قصة حب الجزء الثالث
أشباح الماضي ونداء الواجب
بقلم ليلى الأحمد
جلست والدة زينب، السيدة فاطمة، في غرفتها، يلفها صمت عميق. كانت تفكر في المكالمة التي جرت بينها وبين أختها. كانت تعرف أن الوقت قد حان لكشف بعض الأسرار، ولكنها كانت تخشى أن يؤثر ذلك سلباً على ابنتها. لقد اعتادت زينب على حياة هادئة، بعيدة عن المشاكل المعقدة.
عندما دخلت زينب، ورأت والدتها شاردة الذهن، جلست بجانبها، وضمتها بحنان. "أمي، هل أنت بخير؟"
نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها، ورأت في عينيها قلقاً واضحاً. "أنا بخير يا حبيبتي. فقط أفكر في بعض الأمور."
"هل الأمر يتعلق بحديثك مع عمتي؟" سألت زينب بجرأة. "سمعت أنك قلقة، وأن هناك أموراً يجب أن نتصرف بشأنها."
تنهدت السيدة فاطمة، وبدأت تشعر بثقل المسؤولية. كانت تعلم أن التكتم لن يدوم طويلاً. "نعم يا ابنتي، هناك أمر يتعلق بعائلتنا، أمر قديم، ولكنه بدأ يظهر من جديد."
بدأت السيدة فاطمة تحكي لابنتها قصة والدها، الشيخ عبد الرحمن. كانت قصة معقدة، مليئة بالشراكة والخلاف. "قبل سنوات طويلة، عندما كان والدك شاباً، كان لديه شريك في تجارة. كان هذا الشريك شخصاً يدعى 'كمال'. كانا صديقين حميمين، وبدآ عملاً تجارياً كبيراً معاً. كان الشيخ عبد الرحمن صاحب فكرة، وكمال صاحب المال والخبرة في السوق. حققوا نجاحاً باهراً في البداية."
"ولكن،" تابعت السيدة فاطمة، بأسى، "شعر كمال بالغيرة من نجاح والدك. لقد بدأ يستغل ثقة والدك، ويقوم ببعض الصفقات المشبوهة خلف ظهره. عندما اكتشف والدك الأمر، حاول أن يواجهه، ولكنه وجد أن كمال قد استنزف جزءاً كبيراً من أموال الشركة. حدث خلاف كبير بينهما."
"وعندما حاول والدك أن يطالب بحقه، وجد نفسه في ورطة. لقد استخدم كمال بعض النفوذ ليلقي باللوم على والدك. اضطر والدك، للدفاع عن سمعته، ولكي يتجنب مشاكل أكبر، أن يتنازل عن جزء كبير من حصته، ويسدد مبلغاً كبيراً من المال. لقد كانت فترة صعبة جداً على والدك، تركته يشعر بالمرارة، ولكنه لم يرد أن يفسد حياته بالتشاجر المستمر."
"ولكن،" قالت السيدة فاطمة، بنبرة تحذير، "كمال لم ينتهِ. لقد أصبح أغنى وأكثر نفوذاً، وبدأ يستغل ثغرات في القانون لإدارة أمواله. وأنا أخشى أن يكون له علاقة بالمشاكل التي يواجهها سالم الآن. سمعت أن سالم كان يعمل مع أشخاص لهم علاقة بماضي والدك. وهذا يثير قلقي بشدة."
كانت زينب تسمع والدتها بصدمة. لم تكن تتخيل أن والدها، الذي كانت تراه مثالاً للنزاهة، قد مر بمثل هذه التجربة. "ولكن، أمي، ما علاقة هذا بـ 'حمايتي'؟"
"أخشى يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة، وهي تشد على يد ابنتها، "أن يكون كمال هو نفسه الشخص الذي كان يتحدث عنه سالم، وأنه يحاول الآن أن ينتقم من والدك، أو ربما يستغل سالم للانتقام. لقد علمت من أختي أن كمال لم ينتهِ، وأنه لا يزال لديه علاقات مشبوهة. وربما يريد استعادة شيء ما، أو ربما يريد أن يدمر سمعة عائلة والدك. ونحن، عائلتك، يجب أن نكون مستعدين للدفاع عن أنفسنا."
"ولكن سالم قال إن الشريك الآخر كان اسمه 'كمال'، وليس 'الشيخ عبد الرحمن'. هل هناك خطأ؟" سألت زينب.
"عفواً يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة، "لقد أخطأت في التسمية. اسم الشريك الذي كان مع والدك هو 'كمال'. أما الشيخ عبد الرحمن، فهو رجل آخر كان له علاقة بوالدك في فترة سابقة، وكان له دور في مساعدته بعد خلافه مع كمال. ولكن المشكلة الأساسية الآن تبدو مرتبطة بكمال."
كانت هذه المعلومات كافية لتغيير نظرة زينب للأمور. لم تعد المشكلة مجرد ورطة مالية لسالم، بل أصبحت قضية عائلية، مرتبطة بتاريخ والدها.
"ولكن، أمي، إذا كان سالم في ورطة مع هؤلاء الأشخاص، فهل يمكن أن يكونوا هم أنفسهم الأشخاص الذين عمل معهم والدك في الماضي؟" سألت زينب، وعيناها مليئة بالقلق.
"هذا هو ما أخشاه، يا زينب،" قالت السيدة فاطمة. "ربما يكون كمال قد أصبح أكثر نفوذاً، ويستخدم أشخاصاً آخرين لتنفيذ مخططه. لقد سمعت أن بعض رجال الأعمال الذين كانوا يتعاملون مع كمال، لم يكونوا أشخاصاً يتصفون بالأمانة. ويجب أن نتأكد من أن سالم لم يقع فريسة لهم."
"لقد تحدثت مع سالم،" قالت زينب، "وهو يعلم بوجود مشكلة، ولكنه لم يكن يعلم بهذه التفاصيل. لقد كان يتكتم لأنه أراد أن يحميني. ولكنه الآن يعرف أننا سنكون معه."
"هذا جيد جداً يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة، وارتسمت على وجهها ابتسامة ضعيفة. "ولكن علينا أن نكون حذرين جداً. لقد كان كمال شخصاً ماكراً، ولا يرحم. ويجب أن نتأكد من أن كل شيء نسير فيه واضح وصحيح، ولا يخالف شرع الله."
"بالتأكيد يا أمي،" قالت زينب، وهي تشعر بقوة عزمها. "سالم رجل طيب، ولن يتورط في شيء مخالف للشرع. أنا متأكدة من ذلك."
وبينما كانت زينب تتحدث مع والدتها، كان سالم قد اتصل بها. "زينب، لقد وجدت شيئاً غريباً. لقد اكتشفت أن الشركة التي كنت أعمل معها، لها علاقات مع شركة أخرى. وهذه الشركة الأخرى، يبدو أن لها علاقة بماضي والدك."
"ماذا تقصد؟" سألت زينب، وقلبها يدق بقوة.
"لقد بحثت في سجلات الشركات، ووجدت أن اسم 'كمال' يظهر بشكل متكرر في ارتباطات تجارية مع الشركة التي تورطت فيها. وقد يكون هناك علاقة بين 'كمال' الذي تتحدث عنه والدتك، و'كمال' الذي يعمل في هذه الشركة."
كان هذا الاعتراف دليلاً دامغاً. كانت الأمور تتكشف ببطء، وكانت الحقيقة أشد وأكثر تعقيداً مما تخيل أي منهم.
"سالم،" قالت زينب، وهي تحاول أن تبدو هادئة، "لقد تحدثت مع والدتي. وهي تعلم قصة والدك مع رجل يدعى 'كمال'. ويبدو أن هناك علاقة بين هذا 'الكمال' والمشاكل التي تواجهها الآن."
صمت سالم قليلاً، ثم قال: "يبدو أننا ندخل في متاهة معقدة. ولكن في نفس الوقت، أنا أشعر ببعض الارتياح. الآن، كل شيء يصبح أوضح. ونحن نعرف ما الذي علينا مواجهته."
"بالضبط،" قالت زينب. "علينا أن نواجه هذا معاً. علينا أن نحمي أنفسنا، وأن نحمي سمعة عائلاتنا. وسنعمل كل شيء في إطاره الشرعي، وبدون مخالفة."
بدأت زينب تشعر بالمسؤولية تجاه سالم. لم يعد الأمر مجرد حب، بل أصبح واجب. واجب أن تقف معه، وأن تدعمه في هذه المحنة. كانت مستعدة لمواجهة أي شيء، طالما أنها تفعل ذلك مع سالم، وضمن حدود رضا الله.