قصة حب الجزء الثالث

بريق الأمل في عين الزمان

بقلم ليلى الأحمد

ارتدت سارة وشاحها، وتوجهت إلى منزل جدتها. لم تعد قادرة على البقاء وحدها في غرفتها، حيث كل زاويةٍ فيها تهمس بذكرى أحمد. جدتها، كانت دائماً ملجأها، سفينتها في بحر الحياة المضطرب.

فور دخولها، استقبلتها جدتها بحضنٍ دافئ، عرفت منه سارة أن كل شيءٍ سيكون بخير. جلست على الأريكة الوثيرة، وشربت كوباً من الشاي بالنعناع، الذي اعتادت جدتها أن تعده بحب.

"ما بكِ يا ابنتي؟" سألت الجدة، وعيناها الثاقبتان تشعان حكمةً وحناناً. "أرى في عينيكِ ما لم أره من قبل."

استجمعت سارة قواها، وبدأت تحكي لجدتها كل شيء. الرسالة، كلمات أحمد، صدمتها، وحيرتها. وعندما وصلت إلى الجزء الذي تحدث فيه يوسف، تنهدت تنهيدةً عميقة.

"وهو؟" سألت الجدة، بعد أن سمعت كل شيء. "ماذا كان ردكِ؟"

"لم أستطع أن أقول شيئاً، جدتي. لقد تفاجأت. لم أتوقع منه هذا. لكن... كانت هناك أشياءٌ في عينيه، أشياءٌ جعلتني أشعر... ربما... ربما هناك أمل."

ابتسمت الجدة ابتسامةً هادئة. "الأمل، يا سارة، هو شمعةٌ تضيء في أحلك الليالي. ولا تيأسي منه أبداً."

"لكنني خائفة، جدتي. أحمد كان هو كل شيءٍ بالنسبة لي. كل أحلامي، كل خططي."

"وأحمد لم يكن سوى وعدٍ. ووعدٌ قد انهار. والحياة، يا ابنتي، لا تقف عند بابٍ مغلق. بل تفتح ألف بابٍ جديد لمن يبحث عنها."

"لكن يوسف؟ هو رجلٌ مختلف تماماً. عالمٌ آخر."

"وكل عالمٍ يحمل سحره الخاص. والأهم، يا سارة، هو أن تعرفي ما تريده روحكِ. لا ما يقوله الآخرون، ولا ما تفرضه الظروف. ما الذي يجعلكِ سعيدة حقاً؟"

نظرت سارة إلى الخارج، حيث كانت أشجار الزيتون تتمايل بلطفٍ مع النسيم. "لا أعرف، جدتي. أشعر بالضياع."

"الضياع هو بداية البحث، يا ابنتي. والبحث سيقودكِ إلى طريقكِ."

*

في تلك الأثناء، كان يوسف يجلس في مكتبه، يحاول التركيز على عمله. لكن عقله كان مع سارة. صورة وجهها، حين أخبرها عن مشاعره، كانت محفورةً في ذاكرته. هل فعل الشيء الصحيح؟ هل استغل ضعفها؟

أمسك بالهاتف، ونظر إلى صورة أحمد. كان يعلم أن أحمد كان يحب سارة. لم يشك في ذلك. لكن هل كان حبه قوياً كفايةً ليواجه كل شيء؟

"الحب،" تمتم يوسف، "أهو القوة التي تدفعك لتجاوز كل العقبات، أم هو الضعف الذي يجعلك تستسلم للظروف؟"

لقد عانى هو نفسه. عانى من ضغط عائلته، من وعوده التي لم يكن لها أن يعطيها. كان يفهم شعور أحمد. لكنه في نفس الوقت، كان متأكداً من شيءٍ واحد: لن يستسلم. لن يتخلى عن سارة.

قرر أن يفعل شيئاً. لم يكن يريد أن يتركها وحيدةً في حزنها. اتصل بوالدته، التي كانت تشجعه دائماً على الزواج من امرأةٍ من عائلةٍ مرموقة.

"أمي،" بدأ بصوتٍ متردد.

"نعم يا بني، هل لديك أخبارٌ سعيدة؟" سألت والدته بصوتٍ فيه بعض الأمل.

"أمي، أنا... أريد أن أتزوج."

سكتت والدته للحظة. "ممتاز! متى؟ ومن هي؟"

"أريد أن أتزوج سارة."

تبدلت نبرة صوت والدته إلى البرود. "سارة؟ من هي هذه؟ هل هي من العائلة التي اتفقنا عليها؟"

"لا يا أمي. هي... هي شخصٌ عادي."

"شخصٌ عادي؟ يوسف، هل جننت؟ هل نسيت كل شيء؟ هل نسيت وعدك لي؟"

"لم أنسَ يا أمي، لكنني... وجدت قلبي."

"قلبك؟ هل تظن أن القلب يملك قراره؟ القرارات تُتخذ بالعقل، وبالحسابات. والقلب، يا بني، هو ما سيقودك إلى الهلاك."

"لكن يا أمي، هي... هي شخصٌ رائع."

"الأهم هو ما هو رائعٌ لنا، يوسف. أنت تمثل عائلتنا، اسمنا. لا يمكنك أن تضيع كل هذا من أجل... من أجل حبٍ عابر."

"ليس حباً عابراً يا أمي. إنه حبٌ حقيقي."

"هذا ما يقوله كل شابٍ في عمرك. ثم يكتشف أن الحياة ليست مجرد مشاعر. هناك مسؤوليات، وهناك واجبات."

"لكن ماذا عن سعادتي؟"

"سعادتك، يا يوسف، تكمن في رضا العائلة، وفي استقرارك. وهذا لن تجده مع فتاةٍ لا تحمل اسماً ولا نسباً."

أنهت والدته المكالمة بحدة، تاركةً يوسف في حيرةٍ من أمره. كان يعلم أن الطريق لن يكون سهلاً. والدته كانت عنيدة، ولا تتنازل عن رأيها أبداً.

*

عادت سارة إلى منزلها، ورأسها يدور. كل ما حدث في اليومين الماضيين كان أشبه بكابوس. أحمد، يوسف، الوعود، الخيانات، الأمل، اليأس.

جلست على كرسيها المفضل، وشربت كوباً من الماء. تذكرت كلمات جدتها: "ما الذي يجعلك سعيدة حقاً؟"

بدأت تفكر. هل كانت سعيدة مع أحمد؟ نعم، بالتأكيد. لكن هل كان هذا السعادة المطلقة؟ أم كانت مجرد مرحلةٍ من مراحل الحياة؟

ثم فكرت في يوسف. في جرأته، في صدقه، في عينيه اللتين لم تخف من التعبير عن مشاعره. هل يمكن أن تكون سعيدة معه؟

كانت تشعر وكأنها تقف عند مفترق طرق، وكل طريقٍ يؤدي إلى عالمٍ مختلف. طريقٌ كان مرسوماً لها، وطريقٌ رسمه القلب.

أمسكت بهاتفها، ونظرت إلى قائمة الأسماء. اسم أحمد كان لا يزال موجوداً، لكنها لم تعد قادرة على الاتصال به. ثم رأت اسم يوسف. ترددّت. هل تتصل به؟ هل تسأله عن المزيد؟

أغلقت الهاتف، وقررت أن تنتظر. أن تفكر. أن تسمع لقلبها.

في تلك الليلة، نمت سارة بعمقٍ أكبر من ذي قبل. لم تعد الأحلام تخيفها. بل أصبحت تشعر بأن هناك قوةً جديدةً تنمو بداخلها. قوةٌ لم تكن تعرف أنها تملكها.

في صباح اليوم التالي، ستستيقظ سارة، وستبدأ في رسم طريقها الخاص. طريقٌ قد لا يكون سهلاً، لكنه سيكون طريقها.

*

بينما كانت سارة تفكر في مستقبلها، كان أحمد يعيش أيامه الأخيرة في المدينة. كان عليه أن يسافر. رحلةٌ طويلة، رحلةٌ قسرية.

جلس في مقهىً هادئ، يحتسي قهوته المرة. صورة سارة كانت أمامه، لا تزال في قلبه. شعر بندمٍ عميق، لكنه كان يعلم أنه لا يستطيع العودة.

"سارة،" تمتم باسمها، "أتمنى أن تسامحيني. أتمنى أن تجدي السعادة."

كان يعلم أن يوسف كان يراقبها. وكان يشعر بشيءٍ من الغيرة، لكنه كان يعلم أيضاً أن يوسف كان رجلاً جيداً. ربما كان هو الرجل المناسب لها.

"ربما،" قال لنفسه، "ربما أكون قد فعلت الشيء الصحيح. ربما أكون قد فتحت لها باباً نحو حياةٍ أفضل."

كانت هذه أفكاره، وهو يحاول أن يقنع نفسه. لكن قلبه كان يصرخ. كان يصرخ باسم سارة.

بعد أن أنهى قهوته، وقف ليذهب. عند الباب، رأى وجهاً مألوفاً. كان يوسف.

وقف أحمد وابتسم ابتسامةً خفيفة. "يوسف،" قال، "أعتقد أننا يجب أن نتحدث."

نظر يوسف إلى أحمد، وشعر بمزيجٍ من الدهشة والفضول. "بالتأكيد، أحمد."

جلسا على طاولةٍ مجاورة، بعيداً عن الأنظار.

"أعلم أنك تحب سارة،" بدأ أحمد، وصوته هادئ.

"وهي... هي أيضاً... أشعر بذلك،" أجاب يوسف، وهو ينظر إلى الأرض.

"لقد أخبرتني سارة أنك... أخبرتها بمشاعرك."

"نعم، لقد فعلت."

"وأنا... أنا سعيدٌ بذلك."

فوجئ يوسف. "سعيد؟ كيف؟"

"لأنني أعلم أنني كنت مخطئاً. أعلم أنني لم أكن قوياً بما يكفي. ولأنني أريد لها السعادة، قبل كل شيء."

"لكن... ألا تحبها؟"

"أحببتها، وأحبها. لكن الحب، يا يوسف، ليس دائماً أن يبقى مع من تحب. أحياناً، يكون الحب أن ترى سعادته مع شخصٍ آخر."

نظر يوسف إلى أحمد، وشعر بالاحترام يتزايد في قلبه. "أنا... لا أعرف ماذا أقول."

"قل فقط، أنك ستحافظ عليها. أنك ستحبها. وأنك ستجعلها سعيدة."

"أعدك بذلك."

"وهذا يكفي."

نهض أحمد. "لقد حان وقت رحيلي."

"متى ستعود؟"

"لا أعرف. ربما... ربما لن أعود أبداً."

تنهد يوسف. "أتمنى لك كل التوفيق."

"ولك أنت، مع سارة."

غادر أحمد، تاركاً يوسف في حيرةٍ جديدة. لقد كانت هذه نهاية فصلٍ، وبداية فصلٍ آخر. فصلٌ سيُكتب بأقلامٍ جديدة، وبأحرفٍ قد تكون أجمل.

*

نظرت سارة إلى انعكاسها في المرآة. كانت تبدو مختلفة. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تنتظر وعداً. بل أصبحت تلك التي تصنع وعدها الخاص.

"سارة،" قالت لنفسها، "هذه فرصتك. لا تضيعيها."

فتحت هاتفها، وبحثت عن رقم يوسف. هذه المرة، لم تتردد.

"ألو، يوسف؟"

"سارة؟ هل أنتِ بخير؟"

"أنا بخير،" قالت، وشعرت بقوةٍ تتملكها. "وأنا... أعتقد أنني أعرف ما أريده."

"ما هو؟" سأل يوسف، وصوته مليءٌ بالترقب.

"أريد... أن أعطيك فرصة."

ابتسم يوسف ابتسامةً واسعة. "هذا... هذا خبرٌ رائع، سارة."

"لكن... يجب أن نفهم بعضنا البعض جيداً. يجب أن نبني ثقةً حقيقية."

"بالتأكيد. وهذا ما أتمناه أيضاً."

"إذاً... هل نتقابل غداً؟"

"في أي وقتٍ تريدين."

"في حديقة الياسمين؟"

"أجمل مكانٍ قد تفكرين فيه."

أغلقت سارة الهاتف، وشعرت بأنها قد ألقت حملاً ثقيلاً. لم تكن تعرف ما يخبئه المستقبل، لكنها كانت مستعدةً لمواجهته. بريق الأمل كان يلمع في عيني الزمان، وكان يعدها بيومٍ جديد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%