. رأيتُ كيف يدمر كل شيء جميل. ورأيتُ فيكِ، وفي عائلتكِ، نورًا ودليلاً. أريد أن أتبع هذا النور."
كانت كلماته تحمل أملًا. أملًا بأن المستقبل قد يكون أفضل.
"حسنًا يا خالد،" قلتُ، "سأمنحكِ فرصة لإثبات ذلك. لكن هذه المرة، الثقة ستكون حجر الأساس. ويجب أن تبدأ أنتَ ببنائها."
ابتسم خالد ابتسامة خجولة. "سأبذل قصارى جهدي، لينا."
في تلك اللحظة، شعرتُ بأنني على مفترق طريقين. طريق قد يعيدني إلى حلم قديم، وطريق آخر قد يقودني إلى المجهول. لكنني قررتُ أن أمشي في الطريق الأول، بطموح وتفاؤل، وأن أثق بقراري، وأن أتوكل على الله.