قصة حب الجزء الثالث
الفجر المعلق بين وعدين
بقلم ليلى الأحمد
كان الهواء في غرفة سارة أثقل من العادة، مشبعاً برائحة الياسمين التي اعتادت أن تبعث الطمأنينة في قلبها، لكنها اليوم لمست وتر الرهبة في روحها. جلست على حافة سريرها، ويداها تتشابكان في حجرها كغصنين ملتفين حول بعضهما البعض في عاصفة. أمامها، كانت ورقة واحدة، هي مفتاح عالمين، وعدين قُدّما لها، وشطر حياتها بينهما.
أصابعها ارتعشت وهي تلمس حافة الورقة، بخط يدها الذي تعرفه جيداً، بخط خطيبها الذي ظنت أنها تعرفه حق المعرفة. كلماتٌ بسيطة، لكنها هدّمت قلعتها المبنية على الثقة. "سارة، أعتذر. لم أكن أقوى على الخيار. قلبي لم يعد لي وحدي. سأختار الدرب الذي رسمته لي الظروف، لا الذي رسمته لنا الأحلام. أتمنى لكِ السعادة."
السعادة. كلمةٌ أصبحت الآن سخرية لاذعة. أي سعادةٍ تلك التي تأتي على أنقاض قلبٍ واعدٍ؟ وأي ظروفٍ تلك التي أقوى من وعدٍ أُعطي في بيت الله، تحت سقفٍ واحدٍ، وبين شاهدين؟
تذكرت تلك اللحظة، قبل شهرٍ واحدٍ تقريباً، حين وقف أمامها، يتلألأ وجهه في ضوء الشموع، وعيناه تحملان وعد المستقبل. "يا سارة، يا من وهبتني الحياة، يا من سكنتِ روحي، أأنتِ لي؟" وقد أجابت بصوتٍ ارتجف من فرط السعادة، "نعم، أحمد، أنا لك."
والآن، هذا الرد. رسالةٌ مقتضبة، باردة، تخلو من أي دفءٍ أو حنان. كأنما يقطع حبلاً متيناً دون أدنى اكتراث.
ارتفعت عيناها نحو النافذة، حيث بدأ الفجر يلقي خيوطه الذهبية الأولى على أفق المدينة. لكن نور هذا الفجر لم يصل إلى عتمة روحها. شعرت بأنها عالقة في ليلٍ طويل، ليلٍ لم تكن تتوقعه أبداً.
في الجهة الأخرى من المدينة، في مكتبه الفخم المطل على نهرٍ هادئ، كان يوسف يتصبب عرقاً بارداً. الأرقام تراقصت أمامه على الشاشة، أسهمٌ صاعدة وهابطة، صفقاتٌ تُبرم وأخرى تنهار. كل شيءٍ كان تحت سيطرته، كل شيءٍ كان يسير وفق خططه المحكمة، إلا شيئاً واحداً، شيئاً لم يستطع احتواءه، وهو قلب سارة.
مد يده إلى جيب سترته، وأخرج هاتفاً قديماً، شاشته مهترئة، لكن محتواه كان كنزاً ثميناً. صورةٌ لسارة، تبتسم ابتسامةً بريئة، عيناها تشعان بالحياة. قبل أن يطبع قبلةً خفيفة على الشاشة، أغلقها بسرعة، وكأنه يخشى أن يراه أحد.
"سارة، يا سارة،" تمتم باسمها، "هل تدرين ما تفعلين بي؟"
لقد حاول. حاول بكل ما أوتي من قوة، بكل ما منحته إياه عائلته من نفوذٍ ومال. لكن هذه المرة، كانت الضغوط أكبر من أي وقتٍ مضى. لقد وعد والدته، وعدها بشيءٍ لم يكن له أن يعد به، وعدٌ يتعلق بمستقبله، وبمستقبل عائلته. وعدٌ يتناقض تماماً مع حلمه الأكبر، وهو بناء حياةٍ مع سارة.
تذكر مكالمة والده قبل ساعات، صوتٌ جليديٌ يلفه البرود. "يوسف، لقد حان الوقت. لقد انتظرت طويلاً. إما أن تنفذ ما وعدت به، أو أن تخسر كل شيء. خسارة عائلتك، خسارة اسمك، خسارة مستقبلك. هل تفهم؟"
كانت الكلمات كالسياط، تلهب روحه. لقد وضعوه بين مطرقة وسندان. إما أن يخون سارة، أو أن يخون عائلته. وبين هاتين الخيانتين، لم يجد سوى طريقٍ ثالثٍ ملتوٍ.
وقف يوسف، ومشى بخطواتٍ ثقيلة نحو النافذة. رأى انعكاس وجهه الشاحب، وفي عينيه حيرةٌ عميقة. هل هذا هو الحب؟ أن تضحي بمن تحب لترضى عنك عائلتك؟ أم أن الحب الحقيقي هو أن تجد طريقاً، مهما كان صعباً، لتبني فيه سعادتك دون أن تدمر حياة الآخرين؟
في تلك الليلة، نامت سارة نوماً متقطعاً، أحلامها متشابكة بين صورٍ سعيدةٍ لوعدٍ قديم، وصورٍ ضبابيةٍ لمستقبلٍ مجهول. أما يوسف، فقد قضى ليلته في صراعٍ داخلي، صراعٌ بين واجبٍ أُجبر عليه، وحبٍ نمى في قلبه دون استئذان.
وفي صباح اليوم التالي، ستبدأ خيوط الحقيقة تتكشف، وسيجد كل منهما نفسه أمام نقطة اللاعودة. ستلتقي المصائر، وستُحسم القرارات، لكن الثمن سيكون باهظاً.
*
عندما استيقظت سارة، كانت الشمس قد صعدت في السماء، تلقي ضوءها الساطع على غرفتها. حاولت أن تتجاهل الرسالة، أن تتجاهل الألم الذي استقر في صدرها. لكن عبثاً. كلما أغمضت عينيها، رأت كلماته تتراقص أمامها.
وقفت وتوجهت نحو خزانة ملابسها، لكن يديها لم تجدا ما ترتديه. كل فستان، كل عباءة، كانت مرتبطة بذكرى. ذكرى مع أحمد، ذكرى وعد، ذكرى حلم.
فتحت هاتفها، وبحثت عن رقم أحمد. ترددّت. هل تتصل به؟ ماذا ستقول؟ هل ستواجهه؟ أم ستكتفي بالصمت، وتترك له أن يشرح ما حدث؟
أغلقت الهاتف، وعادت للجلوس على حافة السرير. شعرت بحاجةٍ ملحةٍ للخروج، للهواء الطلق، لمكانٍ خالٍ من الذكريات، خالٍ من الوعود.
ارتدت ثياباً بسيطة، وخرجت من المنزل بخطواتٍ سريعة. لم تتجه نحو أي مكانٍ محدد، بل تركت قدميها تقودانها. مرت بشارعٍ قديم، حيث كان هناك متجرٌ صغيرٌ لبائع الزهور. توقفت للحظة، وتأملت ألوان الزهور الزاهية. تذكرت كيف كان أحمد يحب الورد الأبيض.
"صباح الخير يا آنسة،" قال البائع بابتسامةٍ ودودة.
"صباح النور،" أجابت سارة بصوتٍ خافت.
"هل تبحثين عن شيءٍ معين؟"
نظرت إلى الأزهار، وشعرت بأنها فقدت شغفها بالألوان. "لا شيء، شكراً لك."
واصلت السير، وكل خطوةٍ كانت تزيد من إحساسها بالوحدة. مرت بحديقةٍ عامة، حيث كان الأطفال يلعبون بفرح. تذكرت كيف كانت تحلم بالأطفال، بكيف سيكون مستقبلها مع أحمد، كيف سيمتلئ بيتها بالضحكات.
"تباً،" همست لنفسها، "تباً لكل هذه الأوهام."
جلست على مقعدٍ خالٍ، وحاولت أن تجمع شتات نفسها. كانت تشعر وكأنها فقدت بوصلتها، ضائعةً في صحراءٍ واسعة.
بعد قليل، سمعت صوتاً مألوفاً يناديها. "سارة؟"
رفعت عينيها، ورأت يوسف يقف أمامها، وجهه شاحب، وعيناه مليئتان بالأسى.
"يوسف؟ ماذا تفعل هنا؟" تساءلت بصدمة.
"كنت... كنت في طريقي لرؤيتك،" قال، وصوته يرتجف قليلاً. "أردت... أردت أن أقول لكِ شيئاً."
نظرت إليه، وشعرت بأن قلباً ثقيلاً بدأ يخفق في صدرها. لم تكن تعرف لماذا، لكنها شعرت بأن هذا اللقاء ليس صدفة.
"ماذا تريد أن تقول لي، يوسف؟" سألت، وهي تحاول أن تبدو هادئة.
اقترب منها، وجلس بجانبها على المقعد. نظر إليها بعمق، وكأنه يحاول أن يقرأ ما في عينيها. "سارة، أنا... أنا أعرف ما حدث."
اتسعت عينا سارة. "تعرف؟ كيف؟"
"هناك أمورٌ تحدث خلف الكواليس، أمورٌ لا تراها الناس،" قال، ثم تنهد بعمق. "أحمد... لم يكن لديه خيار."
"لم يكن لديه خيار؟" كررت سارة، وكأنها لم تفهم. "لقد وعدني، يوسف. لقد أعطاني وعداً."
"أعرف،" قال يوسف، ويده تمتد لتلامس يدها المرتعشة. "لكنه وضع تحت ضغطٍ هائل. ضغطٌ يتعلق بمستقبله، بمستقبل عائلته."
"وهذا يبرر خيانته؟" سألت سارة، وصوتها بدأ يرتفع.
"لا، ليس مبرراً،" قال يوسف بسرعة. "لكنني أردت أن تفهمي... أن تعرفي أن الأمر لم يكن سهلاً عليه."
نظرت سارة إلى يده التي تلامس يدها. شعرت بشيءٍ غريب. دفءٌ لم تتوقعه. حنانٌ لم تجده في كلمات أحمد.
"لكن لماذا تخبرني أنت؟" سألت، وهي تشعر بالفضول يغلب حزنها. "لماذا لا تخبرني أنت؟"
نظر إليها يوسف، وفي عينيه لمعةٌ غريبة. "لأنني... لأنني لم أستطع أن أراكِ هكذا، سارة. لم أستطع أن أرى قلبكِ ينكسر دون أن أحاول فعل شيء."
"فعل شيء؟ وما الذي يمكنك فعله؟"
"ربما... ربما أستطيع أن أقدم لكِ بديلاً."
صمتت سارة، وهي تنظر إليه. الكلمات كانت مفاجئة، صادمة، لكنها لم تشعر بالاشمئزاز. بل شعرت بشيءٍ آخر، شعرت بخيطٍ رفيعٍ من الأمل، يتسلل إلى قلبها المكسور.
"ماذا تقصد، يوسف؟" سألت بصوتٍ خافت.
"سارة،" قال، وهو يمسك بيدها بقوةٍ أكبر، "أعلم أن هذا قد يبدو مفاجئاً. لكنني... أنا معجبٌ بكِ منذ فترةٍ طويلة. منذ أن رأيتكِ في ذلك الحفل. وقد علمتُ حينها أنكِ مختلفة. طيبة، نقية، صادقة."
تسارعت أنفاس سارة. لم تتوقع أبداً أن يأتي هذا الكلام من يوسف.
"لكن... لكنني مخطوبة لأحمد،" قالت بصوتٍ متردد.
"أعلم،" قال يوسف، وابتسامةٌ خفيفةٌ ارتسمت على شفتيه. "لكنني أرى أن هذا الارتباط قد انتهى. وأرى أنكِ تستحقين شخصاً يقف بجانبكِ، يحميكِ، ويحبكِ بصدقٍ وأمانة. شخصٌ لا يخاف من التعبير عن مشاعره، مهما كانت الظروف."
نظرت سارة إلى يوسف، ورأت في عينيه صدقاً لم تره في عيني أحمد قبل لحظاته الأخيرة. شعرت بشيءٍ يتغير بداخلها، شيءٌ قديمٌ يتلاشى، وشيءٌ جديدٌ يولد.
"أنا... لا أعرف ماذا أقول، يوسف،" قالت، وصوتها بالكاد مسموع.
"لا تقولي شيئاً الآن،" قال يوسف، وهو يضغط على يدها بلطف. "فقط... فكري في الأمر. فكري في نفسكِ. فكري فيما تريده روحكِ حقاً."
نهض يوسف، وتركها جالسةً وحدها. لم تكن تعرف ما الذي حدث للتو، لكنها شعرت بأن حياتها قد اتخذت منعطفاً مفاجئاً، منعطفاً لم تكن تتوقعه أبداً. الفجر المعلق بين وعدين، أصبح الآن معلقاً بين حبيبين.