روح تبحث عنك الجزء الثالث
صراع الإرادة وطيف الحقيقة
بقلم فاطمة النجار
"اللقاء الأخير." لم يكن اسم المقهى مجرد تسميةٍ عابرة، بل كان يحمل في طياته ثقلًا من الرمزية، يوحي بنهاياتٍ محتملة، أو ببداياتٍ لا رجاء فيها. اجتاح فؤاد شعورٌ غامضٌ بالرهبة وهو يقترب من المكان. كان المبنى قديمًا، جدرانه تحمل آثار الزمن، ونوافذه المطلة على الشارع تبدو كعيونٍ فارغةٍ تحدق في المارة.
كانت الظهيرة قد بدأت، والشمس تلقي بظلالٍ طويلةٍ على الأرض. دخل فؤاد المقهى، وشعر وكأنه دخل إلى عالمٍ آخر. كانت رائحة القهوة القوية تمتزج برائحة غبارٍ قديم، والأصوات الخافتة للمحادثات تبدو وكأنها تهمس بأسرارٍ دفينة.
وجد طاولةً فارغةً في زاويةٍ بعيدة، وجلس عليها، محاولًا أن يبدو طبيعيًا. لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى رأى رجلًا يقترب منه. لم يكن هو الرجل الذي قابله في الليلة السابقة، بل كان رجلًا مختلفًا، أنحف قليلًا، وأكثر هدوءًا في مظهره، لكن عينيه كانتا تحملان بريقًا باردًا يوحي بالقوة.
"أنت فؤاد، أليس كذلك؟" سأل الرجل بصوتٍ هادئ، لكنه حمل لهجةً أمرة.
أومأ فؤاد برأسه، وقلبه يدق بعنف. "نعم. وأنت؟"
"اسمٌ لا يهمك. أنا هنا لأحدثك باسم أولئك الذين يملكونك." قال الرجل، وجلس قبالة فؤاد دون دعوة.
"يملكونني؟ ماذا تقصد؟" سأل فؤاد، وبدأ يشعر بالغضب يختلط بالخوف.
"تقصد أنك مدينٌ لنا، وأنك تحت إمرتنا. لقد منحناك الكثير، والآن حان وقت السداد."
"ماذا منحتموني؟ لقد أخذتم مني كل شيء!" صاح فؤاد بصوتٍ حاول أن يخفيه، لكنه خرج منه بقوة.
ابتسم الرجل ابتسامةً باردة. "لا تكن ساذجًا يا فؤاد. لقد ساعدناك في التغلب على بعض العقبات. وبالمقابل، أنت تخدم مصالحنا. لقد استغلينا ضعفك، ولم تنكر ذلك."
"ضعفي؟ أنتم من خلقتم هذا الضعف!" قال فؤاد، وشعر بأن الدم يتدفق في عروقه.
"ربما. لكن هذا لا يغير الواقع. أنت الآن في شبكتنا. مهما حاولت، لن تستطيع الهروب."
"من أنتم؟ وماذا تريدون مني حقًا؟" سأل فؤاد، مستجمعًا كل قوته.
"نحن من نتحكم في مساراتٍ كثيرة. ونريدك أن تقوم بمهمةٍ معينة. مهمةٌ لا تستطيع رفضها."
"وما هي هذه المهمة؟"
"مهمةٌ تتطلب منك القليل من الجهد، والكثير من التعاون. تتضمن إيصال بعض المعلومات، وبعض الأشخاص إلى أماكن محددة. كل شيءٍ سيكون منظمًا."
شعر فؤاد ببرودةٍ تسري في أوصاله. لقد أصبح عبدًا، بيد قوىً مظلمةٍ لا يعرف هويتها. "لا أستطيع."
"نعم، تستطيع. لديك عائلة، أليس كذلك؟ زوجة، وأبناء؟" قال الرجل، وكان في صوته تهديدٌ مباشر.
ارتعش فؤاد. كان يعرف أن هذه هي نقطة ضعفه. "ماذا تريدون منهم؟"
"لا تقلق. لن يمسهم سوء، طالما أنك مطيع. لكن إذا خالفت أوامرنا... القدر لا يرحم."
في تلك الأثناء، كانت نورة قد بدأت رحلتها في كشف غموض الماضي. كانت تسأل كبار السن في الحيّ القديم عن والدتها، وعن أي حكاياتٍ قديمةٍ قد تتعلق بها. معظم الإجابات كانت تتحدث عن امرأةٍ طيبةٍ القلب، لكن هناك دائمًا همسةً عن قصةٍ لم تُروَ بالكامل.
"كانت سيدةً فاضلة، لكنها كانت تحمل همًا كبيرًا في صدرها." قالت سيدةٌ عجوز، وعيناها تبدو وكأنها شهدت الكثير. "كنت أراها أحيانًا تتحدث إلى نفسها، وكأنها تخاطب شخصًا غائبًا."
"هل تعرفين شيئًا عن هذا الهم؟" سألت نورة بلهفة.
"لا أستطيع الجزم. لكن كان هناك رجلٌ دائمًا ما يزورها. رجلٌ لا يبدو عليه الأمان. كانت والدتك تخاف منه، لكنها كانت تصر على مقابلته."
"رجلٌ لا يبدو عليه الأمان؟ كيف كان شكله؟"
"كان طويلًا، وقوي البنية. وكان لديه ندبةٌ على خده الأيسر."
شعر فؤاد بأن هذا الوصف يثير فيه شيئًا. هل يمكن أن يكون هذا الرجل مرتبطًا بما يحدث له الآن؟
عاد فؤاد إلى منزله، وقلبه يعتصر. كان عليه أن يفكر. كان عليه أن يجد طريقةً للخروج من هذا المأزق. لم يكن الأمر يتعلق به فقط، بل بأمن عائلته.
اتصل أدهم بفؤاد في وقتٍ متأخرٍ من الليل. "فؤاد، هل أنت بخير؟ لم أرك اليوم. هل هناك ما يقلقك؟"
"أنا بخير يا أدهم. فقط بعض الأمور التي أحتاج إلى حلها." قال فؤاد، وهو يحاول أن يبدو هادئًا.
"إذا كنت بحاجةٍ إلى أي شيء، مهما كان، فلا تتردد في طلبي. أعرف أنك تمر بظروفٍ صعبة."
كانت كلمات أدهم كالبلسم، لكنها زادت من شعور فؤاد بالذنب. كيف يمكنه أن يكشف لأدهم عن هذا الموقف، عن هذا العار؟
"شكرًا لك يا أدهم. أنت حقًا صديقٌ وفيّ."
"الصداقة تعني الوقوف معًا في السراء والضراء. تذكر ذلك."
بعد انتهاء المكالمة، جلس فؤاد على الأريكة، ينظر إلى صورة زوجته وأبنائه. كان وجهه يتصبب عرقًا. كان عليه أن يجد حلًا، ليس فقط لنفسه، بل لكل من يحب.
في داخل فؤاد، كان صراعٌ مريرٌ يدور. صراعٌ بين الإرادة والضعف، بين الأمل واليأس. هل سيستطيع أن يقاوم هذه القوى المظلمة؟ هل سيجد القوة الداخلية التي تمكنه من كشف الحقيقة، والعودة إلى طريقه الصحيح؟
كان الطريق أمامه صعبًا، لكنه لم يكن مستعدًا للاستسلام. كان يعلم أن في كل ظلمةٍ، هناك بصيصٌ من نور. وكان يأمل أن يتمكن من الوصول إليه، مهما كانت التضحيات.