الحب الصادق
شعلة الأمل في مدينة الضباب
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمات الفجر الأولى تداعب نوافذ قصر العائلة، تنشر عبق الياسمين المتسلق على جدرانه العتيقة. لكن رغد، في غرفة مكتب والدها الفاخرة، لم تشعر بجمال الصباح المنعش. عيناها الزرقاوان، اللتان طالما عكستا صفاء السماء، كانتا الآن سديمًا من القلق والارتباك. أمامها، على المكتب المصنوع من خشب الأبنوس، ترقد رسالة مغلقة بختم العائلة، تبدو كحكم مؤجل. إنها رسالة من عمها، وكيل أعمال والدي، تحمل خبرًا مؤلمًا ألقى بظلاله الثقيلة على عالمها الهادئ.
"صعدت روح أبي إلى بارئها، يا ابنتي الغالية."
كلمات بسيطة، جافة، لكنها كالصواعق اخترقت قلبها. والدها، زعيم العائلة، رجل الحكمة والقوة، الذي بنى إمبراطورية تجارية تمتد جذورها في أرجاء البلاد، لم يعد هنا. رغد، رغم سنها التي لم تتجاوز الثانية والعشرين، كانت الوريثة الوحيدة. ورغم أنها لم تكن بعيدة عن إدارة بعض شؤون العائلة، إلا أن الثقل كله وقع الآن على عاتقها.
في الخارج، بدأت المدينة تستيقظ. أصوات الباعة تتصاعد، وعربات الخيل تدق على الحجر. مدينة الذهب، كما يسمونها، تستمر في دورانها، غير مبالية بفقدان أحد أركانها. لكن بالنسبة لرغد، كل شيء توقف. العالم كله حبس أنفاسه.
تنهدت رغد بعمق، وحاولت لملمة شتات أفكارها. والدها لم يكن مجرد أب، بل كان معلمها، صديقها، وصديق طفولتها. علمها كيف تقرأ الأرقام، كيف تفاوض، وكيف تحافظ على سمعة العائلة. كان يعلمها دروسًا في الحياة، في الصبر، وفي الصدق. كان دائمًا يقول لها: "الصدق هو أثمن ما يملك المرء، يا رغد. به تبني صروحًا لا تهتز، وبه ترتقي درجات العلا."
شعرت بيد لطيفة تلامس كتفها. إنها جدتها، السيدة عائشة، التي طالما كانت الملجأ الآمن لها. وجهها الهادئ، المزين بوشم قديم على جبينها، كان يحمل في طياته حكمة الأزمان.
"لقد رأيتِ ما رأيتِ، يا بنيتي. القلب الحزين لا يرى نور الصباح. لكن تذكري، الموت ليس نهاية، بل بداية لحياة أخرى. وحياة والدك لم تذهب سدى، لقد ترك لكِ إرثًا عظيمًا، وذكرى عطرة."
نظرت رغد إلى جدتها، شعرت ببعض القوة تنساب في عروقها. "لكن يا جدتي، العبء كبير. وعمي... لا أثق به تمامًا."
ابتسمت السيدة عائشة ابتسامة خفيفة. "الثقة كنز، لا تمنحيه إلا لمن يستحقه. عمك، هو جزء من هذا البيت، لكن قراراتك يجب أن تكون من قلبك وعقلك. لقد أنعم الله عليكِ بذكاء وفطنة، استعمليهما."
وقفت رغد، وخطواتها ثابتة الآن، وإن كانت تحمل ثقل المسؤولية. ذهبت إلى خزانة كتب والدها، تلمست غلاف كتاب قديم، مزخرف بالذهب. كان هذا الكتاب هو المصحف الذي كان يقرأ فيه كل صباح. فتحته على صفحة عشوائية، ووقعت عيناها على آية تقول: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا."
أحست ببريق أمل يتجدد في قلبها. نعم، العسر موجود، لكن اليسر معه. والدها لم يتركها وحيدة، لقد ترك لها وصايا، ودروسًا، وإيمانًا.
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب، ودخل عمها، السيد حازم. كان رجلاً ذا بنية قوية، وملامح حادة، وعينين لامعتين بالدهاء. كان يرتدي ثيابًا فارهة، ويبدو عليه أنه لم ينم ليلتها.
"صباح الخير، رغد. أقدم لكِ خالص العزاء. لقد كان خبرًا مفجعًا." قالها بحزن مصطنع، لم تخطئه عين رغد.
"شكرًا لك يا عمي." أجابت بهدوء، محاولة أن تبدو صامدة.
"علمت أن الرسالة قد وصلت. أردت أن أتحدث معكِ في الأمر. الشركة تمر بظروف دقيقة. هناك ديون مستحقة، وصفقات معلقة. والدك، رحمه الله، كان دائمًا يحاول تجاوز الأزمات. الآن، علينا أن نتكاتف."
كانت كلماته تهدف إلى إثارة القلق، وإظهار نفسه كمنقذ. رغد كانت تعلم أن عمها كان دائمًا يتطلع إلى السيطرة على الشركة، وأن والدها كان يحاول كبح طموحاته.
"أعلم يا عمي. وسأكون عند حسن ظنك. وسأبذل قصارى جهدي للحفاظ على ما بناه أبي." قالتها بلهجة حازمة، رفعت حاجبها قليلًا.
استغرب حازم من لهجتها، التي لم يعتد عليها. لقد كان يعتقد أنها ستكون سهلة الانقياد، مغمورة بالحزن، تعتمد عليه.
"هذا كلام جميل، يا رغد. لكن هذه الأمور تتطلب خبرة، وتجربة. أنا هنا لمساعدتك. سنعقد اجتماعًا لمجلس الإدارة غدًا، لنناقش الوضع. يجب أن نتخذ قرارات سريعة."
"غدًا؟" تساءلت رغد، وهي تشعر بأن هناك شيئًا مريبًا. "أبي لم يخبرني أبدًا بوجود اجتماع طارئ. هل هناك أمر جلل؟"
"الوضع يتطلب ذلك." أجاب حازم بسرعة، وهو يتجنب النظر في عينيها. "توفي والدك ليلًا، والأخبار تنتشر. يجب أن نؤكد استقرار الشركة. لا نريد أن تنهار أسعار أسهمنا. أليس كذلك؟"
نظرت رغد إلى عمها، واستشعرت الكذب يتسلل من بين كلماته. والدها كان حريصًا جدًا على الشفافية، ولم يكن ليتخذ مثل هذه القرارات دون استشارة ابنته.
"سأفكر في الأمر يا عمي. سأحتاج إلى وقت." قالتها، وهي تنهض من مقعدها، متجهة نحو النافذة، تستنشق هواء الفجر النقي، وتحاول أن تجد في سكونه قوة.
ترك حازم المكتب، وقد بدا على وجهه بعض الاستياء. رغد، وحدها مجددًا، نظرت إلى صور والدها المعلقة على الجدران. كل صورة تحكي قصة، قصة حب، قصة نجاح، وقصة مسؤولية.
"لا تقلق يا أبي." همست لنفسها. "سأحافظ على إرثك. سأقاتل من أجله. ولن أدع أحدًا يسرق ما بنيته بعرقك وجهدك."
كانت هذه هي بداية معركة لم تكن تتوقعها. معركة ليست بالسيوف، بل بالعقول، وبالإرادة. معركة لاستعادة حق، وللحفاظ على اسم عائلة.
أغلقت رغد الرسالة، وضعتها جانبًا. كان الوقت قد حان لتغيير قناع الحزن إلى قناع القوة. لقد فقدت والدها، نعم. لكنها لم تفقد إرادته. وكان هذا هو الدرس الأهم الذي علمه إياها.
كانت الشمس قد ارتفعت بالكامل الآن، وأشعتها الذهبية تضيء قصر العائلة، وكأنها تقول: "ابدئي رحلتك، يا رغد. فإن وراء كل ضباب، سماء صافية."