قصة حب الجزء الثالث
خيوط متشابكة وهمسات خفية
بقلم ليلى الأحمد
بدأت أيام غزلان تتشكل بفراغ جديد، فراغ لم تكن تتوقعه. علي، سافر. لم يكن الأمر سهلاً، ولكنها حاولت جاهدة أن تتحلى بالقوة والصبر. كانت المكالمات الهاتفية والرسائل النصية تملأ فراغات الأيام، تحاول أن تبقي على دفء العلاقة التي تربطهما. لكن البعد، ذلك الوحش الصامت، بدأ يلقي بظلاله. كانت غزلان تشعر بأنها تفقد جزءاً من نفسها، جزءاً كان يرتسم بخطوط ضحك علي، بلمسة يديه، بنظراته التي تحمل ألف معنى.
وفي خضم هذا الفراغ، بدأت تظهر خيوط متشابكة في حياة من حولها. شقيقها الأكبر، فهد، الذي كان دائماً محور اهتمامها، بدأ يظهر عليه بعض القلق. كان يقضي وقتاً طويلاً في مكتبه، يتبادل الأحاديث الهامسة مع بعض أصدقائه. كانت غزلان تحاول سؤاله، ولكن فهد كان يتهرب بلباقة، متهماً إياها بأنها "تستقصي" أخباره.
"يا فهد، ما بك؟ أرى أنك مشغول كثيراً هذه الأيام. هل هناك مشكلة؟" سألت غزلان يوماً، حين وجدته يتناول قهوته وحيداً في الشرفة، محدقاً في الأفق.
"لا شيء يا غزلان. فقط بعض الأمور المتعلقة بالعمل. تعرفين، ضغوط الحياة." قال فهد، وحاول أن يبتسم، ولكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه.
"ولكن يبدو الأمر أكبر من مجرد ضغوط عمل. هل تريد التحدث؟ أنا هنا."
تنهد فهد، ثم وضع كوب قهوته جانباً. "الحياة يا غزلان ليست دائماً كما تبدو. هناك أمور لا نستطيع دائماً أن نتحكم بها. أحياناً، نضطر لاتخاذ قرارات صعبة."
"قرارات صعبة؟ ماذا تقصد؟"
"لا تقلقي يا غزلان. كل شيء سيكون على ما يرام. فقط... ادعي لي."
كلماته كانت مبهمة، مثيرة للقلق. غزلان لم تفهم ما الذي يدور في رأس فهد. هل كان هناك دين؟ مشكلة مالية؟ أم شيء آخر؟ كانت تشعر بأن العائلة تمر ببعض التحديات التي لا تعرف عنها شيئاً.
في المقابل، كانت والدتها، أميرة، تتلقى زيارات متكررة من جدتها، السيدة عفاف. كانت جدتها، التي غالباً ما تكون سعيدة ومرحة، تبدو حزينة وقلقة. كانت تتحدث بصوت خافت عن "مسؤوليات العائلة"، وعن "أعباء لا تخفف".
"يا أميرة،" قالت السيدة عفاف في إحدى الزيارات، وهي تحتسي الشاي، "الحياة تتطلب منا أحياناً أن نضحي. أن نضع مصلحة الآخرين قبل مصلحتنا."
"ولكن ما هي هذه التضحيات يا أمي؟ وما هي هذه المصالح؟" سألت أميرة، تشعر بأن شيئاً غامضاً يحيط بهما.
"هناك أمور قد لا ندركها في حينها. قرارات اتخذت في الماضي، قد نجد أنفسنا الآن ندفع ثمنها."
"هل تقصدين شيئاً محدداً؟"
"لا أريد أن أخبرك الكثير الآن يا ابنتي. ربما عندما يأتي الوقت المناسب. فقط... كوني قوية. وكوني على استعداد لمواجهة أي شيء."
كانت أحاديث جدتها، كأحاديث فهد، تحمل غموضاً كبيراً. غزلان شعرت بأن هناك أمراً جللاً يحدث، ولكن لا أحد يخبر به. هل كان ذلك متعلقاً بوضع علي؟ هل سافر لأنه هرب من مشكلة؟ لا، لم يكن هذا من طبع علي. بل كان رجل مسؤول.
في تلك الأثناء، كان عادل، رغم حزنه، يحاول البقاء على تواصل مع غزلان. كان يرسل لها رسائل لطيفة، يسألها عن أحوالها، ويعبر عن اهتمامه. كان يعرف أنها لا تزال مرتبطة بعلي، ولكنه لم يستطع أن يتجاهل مشاعره تماماً. كان يأمل، ربما، في أن تتغير الظروف.
"غزلان،" كتبت له، "شكراً لاهتمامك. أنا بخير. وأتمنى أن تكون أنت أيضاً بخير."
"أنا بخير، شكراً لسؤالك. هل أنت مستعدة للتحدث؟ ربما يمكنني أن أقدم لك بعض المساعدة، لو احتجتِ إليها."
"المساعدة؟ في ماذا؟"
"مجرد... شعرت بأنك قد تكونين بحاجة إلى شخص تتحدثين معه. خصوصاً مع سفر علي. أعرف أن الأمر صعب."
نظرت غزلان إلى الرسالة. كان عادل لطيفاً، ولكنها لم تستطع مشاركة كل همومها معه. حبها لعلي كان شيئاً عميقاً، وشخصياً. "شكراً لك يا عادل. ولكنني أعتمد على قوتي، وعلى قوة علاقتي بعلي."
"أتفهم ذلك. وأنا أحترم اختيارك."
كانت غزلان تشعر بأنها في منتصف عاصفة، لا ترى شاطئ الأمان. قرارات الماضي، مشاكل الحاضر، والقلق على المستقبل. كل هذا كان يتجمع ليخلق جواً من التوتر.
في أحد الأيام، وبينما كانت غزلان تبحث عن بعض الأوراق القديمة في مكتبة والدها، وجدت صندوقاً صغيراً، يبدو قديماً، مغلقاً بكلمة سر. فضولها دفعها للبحث عن كلمة السر. تذكرت أن والدها كان يكتب أحياناً تواريخ مهمة، أو أسماء غالية عليه. جربت اسم والدتها، ثم اسم زوجته الأولى، ثم تاريخ ميلادها. لم ينفع شيء.
أخيراً، جربت اسم جدتها، عفاف. انفتح الصندوق. بداخله، لم تجد مجوهرات أو وثائق مهمة، بل مجموعة من الرسائل القديمة، مكتوبة بخط يد أنيق، وبعض الصور. كانت الصور لجدتها، السيدة عفاف، في شبابها، بجانب شاب وسيم، لم تره غزلان من قبل. الرسائل كانت بين جدتها وهذا الشاب. قرأت بضع رسائل. كانت مليئة بالحب، والشوق، والوعد بالزواج. ولكنها كانت تحمل أيضاً مفارقة مؤلمة. كانت الجدّة تتحدث عن "واجبه تجاه عائلته"، وعن "ضغوط لا يمكنه تجاهلها".
"عزيزتي عفاف،" كتبت في إحدى الرسائل، "قلبي معك، وروحي متعلقة بك. ولكن الظروف أقوى منا. لا أستطيع أن أتحمل مسؤولية إغضاب والدي، أو إثارة غضب عائلتي. أريد منك أن تفهمي. هذا ليس رفضاً لك، بل استسلام للقضاء والقدر."
شعرت غزلان بالصدمة. جدتها، المرأة التي كانت تراها مثالاً للصبر والقوة، هل مرت بهذه التجربة؟ هل اضطرت للتخلي عن حبها بسبب ضغوط عائلية؟
بدأت تفهم الآن. بدأت تفهم قلق والدتها، وحزن جدتها. ربما كانت "التضحيات" التي تحدثت عنها جدتها، هي تضحية جدتها بحبها. وربما كانت "القرارات الصعبة" التي يتحدث عنها فهد، مرتبطة بنفس الدائرة.
نظرت غزلان إلى صورة الشاب الوسيم، ثم إلى صورة جدتها الشابة. شعرت بمسؤولية كبيرة. كان هناك شيء في الماضي، شيء لم يحل بعد، ربما يؤثر على حاضرهم. هل كان هذا الشاب، هو والد علي؟ هل كانت قصة حب والدي علي، قصة حب لم تكتمل بسبب ظروف مشابهة؟
بدأت تتساءل: هل هناك خيط يربط قصة جدتها، وقصة والدي علي، وقصتها هي؟ هل كانت الأقدار تتكرر؟ شعرت بأنها تقف على حافة سر كبير، سر سيغير كل شيء. عليها أن تعرف الحقيقة. عليها أن تفهم.