روح تبحث عنك الجزء الثالث
خطى متخبطة وتساؤلاتٌ معلقة
بقلم فاطمة النجار
مرت الأيام ثقيلةً على فؤاد، كل يومٍ يحمل معه عبئًا جديدًا من القلق والترقب. لم يعد لديه رفاهيةُ التردد أو الاختباء. لقد أُجبر على اتخاذ قراراتٍ لم يكن يتخيلها يومًا، قراراتٍ تلامس حافة الخط الأحمر، وتُهدد بتلويث ما تبقى من نقاءٍ في حياته.
كانت تعليمات "الرجال" تأتيه عبر رسائلٍ مشفرة، أو مكالماتٍ هاتفيةٍ قصيرة، تحمل تهديداتٍ صامتةً تجعله ينفذ ما يُطلب منه دون سؤال. في إحدى الليالي، طُلب منه أن يوصل حقيبةً إلى عنوانٍ محددٍ في حيٍّ بعيد، دون أن يعرف محتواها، ودون أن يعرف لمن ستُسلّم. كان قلبه يرتجف وهو يقود سيارته في تلك الشوارع المظلمة، حيث كل ظلٍّ يبدو وكأنه مراقب.
"تذكر، لا أحد يراك. وإذا رأى أحدٌ شيئًا، فأنت تعرف ما سيحدث." كانت هذه هي الكلمات التي ترددت في أذنه، كلماتٌ حفرت في وعيه كوشمٍ لا يُمحى.
عندما وصل إلى العنوان، وجد في استقباله رجلٌ يرتدي ملابس سوداء، قبعته تخفي معظم وجهه. أخذ الحقيبة دون كلمة، وأشار لفؤاد بالانصراف. كان شعورٌ عميقٌ بالعار والخيبة يلتف حول فؤاد وهو يقود سيارته مبتعدًا، يشعر وكأنه قد باع جزءًا من روحه.
في غضون ذلك، كانت نورة قد اكتشفت معلوماتٍ جديدةٍ أثارت فضولها وحذرها في آنٍ واحد. من خلال حديثها مع السيدة العجوز، وتنقيبها في بعض السجلات القديمة التي تخص عائلتها، بدأت تتكون لديها صورةٌ غامضةٌ لشخصٍ كان له دورٌ كبيرٌ في ماضي والدتها. كان هناك رجلٌ يدعى "عمر"، وكان يملك علاقةً وثيقةً بوالدتها، لكن يبدو أن هذه العلاقة لم تكن دائمًا على وفاق.
"عمر؟" همست نورة لنفسها، وهي تقلب صورةً قديمةً لوالدتها. "من يكون هذا عمر؟ ولماذا كانت والدتي تخاف منه؟"
لم تستطع تجاهل هذه التساؤلات. شعرت بأن فهم هذا "عمر" هو المفتاح لفهم أسرار ماضيها. بدأت تبحث عن أي معلومةٍ تدل على وجوده، لكن المعلومات كانت شحيحة، كأن الرجل قد اختفى تمامًا.
عاد فؤاد إلى شركته، يحاول جاهدًا أن يستعيد واجهته الطبيعية. كان أدهم يلاحظ التغيير في سلوكه، في انطوائه المتزايد، وفي غيابه المتكرر عن الاجتماعات المهمة.
"فؤاد، نحن بحاجةٍ إلى التحدث." قال أدهم، بينما كانا يجلسان في مكتب فؤاد. "لقد تراجع أداؤك بشكلٍ ملحوظ. هل هناك ما يمكنني فعله لمساعدتك؟"
نظر فؤاد إلى عين أدهم الصادقتين، وشعر بوخزةٍ من التأنيب. كان أدهم يرشده بلطفٍ نحو الطريق الصحيح، بينما كان هو ينجرف في ظلامٍ دامس.
"أنا آسف يا أدهم. أنا أمرٌ ببعض الظروف الشخصية المعقدة." قال فؤاد، متجنبًا النظر إليه مباشرة. "لا أرغب في إثقالك بمسؤولياتي."
"مسؤولياتك هي مسؤولياتي، يا فؤاد. نحن شركاء. إذا كنت تخفي شيئًا، فأعلم أن هذا يؤثر على عملنا، وعلى ثقتنا ببعضنا البعض."
كانت كلمات أدهم قاسيةً، لكنها كانت صادقة. شعر فؤاد بالحرج، لكنه لم يستطع البوح بكل شيء. "أعدك بأنني سأحاول أن أكون أفضل. سأعالج هذه الأمور."
"أتمنى ذلك. لأننا لا نستطيع تحمل أي خسائر في هذه المرحلة. خطة التوسع تتطلب تركيزًا تامًا."
بعد مغادرة أدهم، أخذ فؤاد نفسًا عميقًا. كان يعلم أن علاقته بأدهم، وعلاقته بعائلته، كلها معرضة للخطر. كان عليه أن يجد حلًا، لا مجرد حلٍ مؤقت، بل حلٌ ينهي هذه الكابوس.
في يومٍ آخر، وبينما كان فؤاد يتصفح بريده الإلكتروني، لفت انتباهه بريدٌ إلكترونيٌّ غريبٌ وصل إليه من عنوانٍ مجهول. فتح الرسالة بحذر، فوجد أنها تحتوي على صورةٍ قديمةٍ له مع والده، صورةٌ لم يرها منذ سنوات.
"هذه الصورة، وتلك الوعود." كانت هذه هي الكلمات المكتوبة أسفل الصورة. "هل ما زلت تتذكر؟"
شعر فؤاد بقلبه يخفق بعنف. من أرسل هذه الرسالة؟ وماذا يقصد بـ "الوعود"؟ كانت هذه الصورة تعود إلى فترةٍ كان فيها يتلقى تدريبًا خاصًا من والده، تدريبٌ لم يكن يتعلق بالعمل التجاري فحسب، بل كان يحمل طابعًا أكثر سرية.
كانت هذه الرسالة بمثابة تذكيرٍ مزعجٍ بشيءٍ حاول فؤاد نسيانه. هل كان هناك ماضٍ مخفيٌّ له علاقةٌ بما يمر به الآن؟ هل كانت "الشبكة" التي يتحدث عنها الرجل في المقهى، تسعى لاستغلال شيءٍ دفنه؟
بدأ فؤاد يفكر في كل شيءٍ مر به. كل اللقاءات الغامضة، كل الرسائل المبهمة، كل التهديدات الصامتة. هل كل هذا مرتبطٌ بماضيه؟ هل كان لديه دورٌ أكبر مما كان يعتقد؟
في تلك الليلة، قرر فؤاد أن يغير استراتيجيته. لم يعد بإمكانه أن يكون مجرد بيدقٍ في لعبةِ الآخرين. عليه أن يبدأ في البحث بنفسه. عليه أن يكشف عن هؤلاء الذين يتحكمون في حياته، وعن علاقتهم بماضيه.
شعر بحماسٍ جديدٍ يتدفق في عروقه، حماسٌ ممزوجٌ بالخوف. كان يعلم أن الطريق سيكون مليئًا بالمخاطر، لكنه كان مستعدًا للمواجهة. لقد حان وقت استعادة السيطرة.