الحب الصادق
صدى الماضي في أروقة الحاضر
بقلم فاطمة النجار
كانت المدينة، مدينة الذهب، تضج بالحياة. أسواقها تعج بالبشر، ورائحة التوابل العطرية تمتزج بصخب الحياة اليومية. لكن داخل قصر العائلة، كان الزمن يبدو وكأنه توقف. رغد، في مكتب والدها، كانت غارقة في تفاصيل الملف الذي قدمه سيف. كانت تقرأ، وتدرس، وتتساءل.
"هذه الأرقام لا تتفق مع ما قاله عمي." قالت رغد لسيف، وهي تشير إلى تقرير مالي. "حسب هذه السجلات، فإن الشركة في وضع جيد جدًا. بل إنها تحقق أرباحًا مستمرة."
"هذا ما كنت أتوقعه." أجاب سيف بهدوء. "والدك كان رجلًا شديد الذكاء في إدارة أمواله. وكان دائمًا يخطط للمستقبل. لم يكن ليدع الشركة تغرق في الديون كما يزعم نبيل."
"إذًا، ما الذي يحاول عمي فعله؟"
"ربما يريد بيع أجزاء من الشركة لا تدر ربحًا سريعًا، لكنها ذات قيمة استراتيجية على المدى الطويل. أو ربما يريد الحصول على سيطرة كاملة، ليضع ابنه نادر في منصب قيادي، حتى لو كان ذلك على حساب سمعة الشركة."
فكرت رغد في كلمات نادر، التي كانت تحمل شيئًا من التحدي، وشيئًا من عدم الثقة. هل كان نادر مجرد بيدق في لعبة والده، أم أنه كان لديه طموحاته الخاصة؟
"ما رأيك في نادر؟" سألت رغد. "هل يمكن أن يكون لديه أفكار مختلفة عن والده؟"
ابتسم سيف ابتسامة غامضة. "نادر شاب ذكي، وقد حصل على تعليم جيد. لكنه لم يتعرض لضغوط الحياة بنفس القدر الذي تعرض له والدك. قد يكون لديه نوايا حسنة، لكنه قد يتبع والده بسهولة."
"لكن، كيف يمكنني إثبات ما أقوله؟ كيف يمكنني مواجهة عمي؟"
"بالأدلة، يا رغد. بالأدلة القاطعة. غدًا، في اجتماع مجلس الإدارة، سأكون بجانبك. وسنناقش كل نقطة بوضوح. لا تدعي أحدًا يتلاعب بك."
في تلك الليلة، لم تستطع رغد أن تنام. كانت تفكر في والدها، في حزنه، في حكمته. وتفكر في جدتها، السيدة عائشة، التي كانت دائمًا مصدر قوتها.
وفي وقت متأخر من الليل، سمعت صوت خطوات في الردهة. ذهبت لتكتشف، فوجدت نادر، يقف أمام غرفة والدها، ينظر إلى الباب بحزن.
"نادر؟ ماذا تفعل هنا؟" سألت رغد.
تجمد نادر للحظة، ثم استدار. بدت عليه علامات المفاجأة، ثم الارتباك.
"كنت... كنت فقط أتأمل. أتذكر أبي." قال نادر بتردد.
"والدك؟" قالت رغد، متفاجئة. "كنت أعتقد أن والدك هو عمي نبيل."
"أبي... أبي كان صهرًا لصقر باشا." أوضح نادر. "لكن علاقتهما لم تكن جيدة. وكان والدي دائمًا يحاول أن يثبت نفسه."
"هل والدك... هل أنت مع والده في كل ما يفعله؟" سألت رغد مباشرة.
تردد نادر. "والدي... هو والدي. ولكن... لم أتفق معه في كل شيء. أريد أن أثبت نفسي بطريقتي. أن أكون ناجحًا."
"والنجاح، هل هو بالسيطرة على كل شيء؟ أم بالعمل الجاد؟"
نظر نادر إلى رغد، وشعر بشيء من الاحترام في عينيها. "لا أعرف. ربما... ربما كلانا على صواب. ربما يجب أن تكون هناك طرق جديدة."
"والدي كان يؤمن بالعمل الجاد، وبالصدق، وبالتخطيط للمستقبل. لم يكن يؤمن بالسيطرة، ولا بالتلاعب."
"أعلم." قال نادر بصوت خافت. "كان أبي دائمًا يتحدث عن صقر باشا كعدو. لكنني كنت أرى دائمًا كيف كان يحترمه."
"ربما لم يكن والدك عدوًا، بل منافسًا. والرجل الذي يحترم منافسيه هو الأقوى."
صمت نادر للحظة، ثم قال: "غدًا، في الاجتماع... ماذا ستفعلين؟"
"سأدافع عن إرث والدي." أجابت رغد. "وسأقدم الأدلة التي تثبت أن الشركة قوية، وأن خطط والدي كانت صحيحة."
"هل... هل لديك أدلة؟"
"نعم. ولدي مساعدة. صديق لوالدي، تثق به العائلة. السيد سيف."
"سيف؟ أعرفه. رجل قوي. كان يعمل مع والدك في بعض المشاريع."
"إذًا، أنت تعرف أنه رجل نزيه."
"نعم. لكن والدي... سيحاول أن يحطم كل شيء."
"سنكون مستعدين." قالت رغد، وهي تشعر بأن هناك بصيص أمل. ربما نادر ليس جزءًا من مؤامرة والده. ربما يمكن أن يكون هناك طريق آخر.
"استمع يا نادر." قالت رغد، وهي تخطو خطوة نحوها. "والدي لم يكره أبدًا أي أحد. لقد كان يؤمن بأن كل شخص له قيمته. ربما يجب أن تبحث عن قيمتك أنت. وأن تتخذ قراراتك بنفسك."
ترك نادر القصر، وبدت على وجهه علامات التأمل. رغد، عادت إلى مكتب والدها، شعرت بأنها قد فعلت شيئًا صحيحًا. ربما لم يكن كل شيء مظلمًا.
في صباح اليوم التالي، كان قصر العائلة يستعد للاجتماع. كان قاعة الاجتماعات الفخمة، التي شهدت الكثير من القرارات المهمة، تبدو الآن كساحة معركة.
دخلت رغد، برفقة جدتها سيدة عائشة، والسيد سيف. كان عمها نبيل، رفقة نادر، قد وصلا قبلهما. بدت على وجه نبيل نظرة تحدي، بينما بدا نادر مترددًا.
بدأ نبيل الاجتماع، بصوته العالي. "كما تعلمون، فقدنا اليوم أحد أعمدة هذه العائلة. وهذا يضعنا في موقف حرج. لديّ خطط جاهزة لإنقاذ الشركة من الأزمة التي وقعت فيها."
"أي أزمة يا عمي؟" سألت رغد بهدوء، ثم نظرت إلى سيف.
"نعم، أي أزمة؟" سأل سيف، وهو يفتح ملفه. "حسب السجلات الرسمية، الشركة تحقق أرباحًا ممتازة. وقد قام صقر باشا بتوسيع نطاق أعماله بنجاح كبير."
"هذه مجرد أرقام سطحية." قال نبيل، وهو ينظر إلى نادر، الذي كان يحاول تجنب النظر إلى رغد. "هناك ديون مستحقة، وصفقات خاسرة. يجب أن نبيع بعض الأصول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه."
"أيها العم نبيل." قال سيف، وهو يضع تقريرًا أمامه. "لقد قمت بتحليل دقيق لسجلات الشركة. وهذه الأصول التي تقترح بيعها، هي في الواقع ذات قيمة استراتيجية عالية على المدى الطويل. بيعها الآن سيكون خسارة فادحة."
نظر نبيل إلى التقرير بذهول. لم يكن يتوقع أن يكون لسيف كل هذه المعلومات.
"هذه أكاذيب!" صرخ نبيل. "صقر باشا كان يضعف الشركة عمدًا!"
"هذا غير صحيح." قال سيف، وهو يعرض رسائل متبادلة بين نبيل وبعض الأطراف الخارجية، تكشف عن محاولات نبيل لزعزعة استقرار الشركة. "لقد كان صقر باشا يحاول حماية شركته من أطماعك."
نظر نبيل إلى نادر، الذي كان ينظر إليه بأسى. كان نادر قد أدرك الآن أن والده كان يكذب، وأن كل ما فعله كان مدفوعًا بالرغبة في السيطرة.
"أنا... أنا أعتذر." قال نادر بصوت متقطع. "لم أكن أعرف كل هذا. والدي... لم يخبرني الحقيقة الكاملة."
"لم تفعل." قال نبيل بغضب. "لقد خدعتني يا نادر!"
"لقد خدعت الجميع." قالت رغد، وهي تنظر إلى عمها. "لقد حاولت أن تسرق إرث والدي. لكنك فشلت."
كانت المعركة قد حسمت. لم تكن بالأسلحة، بل بالكلمات، والأدلة، والإرادة. رغد، بفضل والدها، وجدتها، وسيف، قد أثبتت أنها قادرة على حمل الأمانة.