قصة حب الجزء الثالث
على أعتاب الغروب، نبضٌ من الماضي
بقلم ليلى الأحمد
وقفَ أحمدُ على شرفةِ بيتِ جدهِ، يستنشقُ هواءَ الأمسيةِ الذي يعبقُ برائحةِ الياسمينِ والعودِ، تتسللُ خيوطُ الشمسِ الذهبيةِ لتُلونَ السماءَ بظلالٍ قانيةٍ، وكأنها لوحةٌ فنيةٌ رسمتها يدٌ قادرةٌ. في يدِهِ، لم تكنْ مجردُ ورقةٍ، بل كانتْ مفتاحاً عالماً من الذكرياتِ التي طالما ظنَّ أنها دفنتْ تحتَ رمالِ الزمنِ. كانتْ الرسالةُ قد وصلتْ هذا الصباحَ، خفيفةً بحجمِها، لكنها ثقيلةٌ بحمْلِها. خطٌ أنيقٌ، مألوفٌ، ولكنهُ غريبٌ في الوقتِ ذاتِهِ، كوجهٍ لم ترَهم منذُ سنواتٍ لكنكَ تشعرُ بأنكَ تعرفهُ عن ظهرِ قلبٍ.
"يا أحمد، بلغني أنك عدتَ من غربتكَ الطويلة. لم أكنْ أعلمُ أنَّ الأقدارَ ستُعيدُكَ إلى هذهِ الأرضِ التي جمعتنا يوماً. هناكَ أمورٌ تستوجبُ اللقاءَ، وحقٌ بيننا لم يُوفَّ. أرجو أن تُقابلني عندَ الغروبِ في المقهى القديمِ، حيثُ بدأتْ حكايتنا وانتهتْ. صديقتكَ القديمة، ليلى."
ليلى. اسمٌ واحدٌ استطاعَ أن يُعيدَ صدى أيامٍ مضتْ، أيامٍ كانَ فيها القلبُ نابضاً بالأحلامِ، والروحُ مُترفعةً في سماءِ الأماني. رفعَ أحمدُ بصرَهُ نحو الأفقِ، حيثُ تتوارى الشمسُ شيئاً فشيئاً خلفَ جبالٍ خضراءَ، تاركةً خلفها وشاحاً من السكونِ. كانَ يعلمُ أنَّ لقاءَ ليلى لن يكونَ مجردَ لقاءٍ عابرٍ، بل هوَ فتحٌ لبابٍ طالما أوصدَهُ بصلابةٍ، بابٌ يؤدي إلى زوايا نفسِهِ التي لم يزرها منذُ زمنٍ بعيدٍ.
عادَ بذاكرتِهِ أدراجَ السنينِ. كانَ في ريعانِ شبابِهِ، يسيرُ في دروبِ الحياةِ بخطىً واثقةٍ، يملؤهُ طموحٌ لا يعرفُ الحدودَ. ثمَّ ظهرتْ ليلى، كنسمةٍ ربيعيةٍ تُنعشُ روحهُ، وبسمةٍ تُذيبُ جليدَ وحدتِهِ. كانتْ عيناها، بلونِ العسلِ، تحملانِ بحراً من المشاعرِ، وصوتُها، كخيوطِ الحريرِ، ينسابُ على مسامعِهِ ليُلهبَ فيهِ جنوناً بريئاً. تشاركا أجملَ لحظاتِ العمرِ، أحلامٌ ورديةٌ، ووعودٌ صامتةٌ، ونظراتٌ أبلغُ من ألفِ كلمةٍ. كانا يتجولانِ في بساتينِ بلدتهِ، تحتَ ظلالِ أشجارِ الزيتونِ، يتحدثانِ عن المستقبلِ، عن بيتٍ صغيرٍ، وعن حياةٍ مليئةٍ بالحبِّ والسعادةِ.
لكنَّ الحياةَ، كعادةِ الزمانِ، تخبئُ لنا مفاجآتٍ لم نكنْ نتوقعها. جاءَ الفراقُ، ليسَ عن عمدٍ، بل كانَ قضاءً وقدرًا، فُرضَ عليهِ السفرُ لطلبِ العلمِ، لتبدأَ رحلةُ الغربةِ، ورحلةُ النسيانِ القسريِّ. حاولَ جاهداً أن ينسى، أن يتجاوزَ، لكنَّ صورَ ليلى كانتْ تُلازِمُهُ كظلِّهِ. مرَّتْ سنواتٌ طويلةٌ، قاسيةٌ، حملتْ معها تجاربَ أثرتْ فيهِ، صقلتْ شخصيتَهُ، وجعلتهُ أكثرَ حذراً، وأكثرَ واقعيةً. تعلمَ كيفَ يبني جدرانًا حولَ قلبِهِ، كيفَ يُخفي مشاعِرَهُ خلفَ ابتسامةٍ باهتةٍ.
الآنَ، ها هوَ يعودُ، لا بشوقِ العائدِ لوطنِهِ، بل برغبةٍ دفينةٍ في استعادةِ جزءٍ مفقودٍ من نفسِهِ. الرسالةُ كانتْ كصعقةٍ كهربائيةٍ، أيقظتْ فيهِ ما كانَ نائماً. هل ليلى نفسها التي عرفها؟ هل ما زالتْ تحملُ نفسَ البراءةِ والرقةِ؟ أم أنَّ السنينَ قد غيرتها كما غيرتْهُ؟
نظرَ إلى ساعةِ يدِهِ. بقيَ وقتٌ قصيرٌ قبلَ الغروبِ. ارتدى ثوبَهُ الأنيقَ، وانطلقَ نحو المقهى القديمِ. كانَ المقهى ما زالَ على هيئتِهِ، بجدرانِهِ الحجريةِ القديمةِ، وأخشابِهِ التي صمدتْ أمامَ عواصفِ الزمنِ. رائحةُ القهوةِ العربيةِ تفوحُ من داخلهِ، تمتزجُ بصوتِ أحاديثَ خافتةٍ. اختارَ طاولةً في زاويةٍ بعيدةٍ، وجلسَ ينتظرُ.
ارتعشتْ يداهُ قليلاً. كانَ يشعرُ بتوترٍ غريبٍ، توترٌ لم يعرفْهُ منذُ زمنٍ. ثمَّ، دخلتْ.
لم تكنْ كالصورةِ التي رسمتها ذاكرتُهُ. كانتْ أكثرَ نضجاً، وأكثرَ جمالاً، جمالٌ يجمعُ بينَ الرقةِ والرزانةِ. شعرُها الأسودُ، الذي كانَ ينسدلُ كشلالٍ، أصبحَ مُصففاً بأناقةٍ، وعيناها، ما زالتْ بنفسِ اللونِ، لكنها تحملُ الآنَ عمقاً جديداً، عمقاً اكتسبتهُ من تجاربَ الحياةِ. ارتدتْ حجاباً بلونِ السماءِ، وعباءةً سوداءَ تُظهرُ من رقتها ما يُبهرُ.
وقفتْ أمامَ طاولتِهِ، بابتسامةٍ خفيفةٍ ارتسمتْ على شفتيها. "أهلاً أحمد."
كانَ صوتُها، نعم، كانَ صوتُها، لم يتغيرْ كثيراً، فيهِ نغمٌ موسيقيٌّ ساحرٌ. "أهلاً ليلى." لم يستطعْ أن يضيفَ أكثرَ من ذلكَ، شعرَ أنَّ الكلماتِ تبخرتْ في الهواءِ.
جلستْ أمامهُ، ووضعتْ حقيبتَها على الكرسيِّ المجاورِ. "أتمنى أن لا أكونَ قد أزعجتكَ بطلبي."
"لا أبداً." أجابَ أحمدُ، محاولاً استعادةَ رباطةِ جأشِهِ. "كنتُ سعيداً بسماعِ أخبارِكِ."
"والآنَ، ما الذي أتى بكَ إلى هنا؟" سألتْ، وعيناها تحدقانِ فيهِ بفضولٍ هادئٍ.
"عدتُ لأستقرَّ هنا. العملُ استدعى عودتي." كانَ هذا نصفُ الحقيقةِ.
"وهل استقرَّ قلبكَ أيضاً؟" سألتْ بكلماتٍ خرجتْ كهمسةٍ، ولكنها اخترقتْ جدرانَ قلبِهِ.
صمتَ أحمدُ. لم يكنْ يعرفُ كيفَ يجيبُ. قلبُهُ؟ نعم، كانَ ما زالَ يحملُ آثارَ جروحٍ قديمةٍ، ولكنَّ مجردَ رؤيةِ ليلى أعادَ فيهِ نبضاً كانَ يظنُّ أنَّهُ خبا.
"كانَ بيننا أمرٌ معلقٌ يا أحمد." قالتْ ليلى، وعيناها تجولانِ في المكانِ، وكأنها تسترجعُ ذكرياتٍ بعيدةٍ. "ذكرى، ووعدٌ، وحقٌ."
"ما هوَ هذا الحقُّ الذي تتحدثينَ عنهُ؟" سألَ أحمدُ، وهوَ يشعرُ بأنَّ قلبَهُ يدقُ بعنفٍ.
"ذكرى يومٍ مشهودٍ." قالتْ، ثمَّ توقفتْ، وكأنها تستجمعُ شجاعتها. "يومَ وعدتني فيهِ بالزواجِ، قبلَ أن تسافرَ."
اتسعتْ عينا أحمدُ. لم يذكرْ أنهُ وعدها بالزواجِ بشكلٍ رسميٍّ. كانتْ وعوداً بينَ عاشقينِ، كلماتٌ تخرجُ من القلبِ دونَ تخطيطٍ. لكنَّ ليلى كانتْ ترى الأمرَ بشكلٍ مختلفٍ.
"لا أتذكرُ أنني وعدتُكِ بالزواجِ بشكلٍ رسميٍّ." قالَ أحمدُ، محاولاً أن يبدوَ هادئاً، لكنَّ صوتهُ كانَ يرتعشُ قليلاً.
"ربما لم يكنْ رسمياً بالكلماتِ، لكنهُ كانَ أعمقَ من ذلكَ. كانتْ نظراتُكَ، كانتْ أحلامُنا المشتركةُ، كانتْ تلكَ الباقاتُ من الزهورِ التي كنتَ تجلبُها لي كلَّ أسبوعٍ. هل نسيتَ كلَّ ذلكَ؟"
تنهدَ أحمدُ. نعم، لم ينسَ. لكنَّهُ كانَ يرى الأمورَ من منظورٍ آخرَ. كانَ شاباً صغيراً، مليئاً بالأحلامِ، ثمَّ اضطرَّ للسفرِ. "ليلى، الظروفُ كانتْ أقوى منا. لم يكنْ باستطاعتي أن أبقى. ولم يكنْ باستطاعتي أن أعدَ بشيءٍ لم أكنْ متأكداً من أنني أستطيعُ تحقيقهُ."
"لكنكَ تركتني في انتظارٍ طويلٍ. تركتني أتساءلُ. ثمَّ، بعدَ سنواتٍ، سمعتُ أنكَ تزوجتَ." قالتْ ليلى، وفي صوتِها بحةٌ خفيفةٌ.
تجمَّدَ أحمدُ. هذا صحيحٌ. تزوجَ في الغربةِ. لكنَّ تلكَ الزيجةَ كانتْ تجربةً قاسيةً، لم تجلبْ لهُ سوى الألمِ وخيبةِ الأملِ. انتهتْ بالطلاقِ بعدَ فترةٍ قصيرةٍ. لم يستطعْ أن يتحدثَ عنها.
"هذا… هذا أمرٌ معقدٌ يا ليلى." قالَ أحمدُ، ناظراً إلى أكوابِ القهوةِ أمامَهُ.
"معقدٌ؟" رفعتْ ليلى حاجبَها. "الصدقُ ليسَ معقداً يا أحمد. والاعترافُ بالخطأِ ليسَ معقداً. ما هوَ المعقدُ في الأمرِ؟"
"الشعورُ بالذنبِ، والمسؤوليةِ." قالَ أحمدُ، أخيراً قررَ أن يواجهَ الأمورَ. "عندما سافرتُ، لم أكنْ أدركُ حجمَ تأثيرِ غيابي عليْكِ. ثمَّ، في الغربةِ، شعرتُ بالوحدةِ، وبالحاجةِ إلى وجودِ شخصٍ بجانبي. واتخذتُ قراراً خاطئاً. ثمَّ اكتشفتُ أنَّ قلبي لم يكنْ يوماً لغيرِكِ."
نظرتْ ليلى إليهِ، وفي عينيها لمعةٌ غريبةٌ، مزيجٌ من الحزنِ والأملِ. "ولماذا لم تُخبرني؟ لماذا تركتني أعيشُ في وهمٍ؟"
"خفتُ. خفتُ أن أُفسدَ عليكِ حياتَكِ. خفتُ أن أكونَ عبئاً. ثمَّ، بعدَ الطلاقِ، لم أجدْ الشجاعةَ الكافيةَ لأعودَ وأواجهَكِ."
"فمنْ أينَ جاءتْ هذهِ الرسالةُ الآنَ؟" سألتْ ليلى، وفي صوتِها نبرةٌ قويةٌ.
"الشعورُ بالواجبِ. والشعورُ بأنَّ هناكَ حقاً يجبُ أن يُوفَّى. ورغبتي في أن أُصلحَ ما أفسدتُ." قالَ أحمدُ، ناظراً في عينيها مباشرةً. "أتيتُ لأنكِ دعوتِني، ولأنني أريدُ أن أسمعَ منكِ، وأُصلحَ ما استطعتُ إصلاحَهُ."
كانَ الجوُّ متوتراً، مليئاً بالكلماتِ غيرِ المنطوقةِ، والذكرياتِ المتناثرةِ. في زاويةِ المقهى، كانَ صوتُ فيروزِ يُغني عن الحبِّ القديمِ، وكأنَّهُ يُعلقُ على المشهدِ.
"وماذا عنْ حكايتنا يا أحمد؟" سألتْ ليلى، بصوتٍ أكثرَ هدوءاً، لكنهُ أشدُّ اختراقاً. "هل ما زلتَ ترى فيَّ مجردَ ذكرى؟ أم أنَّ هناكَ مجالاً لحكايةٍ جديدةٍ؟"
كانَ هذا السؤالُ هوَ بيتَ القصيدِ. كانَ أحمدُ قد أتى ليبدأَ، ولكنَّهُ لم يتوقعْ أن تكونَ البدايةُ بهذهِ القوةِ، وبهذهِ الصراحةِ. كانتْ ليلى تقفُ أمامهُ، كمرآةٍ تعكسُ كلَّ ماضيهِ، وحاضرهِ، ومستقبلِهِ المحتملِ.
"ليلى،" بدأَ أحمدُ، بكلماتٍ خرجتْ من أعماقِ قلبِهِ، "لم تكوني مجردَ ذكرى يوماً. كنتِ وما زلتِ… أعمقَ من ذلكَ."
كانَ الغروبُ قد ألقى بآخرِ خيوطِهِ الذهبيةِ، وها هوَ الظلامُ ينسدلُ، ولكنَّ نورَ الأملِ، أو ربما نورَ الشكِّ، قد بدأَ يسطعُ في عينيَّ ليلى وأحمدَ. هل ستكونُ هناكَ فرصةٌ أخرى؟ هل يمكنُ لحكايةٍ قديمةٍ أن تبدأَ من جديدٍ؟