قصة حب الجزء الثالث

بقايا الرماد، ونارٌ كامنة

بقلم ليلى الأحمد

جلستْ ليلى في المقعدِ المقابلِ لأحمدَ، وصوتُ فيروزَ يتدفقُ في أرجاءِ المقهى كشلالٍ من الحنينِ. كانتْ عيناها، التي تشبهُ لونَ العسلِ الذهبيِّ، تلتقي بعينيْ أحمدَ، فيها مزيجٌ من الترقبِ والحذرِ. لم تكنْ تتوقعْ أن تعودَ الأمورُ إلى هذا المنعطفِ، وأن تجدَ نفسها وجهاً لوجهٍ معَ الرجلِ الذي تركَ بصمةً لا تُمحى على صفحةِ شبابِها.

"كنتُ أتمنى يا أحمدَ أن أسمعَ هذا منكْ قَبلَ سنواتٍ." قالتْ ليلى، وصوتُها يحملُ نبرةً من الأسى المكتومِ. "تلكَ السنواتُ كانتْ ثقيلةً، مليئةً بالأسئلةِ التي لم تجدْ لها جواباً. تساؤلاتٌ عن سببِ اختفائكَ المفاجئِ، وعن سببِ زواجكَ من أخرى، ثمَّ عن سببِ طلاقكَ. كلُّ هذا مرَّ عليَّ وأنا في بلادٍ غريبةٍ، أحاولُ أن أبنيَ مستقبلاً جديداً، ولكنَّ ماضينا كانَ يشدُّني إلى الخلفِ."

أومأَ أحمدُ برأسِهِ، يشعرُ بثقلِ كلامِها. "أعلمُ أنني أخطأتُ في حقِّكِ. أخطأتُ في عدمِ التواصلِ، وفي عدمِ المصارحةِ. ظننتُ أنَّ الصمتَ هوَ الحلُّ، ظننتُ أنَّ نسيانَ الماضي هوَ أفضلُ طريقٍ لِمسحِ الألمِ. لكنَّ الألمَ لا يُمحى بالنسيانِ، بل بالمواجهةِ والمصارحةِ."

"ولماذا الآنَ؟" سألتْ ليلى، وهيَ تُمسكُ بكوبِ القهوةِ بيدٍ مرتجفةٍ قليلاً. "بعدَ كلِّ هذهِ السنينِ، وبعدَ أن سمعتُ أنكَ استقررتَ في بلادِكَ، ما الذي دعاكَ إلى هذهِ الرسالةِ، وهذا اللقاءِ؟"

"الضميرُ." أجابَ أحمدُ بصدقٍ. "والرغبةُ في تداركَ ما يمكنُ تداركُهُ. عندما عدتُ إلى هنا، كنتُ أشعرُ بفراغٍ كبيرٍ. لم تكنْ الحياةُ في الغربةِ قد ملأتْه، ولم يكنْ عملي هوَ كلُّ شيءٍ. ثمَّ بدأتُ أتذكرُ… أتذكرُ أيامَنا، أحلامَنا. وأدركتُ أنَّ هناكَ جزءاً من حياتي لم يكتملْ. وجزءاً من قلبي لم يبرأْ."

"وهل تعتقدُ أنَّ الوقتَ ما زالَ مناسباً؟" سألتْ ليلى، وعيناها تبحثانِ في عينيهِ عن إجابةٍ. "لقد مرَّتْ سنواتٌ طويلةٌ، وتغيرتْ حياتُنا. أنتَ لديكَ خبراتُكَ، وأنا لديَّ حياتي. هل يمكنُ لِقصةٍ انتهتْ منذُ زمنٍ، أن تُكتبَ من جديدٍ؟"

"ليلى،" قالَ أحمدُ، متكئاً إلى الأمامِ قليلاً، "أنا لا أبحثُ عن حبٍّ جديدٍ. أنا أبحثُ عن استعادةِ شيءٍ قديمٍ، شيءٍ أصيلٍ. لقد تعلمتُ الكثيرَ في الغربةِ. تعلمتُ قيمةَ الأشياءِ البسيطةِ، قيمةَ العائلةِ، وقيمةَ الحبِّ الحقيقيِّ. وعندما عدتُ، أدركتُ أنَّ ما بنيتُهُ في الغربةِ لم يكنْ كافياً. ما زلتُ أبحثُ عن ذلكَ الشعورِ بالانتماءِ، عن ذلكَ الاستقرارِ الذي كنتُ أشعرُ بهِ معكِ."

"ولكنَّكَ تزوجتَ." قالتْ ليلى، بنبرةٍ لم تخلُ من الألمِ. "كيفَ لي أن أثقَ في كلماتِكَ، وأنتَ قد أخفيتَ عني هذا الأمرَ؟"

"كانَ خطأً فادحاً." اعترفَ أحمدُ، وهوَ ينظرُ إلى يديهِ. "كانَ زواجَ وحدةٍ، لا زواجَ حبٍّ. ولم أستطعْ أن أُكمِلَ فيهِ. بعدَ الطلاقِ، شعرتُ بالخوفِ من تكرارِ الأخطاءِ. ولذلكَ، فضلتُ أن أُبقيَ الأمورَ في طيِّ الكتمانِ. لكنَّ ذلكَ لم يكنْ مبرراً، وأنا أعتذرُ عن ذلكَ بشدةٍ."

صمتتْ ليلى للحظةٍ، تفكرُ في كلماته. كانَ فيها صدقٌ، وفيها ندمٌ. "إذاً، ما الذي تطلبهُ مني الآنَ يا أحمدَ؟ هل تريدُ أن نعودَ إلى الوراءِ؟ هل تريدُ أن ننساكَ ماضينا ونبدأَ من جديدٍ؟"

"أريدُ أن أُصلحَ ما أفسدتُ." قالَ أحمدُ بحزمٍ. "أريدُ أن أُقدمَ لكِ ما لم أستطعْ تقديمَهُ من قبلُ. أريدُ أن أُثبتَ لكِ أنَّ حبي لكِ كانَ صادقاً، وأنَّ ما حدثَ لم يكنْ نهايةَ القصةِ، بل كانَ مجردَ منعطفٍ قاسٍ."

"ولكنَّكَ تعلمُ يا أحمدَ، أنَّ الحياةَ ليستْ قصةً تُعادُ كتابتُها بسهولةٍ. لدينا مسؤولياتُنا، ولدينا حياتُنا. وأنا… أنا الآنَ أعيشُ حياةً أخرى." قالتْ ليلى، وفي صوتِها ترددٌ.

"هل أنتِ سعيدةٌ في هذهِ الحياةِ؟" سألَ أحمدُ، متطلعاً إليها.

"السعادةُ نسبيةٌ يا أحمدَ. لديَّ عائلتي، ولديَّ عملي. ولكني… أشعرُ أحياناً بأنَّ هناكَ شيئاً ناقصاً. شيئاً يتعلقُ بالماضي، بشيءٍ كانَ يجبُ أن يكونَ."

"وهل تعتقدينَ أنَّ هذا الشيءَ هوَ أنا؟" سألَ أحمدُ، بجرأةٍ لم يعهدها من نفسِهِ.

ابتسمتْ ليلى ابتسامةً خفيفةً، ولكنها لم تصلْ إلى عينيها. "لا أعرفُ يا أحمدَ. ربما. ربما أفتقدُ جزءاً من نفسي، جزءاً ضاعَ في تلكَ الأيامِ."

"إذاً، ما رأيكِ أن نُعطيَ هذا الجزءَ فرصةً ليعودَ؟" قالَ أحمدُ، وهوَ يمدُّ يدَهُ عبرَ الطاولةِ، وكأنَّهُ يريدُ أن يلامسَ يدَها. "لنجلسَ معاً، لنتحدثَ أكثرَ، لنتعرفَ على بعضِنا البعضِ من جديدٍ. لنجعلَ هذا اللقاءَ بدايةً، لا نهايةً. بدايةً لِفصلٍ جديدٍ، فصلٍ يجمعُ بينَ ماضينا الجميلِ، وحاضرِنا الواعي، ومستقبلٍ نبنيهِ سوياً."

ترددتْ ليلى. كانتْ كلماتُ أحمدَ تحملُ إقناعاً، ولكنَّ قلبَها كانَ ما زالَ مُتردداً. هل يمكنُ لِرمادِ الحبِّ القديمِ أن يُشعلَ ناراً جديدةً؟

"لا أعرفُ يا أحمدَ." قالتْ أخيراً، وهيَ تسحبُ يدَها. "الأمرُ ليسَ بالسهولةِ التي تتخيلُها. لديَّ ظروفي. وعائلتي…"

"أتفهمُ ذلكَ." قالَ أحمدُ، وهوَ يشعرُ بخيبةِ أملٍ صغيرةٍ. "ولكنَّني مستعدٌ للانتظارِ. مستعدٌ لأن أُثبتَ لكِ. هل تسمحينَ لي بفرصةٍ؟ مجردِ فرصةٍ لنتحدثَ، لنعرفَ بعضَنا البعضَ من جديدٍ؟"

نظرتْ ليلى إلى وجهِهِ، فرأتْ فيهِ إصراراً، ورأتْ فيهِ صدقاً. "حسناً يا أحمدَ. سأمنحُكَ فرصةً. لكنْ، أرجو أن تكونَ صادقاً تماماً معي. وأن تتذكرَ أنَّ لدينا مسؤولياتِنا، وأنَّنا يجبُ أن نأخذَ كلَّ قرارٍ بتأني وحكمةٍ. وأنَّ ما سنقومُ بهِ يجبُ أن يكونَ بما يُرضي اللهَ، ويُرضي عائلاتِنا."

"بالتأكيدِ يا ليلى." قالَ أحمدُ، والشعورُ بالفرحِ بدأَ يتسللُ إلى قلبِهِ. "كلُّ شيءٍ سيكونُ في إطارِ الشرعِ، وفي إطارِ الاحترامِ."

"إذاً،" قالتْ ليلى، وهيَ تبتسمُ ابتسامةً أصبحتْ أكثرَ صدقاً هذهِ المرةَ، "متى سنلتقي مرةً أخرى؟"

"غداً؟" اقترحَ أحمدُ بسرعةٍ. "بعدَ صلاةِ العصرِ، في حديقةِ الياسمينِ؟"

"موافقٌ." قالتْ ليلى، ثمَّ نهضتْ. "يجبُ أن أذهبَ الآنَ. أهلي ينتظرونَني."

"سأنتظرُكِ غداً." قالَ أحمدُ، وهوَ يشعرُ بأنَّ حياتَهُ قد بدأتْ تأخذُ منعطفاً جديداً.

وقفتْ ليلى، ونظرتْ إليهِ نظرةً أخيرةً. "أتمنى أن يكونَ هذا القرارُ صائباً يا أحمدَ."

"أتمنى ذلكَ أيضاً يا ليلى." قالَ أحمدُ، بينما كانتْ هيَ تتجهُ نحو البابِ، تاركةً وراءَها أثراً من العطرِ، وأثراً من الأملِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%