الفصل 19 / 25

الحب الصادق

لغز الودائع وخيانة الثقة

بقلم فاطمة النجار

استمر الصمت يلف ليلى، صمتٌ أثقل من ثقل كل الهموم التي حملتها في قلبها. كلمات عمر الأخيرة، "أخشى أن معرفتك بها لن تجلب لك سوى القلق. من الأفضل لكِ أن تبقي بعيدةً عن هذا الأمر"، كانت بمثابة حكمٍ بالإعدام على ثقتها به. لم تعد تشعر بأنها شريكته في الحياة، بل أصبحت مجرد متفرجٍ على مسرحيةٍ لم تفهم قصتها.

في الأيام التالية، ازدادت عزلة عمر. كان يقضي معظم وقته خارج القصر، يعود متأخراً، منهكاً، وعيناه تحملان سحابةً من القلق. كان يتحدث مع ليلى بكلماتٍ مقتضبة، وكأنما يتجنب نظراتها التي كانت تبحث عن إجابات. أما نور، فقد أصبحت حاضرةً بشكلٍ متزايد في حياة القصر. كانت تساعد الحاجة فاطمة في شؤون المنزل، وتجلس معها لساعاتٍ في الحديث. وبين الحين والآخر، كانت ليلى تلمح إلى عمر يتبادل مع نور نظراتٍ سريعة، نظراتٍ لم تستطع تفسيرها، لكنها كانت تشعر بأنها تحمل سراً بينهما.

بدأت ليلى تشعر بشيءٍ من الريبة تجاه نور. لم يكن لديها دليلٌ قاطع، لكن شعورها الداخلي كان يصرخ بأن هناك ما هو أبعد من مجرد ضيافةٍ عائلية. كانت تتذكر حديث عمر مع والده، والكلمات الغامضة عن "الصفقة الاستثمارية" و"المرونة". تساءلت، هل لنور علاقةٌ بهذا الأمر؟ هل هي السبب في الضغط الذي يتعرض له عمر؟

ذات يوم، بينما كانت ليلى تتصفح بعض الأوراق القديمة في مكتب والدها، وجدت مجموعةً من السجلات المالية. كانت تصفحها بدافع الفضول، لا أكثر. وبين الصفحات، وقعت عيناها على وثيقةٍ غريبة، تحمل توقيع عمر، وتفويضاً بتحويل مبلغٍ كبيرٍ من المال إلى حسابٍ خارجي. لم تفهم التفاصيل، لكن المبلغ كان ضخماً، والبنك المذكور كان بنكاً عالمياً لم تسمع به من قبل.

شعر قلبها بالخفقان. هل يمكن أن يكون هذا هو الأمر الذي تحدث عنه والده؟ هل هو ما يسبب قلق عمر؟ بدأت تجمع الخيوط، لكنها كانت لا تزال بعيدةً عن فهم الصورة كاملة.

في المساء، وبينما كان عمر جالساً في مكتبه، تسللت ليلى إليه. وجدت الباب مفتوحاً قليلاً، وأصواتٌ خافتةٌ تأتي منه. اقتربت، واتسعت عيناها رعباً. كان عمر يتحدث في الهاتف، وبصوتٍ بالكاد يمكن سماعه.

"لا، لا يمكن أن تنتظر. يجب أن يتم التحويل الليلة. أي تأخير يعني خسارة كل شيء. لقد استثمرت كل ما أملك، وكل ما تستطيع العائلة توفيره."

"ماذا؟" همست ليلى لنفسها. "كل ما تملك العائلة؟"

"المخاطر كبيرة، أعرف ذلك،" تابع عمر، وصوته يحمل نبرةً من اليأس. "ولكن العائد المتوقع... إنه يستحق كل هذا. أرجوك، فقط أريد التأكد من أن الصفقة ستتم. أن لا تدع شيئاً يعترض طريقها."

ثم سمعت اسماً يتكرر، اسماً لم تسمعه من قبل. "السيد جابر. هو الوحيد الذي يمكنه مساعدتنا في هذه المرحلة."

أغلقت ليلى فمها بيدها، تشعر بالدوار. عمر يخسر كل شيء؟ يخاطر بمال العائلة؟ ومن هو السيد جابر؟ وهل لنور علاقةٌ بهذا السيد جابر؟ بدأت الأمور تتشابك بشكلٍ مخيف.

في اليوم التالي، اتخذت ليلى قراراً جريئاً. قررت أن تواجه نور. لم تستطع تحمل المزيد من الشك. ذهبت إلى حديقة القصر، حيث كانت نور تجلس تحت شجرةٍ قديمة، تتلو آياتٍ من القرآن الكريم بصوتٍ شجي.

"نور،" قالت ليلى بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتاً. "أحتاج أن أتحدث معكِ."

رفعت نور رأسها، وبدا على وجهها بعض الاستغراب. "ليلى؟ تفضلي."

"أعلم أنكِ قريبةٌ من عمر،" بدأت ليلى، تشعر بالتوتر يتسلل إلى أطراف أصابعها. "وأعلم أن هناك أموراً تحدث، أمورٌ تزعج عمر. هل يمكنكِ أن تخبريني؟"

نظرت نور إلى ليلى بعينيها الواسعتين. "ماذا تقصدين؟"

"أقصد، هل أنتِ على علمٍ بما يمر به؟ بما يفعله؟"

تنهدت نور، وبدت عليها علاماتٌ من الحزن. "ليلى، عمر شابٌ طيب، لكنه يمر بظروفٍ صعبة. لقد تورط في بعض الأمور التي لا يستطيع الخروج منها بسهولة."

"تورط؟" تكررت الكلمة. "ما نوع التورط؟"

"إنها صفقةٌ استثمارية،" قالت نور، ونبرتها انخفضت. "صفقةٌ تبدو مغريةً جداً، ولكنها تحمل مخاطر عالية. وقد استثمر فيها عمر الكثير، ربما أكثر مما يجب."

"ولكن... هل أنتِ جزءٌ من هذه الصفقة؟ هل لديكِ علاقةٌ بهذا الأمر؟"

ترددت نور للحظة، ثم قالت بصوتٍ هادئ. "جدتي، الحاجة فاطمة، هي من أقنعت عمر بالاستثمار. لديها علاقاتٌ مع شخصٍ يدعى السيد جابر، وهو خبيرٌ في هذه الأمور. ولكنه... يبدو أن الأمور لم تسر كما هو مخطط لها."

"السيد جابر؟" تكررت الكلمة مرةً أخرى، وشعرت ليلى بأنها تسمعها للمرة الأولى. "ولماذا لم يخبرني عمر بهذا؟ ولماذا يبدو الأمر سرياً هكذا؟"

"ربما خشيةً عليكِ،" قالت نور. "ربما لم يرد أن يقلقكِ. ولكنه... أصبح تحت ضغطٍ كبير. وضغطٌ كبيرٌ من جدتي أيضاً. هي تعتمد على هذا الاستثمار لإنقاذ بعض أمورها المالية."

كانت الحقيقة تضرب ليلى كالصاعقة. الحاجة فاطمة؟ هي من تقف وراء هذا؟ ولماذا؟ أكان كل هذا جزءاً من خطةٍ أكبر؟ هل كانت خطةً لخلق مشاكل لعمر، ليظهر هو بعدها وكأنه المنقذ، أو ليضعف من موقفه أمامها؟

"ولكن... لماذا؟" تساءلت ليلى، وعيناها تترقرق بالدموع. "لماذا يفعلون هذا؟"

"الأمر معقدٌ جداً، ليلى. يبدو أن هناك ديوناً قديمة، وتعهداتٍ لا يمكن التراجع عنها. وعمر يشعر بمسؤوليةٍ كبيرة تجاه جدته."

"ولكن عمر؟ ألم يعلم أنني شريكته؟ ألا يثق بي؟"

نظرت نور إلى ليلى بحزن. "أعتقد أن ثقته بكِ لم تتزعزع. لكنه... ربما شعر أن عليه حمل هذا العبء وحده. وخاصةً مع ضغط جدتي. إنها... لديها طرقها في الإقناع."

شعر ليلى بأن العالم ينهار من حولها. كل ما بنته من ثقةٍ وحبٍ مع عمر، بدأ يتلاشى في بحرٍ من الكذب والخداع. لم تكن الخيانة مجرد خيانةٍ عاطفية، بل كانت خيانةً للثقة، خيانةً لمستقبلٍ كانوا يخططون له معاً. وبدأت تشعر بأنها في نقطة اللاعودة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%