الفصل 7 / 25

الحب الصادق

خيوط متوترة

بقلم فاطمة النجار

بعد الخطوة الأولى، أي بعد أن وافق السيد فوزي على مبدئية تقدم خالد لخطبة سلمى، أخذت الأمور مساراً جديداً. لم يكن الأمر مجرد اتفاق بين عائلتين، بل كان بداية لمرحلة دقيقة، تتطلب الكثير من الصدق، والشفافية، والصبر.

تحدثت السيدة زينب، والدة سلمى، مع ابنتها. لم تكن سلمى تعلم شيئاً عن ماضي خالد. كانت تعرفه كشاب من العائلة، يتمتع بقدر من الهدوء والاحترام. عندما روت لها والدتها القصة، بصورة مختصرة، مع التركيز على توبة خالد ورغبته في التغيير، تلقت سلمى الخبر بصمت.

"يا أمي،" قالت سلمى أخيراً، صوتها خفيض، ولكن فيه قوة. "هل أنت متأكدة مما تقولين؟ هل خالد حقاً تاب؟"

"نعم يا ابنتي. السيد أحمد، والد خالد، رجل له كلمة. والحاجة فاطمة، والدته، امرأة تخاف الله. وقد أخبرا عن قصة خالد، عن ضعفه، وعن توبته. ورأينا في عينيه، وفي عينيه، صدق هذه التوبة."

"ولكن، هل أخبروه بكل شيء؟ هل يعرفون، وهل يعرف هو، حجم الخطأ؟" سألت سلمى، وكان في صوتها قلق مشروع.

"لقد اعترف بخطئه، يا سلمى. وهذا بحد ذاته، خطوة كبيرة. الأهم هو ما سيفعله من الآن فصاعداً. والأهم، هو أن نرى منه الصدق في التعامل معك، وفي بناء حياتكما."

"أتمنى ذلك يا أمي." قالت سلمى. "أتمنى أن يكون حقاً قد تغير. ولكني، أحتاج أن أراه. أحتاج أن أتحدث معه. أريد أن أتأكد بنفسي."

في هذه الأثناء، كان خالد يعيش حالة من الترقب. كان ينتظر أن تسمح له ظروف العائلة، وظروفهم، بأن يلتقي بسلمى. لم يكن يريد أن يكون اللقاء عادياً، بل يريد أن يكون لقاءً يحمل معه صدق مشاعره، ورغبة في بناء مستقبل طيب.

بعد أيام، تم ترتيب أول لقاء بين خالد وسلمى، تحت إشراف والدته ووالدته. كان اللقاء في حديقة المنزل، تحت ظل شجرة ياسمين عطرة. جلس خالد بجانب والدته، وسلمى بجانب والدتها. كان الصمت هو السمة الغالبة في البداية.

نظر خالد إلى سلمى. كانت أجمل مما تخيل. عيناها واسعتان، تحملان نوراً وبريقاً، وابتسامتها خجولة، ولكنها تبعث على الارتياح. شعر بأن قلبه يخفق بقوة، ولكن هذه المرة، لم يكن خوفاً، بل كان شعوراً مختلطاً بالرهبة، والرجاء، والحب.

"السلام عليكم." قال خالد بصوت هادئ، يحاول أن يظهر فيه كل الاحترام.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." ردت سلمى، صوتها ناعم، ولكن فيه ثبات.

بدأت الحاجة فاطمة حديثاً عاماً، يتناول أمور العائلة، والأحوال. ثم، التفتت إلى خالد. "يا بني، الآن، هذا وقتك. تحدث مع سلمى. أخبرها بما في قلبك."

شعر خالد بأن كل الأنظار مسلطة عليه. أخذ نفساً عميقاً، وبدأ يتحدث. لم يكن كلامه عن إدمانه، لم يكن هذا هو الوقت المناسب. بل تحدث عن رؤيته لمستقبله، عن رغبته في بناء أسرة صالحة، عن قيمه، وعن احترامه لتعاليم الدين.

"سلمى،" قال خالد، وهو ينظر إليها مباشرة. "عندما رأيتك، شعرت بأنني أمام نور. نور يدفعني إلى الأمام، نور يجعلني أرغب في أن أكون أفضل. أنا أعرف أنني لست كاملاً، وأنني قد أخطأت في الماضي. ولكن، ما أريده هو أن أصحح مساري، وأن أعيش حياة طيبة، وأن أبني معكِ مستقبلاً مباركاً."

كانت سلمى تستمع باهتمام. كانت عيناها تبحثان في عينيه عن صدق كلامه. كان في صوته شيء من الألم، شيء من الندم، ولكنه كان أيضاً يحمل إصراراً وأملاً.

"خالد،" قالت سلمى بصوت هادئ. "كلنا نخطئ. المهم هو كيف نتعامل مع أخطائنا. والدتي أخبرتني ببعض الأمور. وأنا، يهمني أن أعرف منك، أنت. هل أنت حقاً مستعد لتغيير حياتك؟ هل أنت مستعد لأن تتحمل مسؤولية بناء أسرة؟"

"أنا مستعد." قال خالد بحزم. "وأنا، سأظل أتعلم، وسأظل أحاول أن أكون أفضل، من أجلي، ومن أجلك، ومن أجل من سيأتي بعدنا."

"وماذا عن ... عن تلك الفترة الصعبة التي مررت بها؟" سألت سلمى، بتردد. "هل يمكنك أن تخبرني عنها؟ أريد أن أفهم. أريد أن أكون بجانبك، إذا كنت حقاً تريد التغيير."

كان هذا السؤال مفاجئاً لخالد. لم يكن يتوقع أن تسأله سلمى مباشرة عن ماضيه. شعر بالخجل، ولكنه أدرك أن هذه هي الفرصة. الفرصة ليظهر لها أنه لا يخفي شيئاً، وأن صدقه هو الأساس.

"سلمى،" بدأ خالد، وصوته أصبح أكثر هدوءاً، ولكن فيه عمق. "لقد وقعت في فخ إدمان. فخ بدأ بلهو، وانتهى بأسوأ ما يمكن أن يتخيل الإنسان. لقد أضعت الكثير من وقتي، الكثير من طاقتي، والكثير من نفسي. ولكن، بفضل الله، وبدعم من عائلتي، بدأت أرى النور. وأنا، أعدك، بأنني لن أعود إلى تلك الطريق أبداً."

نظر خالد إلى وجه سلمى. كانت عيناها مليئتين بالشفقة، وبالفهم. لم يكن هناك حكم، بل كان هناك تعاطف.

"أنا أقدر صدقك يا خالد." قالت سلمى. "هذا ما كنت أحتاجه. أن أعرف أنك لن تخفي عني شيئاً. وأنك مستعد لمواجهة ماضيك، ومواجهة مستقبلك. أنا، أرغب في أن أمنحك فرصة. ولكن، هذه الفرصة، تتطلب منك الكثير من الجهد، والكثير من الصبر. وأنا، سأكون معك، أدعمك، ولكن، لن أسمح لأي ضعف أن يؤثر على حياتنا."

شعر خالد بارتياح كبير. لقد تجاوز مرحلة الخوف، ودخل مرحلة الأمل. لقد منحته سلمى فرصة، ولم تكن مجرد فرصة، بل كانت وعداً بالدعم.

"شكراً لكِ سلمى." قال خالد، بصوت ممتن. "لن أخذلكِ. وسأعمل بجد، لأثبت لكِ، ولنفسي، ولله، أنني أستحق هذه الفرصة."

في تلك اللحظة، وبينما كانت الشمس تغرب، ويلقي بظلالها الطويلة على الحديقة، شعر خالد بأن خيطاً رفيعاً، ولكنه قوي، قد نسج بينه وبين سلمى. خيط من الأمل، من الثقة، ومن الحب الصادق.

ولكن، لم تكن الأمور بهذه البساطة. ففي زاوية أخرى من هذه القصة، كان هناك من يراقب، من يحمل في قلبه شيئاً آخر.

كان عمر، ابن عم سلمى، وهو شاب طموح، ولكنه يحمل في نفسه غروراً. كان يحب سلمى، ولكنه كان يحبها بطريقة تتناسب مع طموحاته، مع رغبته في السيطرة. عندما علم بخطبة خالد، شعر بالغضب.

"كيف لخالد، هذا الشاب الضعيف، أن يتقدم لسلمى؟" قال عمر لنفسه، وهو يسير في أرجاء بيته. "سلمى تستحق أفضل مني. ولكن، لن أسمح لهذا أن يحدث. لن أسمح لخالد، الذي عرفته، أن يتزوج سلمى."

كان عمر يحمل في قلبه شيئاً من العداوة لخالد، فقد كان يراه دائماً متفوقاً عليه في الدراسة، وفي احترام الآخرين. والآن، جاءت هذه الفرصة، ليبين لخالد، ولكل العائلة، أنه هو الأجدر بسلمى.

بدأ عمر يجمع المعلومات عن خالد. كان يعلم بضعف خالد، وبماضيه. وظن أن هذه هي نقطة الضعف التي سيستخدمها.

"سأجد طريقة،" همس عمر لنفسه، وعيناه تلمعان بالخبث. "سأجعل الجميع يعرف حقيقة خالد. وسأجعل سلمى تكرهه. عندها، سأكون أنا الخيار الوحيد."

كانت هناك خيوط تتنازع، خيوط حب، وخيوط كراهية، وخيوط طموح. وكان خالد، في خضم كل هذا، يحاول أن يبني مستقبله، متشبثاً بأمل، ولكنه كان يعلم، أن الطريق لن يكون سهلاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%