الحب الصادق
زهرة بين الأشواك
بقلم فاطمة النجار
لم يمر يوم واحد على وفاة والدها، حتى بدأت عائلة والدتها، التي كانت تبدو وكأنها ابتعدت عن شؤون العائلة الرسمية، في الظهور. كان رأس هذه العائلة هو عمها الأكبر، السيد نبيل، رجل ذو شارب كثيف، وعينين صغيرتين ثاقبتين، وملبس باهظ الثمن. لطالما كان نبيل على خلاف مع والد رغد، بسبب الغيرة والغيرة من نجاحه.
وصل نبيل، رفقة زوجته السيدة فاتن، وابنهما الوحيد، الشاب نادر، إلى قصر العائلة، لا لتقديم التعازي فحسب، بل لتقديم "المساعدة".
"خبر وفاة صقر العائلة نزل كالصاعقة علينا جميعًا." قال نبيل، متظاهرًا بالأسى. "لكن الحياة لا تتوقف، يا رغد. يجب أن نفكر في المستقبل. الشركة، مستقبلها، كل هذه الأمور تحتاج إلى دراسة متأنية."
كان نادر، الشاب الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين، يتأمل رغد بنظرة فيها شيء من الفضول، وشيء آخر من الاستعلاء. كان نادر قد تلقى تعليمًا ممتازًا في الخارج، وعاد ليجد نفسه بلا دور حقيقي في إدارة العائلة، في ظل سيطرة والده.
"لقد سمعت عن ذكائك يا رغد." قال نادر بصوت فيه خشونة. "ولكن إدارة شركة بهذا الحجم، تتطلب خبرة لا تملكينها. قد يكون الأفضل أن نترك الأمر لمن يعرفون كيف يتعاملون مع هذه الأمور."
شعرت رغد بالانزعاج من وقاحة نادر. والدها لم يكن يخبرهما أبدًا عن خلافاته مع نبيل، لكنها كانت تشعر بالتوتر بينهما في المناسبات العائلية.
"شكراً على نصيحتك يا نادر. لكن والدي لم يدخر جهدًا في تدريبي. وكلماته الأخيرة كانت عن الحفاظ على هذا الإرث. وأنا أرى أن هذه هي الأولوية القصوى الآن." أجابت رغد ببرود، وهي تنظر في عينيه مباشرة.
"بالطبع، بالطبع." قال نبيل، ملوحًا بيده. "ونحن هنا لدعمك. لكن دعيني أقول لكِ، يا رغد، الوضع المالي للشركة ليس كما يبدو. هناك ديون كبيرة، وصفقات خاسرة. والدك، رحمه الله، كان يتحمل الكثير. ربما حان الوقت لبيع بعض الأصول، وتركيز الجهود على ما هو مربح حقًا."
كان هذا هو بالضبط ما توقعته رغد. عمها كان يريد تقليص نفوذ والدها، وبيع الأصول التي لا تدر ربحًا سريعًا، والتي قد تكون جزءًا من رؤية والدها طويلة الأمد.
"بيع الأصول؟" كررت رغد. "هل لديك تقارير مالية محددة تدعم هذا؟ أبي كان دائمًا حريصًا على سجلاته."
"التقارير موجودة. وسأحضرها لكِ." قال نبيل، وهو ينظر إلى زوجته فاتن، التي كانت تومئ برأسها موافقة. "لكن يجب أن نتحرك بسرعة. الوقت ليس في صالحنا."
كانت السيدة عائشة، جدة رغد، تراقب كل هذا بصمت. كانت تعرف طبيعة نبيل وزوجته. كانت تعلم أن طموحهما لا حدود له.
"يا نبيل." قالت السيدة عائشة بصوتها الهادئ، لكنه يحمل سلطة لا يمكن تجاهلها. "قد يكون والد رغد قد رحل، لكن أفكاره ما زالت هنا. قبل أن تتسرعوا في بيع أي شيء، يجب أن نفهم الوضع جيدًا. ورغد، بصفتها الوريثة، لها الحق في الاطلاع على كل التفاصيل."
"بالتأكيد يا عمتي." قال نبيل، وهو يبتسم ابتسامة فيها خبث. "ولكن كما قلت، الأمر يتطلب سرعة. ولا نريد أن نرهق ابنتنا الحزينة بكل هذه التفاصيل."
"الحزن لا يمنع العقل من العمل، يا نبيل." ردت السيدة عائشة، بنظرة جعلت نبيل يغض بصره.
لم تستطع رغد أن تتحمل المزيد. "شكراً لكم على زيارتكم. سأحتاج إلى بعض الوقت لأفكر في كل هذا. وسأبلغكم بقراراتي." قالتها بلهجة قاطعة، وقفت عندها.
خرج نبيل وعائلته، تاركين وراءهم جوًا مشحونًا.
"هؤلاء يريدون أن يلتهموا كل شيء." قالت رغد بمرارة.
"إنهم لا يريدون الحفاظ على الإرث، يا رغد." قالت السيدة عائشة، وهي تحتضنها. "إنهم يريدون نهبه. لكن والدك لم يكن ليترككِ عرضة لهم. لقد كان رجلًا حكيمًا."
"لكن كيف؟ كيف يمكنني مواجهتهم؟ لديّ خبرة قليلة جدًا مقارنة بهم."
"الخبرة تأتي مع العمل، يا بنيتي. والإرادة تأتي من القلب. أنتِ ابنة صقر. ولديكِ روح المقاتلة."
في تلك الليلة، قررت رغد ألا تستسلم. قامت بالاتصال ببعض المستشارين الماليين الموثوقين الذين كان والدها يتعامل معهم. كانت تعلم أنهم سيقدمون لها تقارير محايدة.
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت رغد تجلس في مكتب والدها، تنظر إلى الأوراق أمامه، وجدت شيئًا لم يكن متوقعًا. كان هناك ملف مخبأ داخل درج سري. فتحته، فوجدت فيه رسائل متبادلة بين والدها وعمه نبيل، تعود لسنوات. كانت الرسائل تكشف عن طموحات نبيل الخطيرة، ومحاولاته المستمرة للتحكم في الشركة، وحتى محاولات لزعزعة ثقة الوالد في بعض العاملين.
"لقد كان أبي يعلم." قالت رغد بصوت مرتجف. "لقد كان يعلم ولم يخبرني. أراد أن أحمي نفسي."
تذكرت كلمات والدها: "الصدق هو أثمن ما يملك المرء." لقد كان صادقًا معها، حتى في عدم إخبارها بكل شيء. لقد أراد أن تكتشف هي بنفسها، وأن تبني قوتها.
بينما كانت تقلب في الأوراق، وقعت عيناها على اسم. اسم نادر. كان نبيل يطلب من والده أن يعطي ابنه نادر منصبًا مهمًا في الشركة، وهو ما رفضه الوالد بشدة.
"إذًا، هذا هو السبب." همست رغد. "إنهم يريدون الانتقام، وربما يريدون أن يتخلصوا من كل من يقف في طريقهم."
شعرت بشعور غريب تجاه نادر. لم يكن شخصًا شريرًا بالفطرة، لكنه كان ابن أب طموح، وقد يكون متأثرًا به. هل يمكن أن يكون هناك أمل في إقناعه؟
في تلك اللحظة، طرق الباب. دخلت السيدة عائشة، ومعها شاب يبدو عليه الوقار، ويرتدي ملابس أنيقة.
"رغد، هذا صديق قديم لوالدك، وشريك موثوق. اسمه السيد سيف."
كان سيف رجلًا في أواخر الثلاثينات، بوجه طيب، وعينين ذكيتين. بدا أنه يحمل ثقلًا من التجارب.
"لقد سمعت عن وفاة صقر." قال سيف بصوت عميق. "لقد كان رجلًا عظيمًا. وأنا هنا لأقدم لكِ كل ما تحتاجين إليه. لقد وعدت والدك أن أكون بجانبك في أي وقت. وهذه الأوراق تثبت ذلك."
وضع سيف ملفًا ضخمًا أمام رغد. كان يحتوي على سجلات مالية مفصلة، وتقارير استثمار، ومقترحات لمشاريع مستقبلية.
"هذه هي رؤية والدك للمستقبل، يا رغد. رؤية طويلة الأمد، مبنية على أسس قوية. وهي تختلف تمامًا عما قد يقترحه البعض."
شعرت رغد بدموع تتجمع في عينيها. والدها لم يتركها ضعيفة. لقد أعد لها كل شيء.
"شكرًا لك يا سيف. شكرًا جزيلاً."
"لا شكر على واجب. والدك كان أخيًا. والآن، عليكِ أن تثبتي لهم أنكِ ابنته. وأنكِ قادرة على حمل هذه الأمانة."
نظرت رغد إلى الملف، ثم إلى جدتها، ثم إلى سيف. كان قلبها يمتلئ بالعزيمة. لم تعد مجرد فتاة حزينة، بل أصبحت وريثة، ومقاتلة.
"سوف أثبت لهم." قالت بصوت قوي. "سأثبت لهم جميعًا."
كانت هذه بداية التحول. كانت بداية رحلة اكتشاف القوة الداخلية، والوفاء بالوعد. رحلة لا تخلو من المخاطر، لكنها رحلة مقدسة.