الفصل 5 / 25

الحب الصادق

شباك الندم

بقلم فاطمة النجار

لم يكن صباحاً عادياً في بيت السيد أحمد. كانت شمس الظهيرة قد بدأت في إلقاء أشعتها الذهبية على أسطح البيوت الطينية في الحي القديم، لكن ثقلاً ما خيم على أرجاء الدار. الأحاديث الهامسة، والعبارات المتقطعة، كلها كانت تشير إلى أمر جلل.

في غرفته، جلس خالد كعادته، يقلب صفحات كتاب قديم، لكن عينيه لم تكن تلتقط الحروف. كان عقله غارقاً في دوامة من الأفكار المتشابكة. منذ ليلة أمس، لم يستطع أن يرفع رأسه من حزمة الذكريات التي تهاجمه بلا رحمة. كيف له أن ينسى؟ كيف له أن يتجاوز تلك اللحظة التي انعقد فيها لسانه، وشعر فيها بأن الأرض تبتلعه؟

صوت والدته، الحاجة فاطمة، اخترق سكون الغرفة، وكأنها تناديه من بعيد. "يا خالد، هل أنت نائم؟"

وقف خالد بصعوبة، شعر بثقل في ساقيه، وكأنه لم يمشِ منذ أيام. فتح الباب ببطء، ووجد والدته واقفة في وسط الممر، وجهها يحمل قلقاً عميقاً، وعيناها تبحثان في عينيه عن إجابات.

"ما بك يا بني؟ أراك شاحباً منذ البارحة." قالت بصوت خافت، حنون، ولكن فيه نبرة إنذار.

أراد خالد أن يكذب، أن يقول إنها مجرد إرهاق، لكن الكلمات تجمّدت في حلقه. كيف يشرح لوالدته، تلك المرأة النقية الطيبة، كيف أن حياته بدأت تتشظى بسبب نزوة؟ نزوة ظن أنها مجرد لهو، وأنها زائلة، لكنها تحولت إلى وحش يلتهمه من الداخل.

"لا شيء يا أمي. مجرد قليل من التعب." قال بصوت أجش، حاول جاهداً أن يبدو طبيعياً.

لم يقتنع وجه الحاجة فاطمة. مدت يدها ومسحت جبينه. "ليس تعب جسد، بل تعب روح. أرى في عينيك ما لا تستطيع أن تقوله."

في هذه اللحظة، شعر خالد بحاجة عارمة للتحدث، للتنفيس عن هذا الحمل الذي بات ينوء به. لكن الخوف كان أقوى. الخوف من خيبة أمل والدته، الخوف من رؤية الحزن في عينيها، الخوف من أن يدرك هو نفسه حجم ما ارتكبه.

"لم يكن يجب أن أذهب إلى تلك الليلة." بدأ يتحدث، كلماته متقطعة، كمن ينبش في جرح قديم. "لم يكن يجب أن أوافق على تلك الدعوة."

نظرت إليه والدته بتفهم، ثم أشارت له بالجلوس بجانبها على كرسي خشبي عتيق. "وماذا حدث يا بني؟ تحدث."

أغمض خالد عينيه، وتخيل مرة أخرى تلك الليلة. كان حفل عشاء لبعض الأصدقاء القدامى، دعاه إليه أحدهم. في البداية، تردد، فهو ليس ممن يحبون الاختلاط المبالغ فيه، ولكنه في النهاية استجاب. كانت الأجواء مرحة، والحديث يدور حول أمور الدنيا، ولكن سرعان ما تحول إلى حكايات وأحاديث لم تكن في الحسبان.

"كانوا يتحدثون عن ... عن أمور لم أعتد عليها." قال بصوت مكتوم. "وعن ... عن طريقة معينة في قضاء الوقت لم أكن أعرفها. و ... ولقد ... لقد جربت."

شعر خالد بغصة في حلقه. طعم تلك اللحظة، طعم الخطأ، ما زال عالقاً في فمه. كان مجرد مرة، ظن أنها ستكون الوحيدة، لكنها لم تكن كذلك. فقد أصبحت عادة، عادة بدأت تتسلل إلى حياته، تمتص منه وقته وطاقته، بل والأهم، نور روحه.

"هل أنت تتحدث عن ... عن شيء حرمه الله يا خالد؟" سألت والدته بصوت يرتجف قليلاً.

أومأ خالد ببطء. لم يستطع أن يرفع عينيه. كانت كلمات والدته كالصواعق، تضرب أعمق نقطة في وجدانه. لقد وصل الأمر إلى هذا الحد؟ أين ذهب خالد الذي عرفته أمه؟ أين ذهب الشاب الذي كان يقضي وقته في المسجد، وفي طلب العلم، وفي بر والديه؟

"لقد ... لقد أدمنت يا أمي." اعترف بصوت خافت، يكاد يكون همساً. "لم أعد أستطيع التوقف. كلما حاولت، عادت بي الرغبة أقوى."

ألقت الحاجة فاطمة بنفسها في حضن ابنها، وضمتها بقوة. "يا بني، يا فلذة كبدي. لم أكن أتخيل أن يصل بك الأمر إلى هذا. ولكن أبشر، باب الله مفتوح، والتوبة مقبولة."

بكت الحاجة فاطمة، وبكى خالد معها. كان بكاء ندماً، وبكاء أمل. أمل في أن يجد طريقة للخروج من هذا المستنقع الذي ورط نفسه فيه.

"لقد رأيت ... رأيت فتاة ... فتاة جميلة جداً في ذلك المجلس." قال خالد فجأة، وكأن هذه الذكرى، رغم قساوتها، كانت تحمل بصيصاً من شيء آخر.

رفعت والدته رأسها، ونظرت إليه بدهشة. "فتاة؟ من هي؟"

"اسمها ... اسمها سلمى. ابنة عم السيد فوزي." قال خالد، وشعر بأن قلبه يخفق بشكل غريب. "لقد رأيتها لوهلة، ولكنها تركت أثراً في نفسي. أردت أن أعود إليها، ولكن ... ولكنني كنت مشغولاً ... بأمور أخرى."

كان هذا الاعتراف مفاجئاً للحاجة فاطمة. لم تكن تعلم أن ابنها، في خضم معركته مع هذا الإدمان، كان يرى أيضاً شيئاً جميلاً. "سلمى؟ يا لها من فتاة طيبة. رأيتها مرات عدة، ولكن لم أسمع عنها إلا كل خير. هل ... هل أنت تفكر فيها؟"

تردد خالد. لم يكن متأكداً. هل كان ما يشعر به تجاه سلمى حباً، أم مجرد إعجاب عابر، أم ربما هروب من واقعه الأليم؟ "لا أدري يا أمي. كل ما أعرفه هو أنني عندما رأيتها، شعرت بشيء مختلف. شعور بالصفاء. شعور بالهدوء. شعور ... شعور لم أجده في شيء آخر."

"الحمد لله." قالت والدته، وقد عادت ابتسامة خجولة إلى شفتيها. "إذاً، هناك أمل. هناك ما يدفعك لتتجاوز هذا. يا خالد، الحياة ليست مجرد معركة مع الشر، بل هي أيضاً بحث عن الخير. والخير في الزواج، وفي بناء أسرة صالحة، وفي رضا الله."

"ولكن كيف؟" سأل خالد، والإحباط يعود ليخيم على صوته. "كيف أواجه هذا؟ كيف أعود إلى صوابي؟"

"بالتوبة النصوح، وبالدعاء، وبالصحبة الصالحة، وبالابتعاد عن مواطن الفتن." قالت الحاجة فاطمة بحزم. "وسنقف معك. أبوك سيقف معك. وسأقف معك. وسنحاول أن نجد لك حلاً. ولكن الأهم، أن تكون أنت راغباً في التغيير."

نظرت الحاجة فاطمة في عيني ابنها، وبدأت تشعر ببعض الأمل. ربما كان هذا الإدمان، بهذا القدر من الألم، هو الشرارة التي ستوقظه من سباته. ربما كانت صورة سلمى، تلك الفتاة النقية، هي المرساة التي ستربطه بالحياة الطيبة.

"ما رأيك لو ... لو طلبت يد سلمى؟" قالت الحاجة فاطمة، وكأنها تقفز إلى المجهول. "ربما رؤيتها، والتفكير في مستقبل طيب معها، سيكون دافعاً قوياً لك."

صدم خالد بهذا الاقتراح. طلب يد سلمى؟ وهو في حالته هذه؟ "يا أمي، كيف؟ أنا ... أنا لست مؤهلاً."

"التوبة تجعل الإنسان مؤهلاً يا بني." ردت والدته بحنان. "والله غفور رحيم. وسنساعدك. سأتحدث مع أمها، السيدة زينب. أعرفها منذ زمن. هي امرأة صالحة، وزوجها رجل فاضل. إذا رأوا صدق نواياك، ورأوا رغبتك في إصلاح نفسك، فسيقبلون."

لم يكن خالد يعلم ماذا يقول. كل شيء كان يتسارع. هل كان قادراً على هذه الخطوة؟ هل كان يستحق فرصة كهذه؟ لكن في أعماقه، شعر بشيء ينمو. شيء يشبه الأمل، ولكن أقوى. شيء يشبه الرغبة في أن يصبح أفضل.

"سأفكر في الأمر يا أمي." قال خالد، وخرج من الغرفة، وترك والدته تدعو له في صمت.

وقف عند النافذة، ينظر إلى السماء الصافية. هل يمكن حقاً أن يتجاوز ما كان؟ هل يمكن أن يبدأ من جديد؟ وشيئاً فشيئاً، بدأت صورة سلمى تتجسد في ذهنه، بابتسامتها الهادئة، وعينيها اللامعتين. هل كانت هي المفتاح؟ هل كانت هي الخلاص؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%