قصة حب الجزء الثالث

همسات الروح ووشوشات الأقدار

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسائم الليل تحمل معها عبق الياسمين المتسلل من بساتين عمها، فتداعب وجنتيها الرقيقتين حين وقفت تتأمل النجوم المتلألئة في سماء الرياض المخملية. غزلان، في غرفتها المطلة على الفناء الداخلي، لم تجد السكينة التي طالما عرفتها. خفقان قلبها كان يصاحب كل نسمة هواء، وكل ذكرى عابرة. أين ذهبت تلك السعادة النقية التي غمرتها حين باحت لعلي بحبها؟ أين اختفت تلك الطمأنينة التي كانت تلامس روحها كلما التقت عيناهما؟

لقد بدأت الشكوك تتسلل إلى مملكتها الهادئة، كغريب يريد سرقة كنوزها. رسالة عمها، الحاج أحمد، التي وصلت مع خبر قدوم الضيوف من جدة، لم تحمل تلك الأنباء السارة التي كانت تنتظرها. "علي، يا بني، قد يكون هناك مشروع جديد يستدعي إقامتك في الخارج لفترة، ربما بضعة أشهر. والدك يرغب في أن تتولى بعض المهام هناك، ونحن ندعمك بالطبع." كلمات موجزة، تحمل في طياتها ما لم تستطع غزلان فهمه. علي، الحبيب الذي وعدها بمستقبل مشرق، والذي بدأت ترسم ملامح سعادتها بجانبه، هل سيغيب عنها بهذه السرعة؟ وما معنى "بضعة أشهر" في قاموس الحب؟

شعرت ببرودة تسري في عروقها. لم تفهم سبب عدم إخباره لها مباشرة. هل هذا تمهيد للانفصال؟ هل كان وعده مجرد كلام عابر؟ أم أن الظروف، تلك القوى الخفية التي لا يملك الإنسان السيطرة عليها، بدأت تتدخل؟ تذكرت قصة جدتها، كيف تأخر جدها في الزواج بسبب ظروف خارجة عن إرادته، وكيف صبرت وانتظرت. هل سيُكتب على قصة حبها أن تخوض غمار الانتظار الطويل؟

دخلت والدتها، أميرة، الغرفة بهدوء، تتلمس حرارة جبين ابنتها بيدها الحانية. "ما بك يا ابنتي؟ منذ وصول الرسالة وأنت شاردة الذهن. هل حدث شيء؟"

جلست غزلان بجوار والدتها، وأسندت رأسها على كتفها. "لا شيء يا أمي، فقط... أشعر ببعض القلق."

"قلق بشأن ماذا؟ هل الأمر يتعلق بعلي؟" سألت أميرة بحكمة، كانت ترى في عيني ابنتها ما تخفيه الكلمات.

"عمي أحمد يرسل رسالة لعلي، يبدو أن لديه عملاً في الخارج. لم يخبرني علي شيئاً. هل هذا يعني أنه سيسافر؟ وهل سيتركني؟" تساءلت غزلان بصوت خافت، كأنها تخشى سماع الإجابة.

ابتسمت أميرة ابتسامة مطمئنة. "يا غزلان، الحب الحقيقي ليس بالكلمات الرنانة أو اللقاءات المستمرة، بل هو الثقة والتفهم. ربما لديه أسباب تدفعه لعدم إخبارك في الحال، وقد يكون أمراً مؤقتاً. والأهم، أن علي رجل ذو خلق، وأنا واثقة من قلبه. لا تدعي الشكوك تسيطر عليك. تحدثي معه، اسأليه. الصراحة هي مفتاح كل العلاقات."

نصيحة والدتها كانت كبلسم لجروحها. نعم، كان يجب أن تتحدث مع علي. لقد قطعا وعداً بالصدق والصراحة. لماذا تخاف من طرح سؤال بسيط؟ ربما كان لديه سبب وجيه.

في تلك الأثناء، كان علي في مكتب والده، يتأمل خريطة العالم الممدودة أمامه. كانت عيناه تبحثان عن نقطة في قارة بعيدة، قارة لم يكن يتخيل يوماً أنه سيذهب إليها في ظل هذه الظروف. والدته، سارة، دخلت بهدوء، تحمل كوبين من الشاي.

"هل تفكر في السفر يا علي؟" سألت بصوتها الهادئ، تدرك ما يجول في خاطره.

شرب علي جرعة من الشاي، ثم قال: "نعم يا أمي. عرض علي العمل هناك لبعض الوقت. إنه فرصة كبيرة لتطوير خبرتي، كما تعلمين."

"وأين غزلان من هذا كله؟" سألت سارة، وقد لاحظت ارتباك ابنها. "لم تتحدث معها؟"

تنهد علي. "لم تسنح لي الفرصة بعد. كنت أتردد كيف أقول لها. أخاف أن تحزن. أخاف أن ترى في هذا الأمر نهاية لكل شيء."

"يا بني، غزلان ليست فتاة ضعيفة. إنها تفهم الحياة. ولكنها تستحق الصدق. لا تخبئ عليها شيئاً، فالحقيقة، وإن كانت مؤلمة، فإنها دائماً أفضل من الشك والتساؤل. ثم إن هذا العمل قد يكون سبباً لتقويتكما، وليس ضعفاً. حبكما قوي، وأنا أرى ذلك في عينيها وعينيك."

نظر علي إلى والدته، ممتناً لحكمتها. كانت ترى ما يعجز هو عن رؤيته. "سأتحدث معها الليلة، يا أمي. سأخبرها بكل شيء."

في تلك الليلة، وبينما كانت غزلان تستعد للنوم، رن هاتفها. كان علي. شعر قلبها بنبضات أسرع.

"السلام عليكم يا غزلان."

"وعليكم السلام يا علي."

"أتمنى أن أكون قد أيقظتك."

"لا بأس. كنت مستيقظة."

"كنت أريد أن أتحدث معك. هل أنت مستعدة لسماع بعض الأخبار؟"

شعرت غزلان بخوف يغمرها، ولكنها تذكرت كلام والدتها. "أنا مستعدة يا علي. قل ما عندك."

بدأ علي يتحدث، صوته يحمل نبرة لم تعهدها من قبل، مزيجاً من الحزم والتردد. روى لها تفاصيل العرض، والفرصة التي تمثلها، وكيف أن والد والده يرغب في أن يتولى هذه المسؤولية. تحدث عن خوفه من إحزانها، وعن رغبته في رؤيتها دائماً سعيدة.

استمعت غزلان بصمت، تحاول استيعاب كل كلمة. لم تقاطعه. عندما انتهى، ساد صمت طويل، لم يكن صمتاً فارغاً، بل كان مليئاً بالمشاعر المتضاربة.

"وهل قررت السفر؟" سألت غزلان أخيراً، صوتها بالكاد مسموع.

"لم أقرر بعد، غزلان. أريد أن أسمع رأيك. هل لديك اعتراض؟ هل تعتقدين أن هذا سيؤثر على... علينا؟"

نظرت غزلان من النافذة إلى الشارع الهادئ. لم يكن الأمر سهلاً. فكرة بعده عنها كانت مؤلمة، ولكنها أيضاً رأت في كلامه صدقاً. رأت فيه المسؤولية والطموح. لم تكن ترغب في أن تكون سبباً في تعطيل أحلامه.

"يا علي،" قالت بصوت ثابت، "لا يمكنني أن أقف في طريق طموحك. إذا كانت هذه فرصة مهمة لك، ويجب أن تفعلها، فأنا أقف معك. ولكن... أتمنى أن تخبرني بكل شيء، وأن نتواصل دائماً. لا أريد أن أشعر بالوحدة."

شعر علي براحة عظيمة، ولكن في نفس الوقت، عرف أن هذا القرار سيحمل معه تحديات. "لن تشعري بالوحدة أبداً، يا غزلان. سأتواصل معك كل يوم. وكلما سنحت الفرصة، سأعود. والوعد الذي بيننا... يبقى. هذه مجرد فترة اختبار، يا حبيبتي. اختبار لقوة حبنا، وقدرتنا على التحمل."

"أتمنى ذلك يا علي. أتمنى حقاً."

"سنكون بخير، يا غزلان. ثقي بي، وثقي بنا."

بعد إنهاء المكالمة، جلست غزلان على سريرها. شعرت بخليط غريب من الحزن والرضا. كان عليها أن تتعلم كيف تثق، وكيف تنتظر. ربما كانت هذه هي الخطوة التالية في رحلة حبهما، رحلة لم تكن تتوقع أن تكون مليئة بهذه المفاجآت. لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها، ولكنها عرفت شيئاً واحداً: حب علي كان اختباراً، وعليها أن تكون مستعدة لتجاوزه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%