قصة حب الجزء الثالث

في رياضِ الأملِ، ورقةٌ من الماضي

بقلم ليلى الأحمد

كانتْ شمسُ الظهيرةِ قد ارتفعتْ في سماءِ الرياضِ، ناشرةً أشعتها الذهبيةَ على بساتينِ الياسمينِ التي تفوحُ منها رائحةٌ زكيةٌ تُنعشُ الروحَ. جلسَ أحمدُ على أحدِ المقاعدِ الخشبيةِ في حديقةِ الياسمينِ، يشعرُ بقلبِهِ يخفقُ بترقبٍ. لم يكنْ مجردَ لقاءٍ عاديٍّ، بل كانَ استئنافاً لحكايةٍ، ومحاولةً لإعادةِ بناءِ ما اهتزَّ من أساساتِهِ. كانَ قد قررَ أن يكونَ صادقاً تماماً معَ ليلى، وأن يُصارحَها بكلِّ شيءٍ، وأن يبدأَ صفحةً جديدةً، قائمةً على الوضوحِ والشفافيةِ، بما يُرضي اللهَ ويرضي عائلتيهِما.

كانَ يعلمُ أنَّ ليلى قد مرتْ بظروفٍ صعبةٍ، وأنَّ اختيارَها قد يكونُ معقداً. ولكنهُ كانَ واثقاً بأنَّ الحبَّ الصادقَ، إنْ كانَ ما زالَ موجوداً، قادرٌ على تجاوزِ العقباتِ. لقد تعلمَ في الغربةِ أنَّ قيمةَ العلاقاتِ لا تُقاسُ بالزمنِ، بل بالصدقِ والوفاءِ. وأنَّ السعادةَ الحقيقيةَ تكمنُ في القلوبِ المطمئنةِ، والبيوتِ العامرةِ بالرحمةِ والمودةِ.

لم تمرْ دقائقُ طويلةٌ حتى لمحَ ليلى تقتربُ، بثوبِها الأزرقِ الفاتحِ الذي يشبهُ لونَ السماءِ الصافيةِ، وحجابِها الأبيضِ الناصعِ. بدتْ أكثرَ روعةً وهدوءاً من أمسِ، وكأنَّ الطبيعةَ قد أهدتها من جمالِها. ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً واسعةً، ورغمَ أنَّهُ كانَ يشعرُ ببعضِ التوترِ، إلا أنَّ رؤيتها كانتْ تبعثُ في نفسِهِ طمأنينةً عجيبةً.

"مساءُ الخيرِ يا ليلى." قالَ أحمدُ وهوَ يقفُ لاستقبالِها.

"مساءُ النورِ يا أحمدَ." أجابتْ ليلى، وفي صوتِها نبرةٌ تحملُ الكثيرَ من المشاعرِ. "الحديقةُ جميلةٌ اليومَ."

"كجمالِكِ." قالَ أحمدُ، وشعرَ بأنَّ هذهِ الكلماتِ خرجتْ منهُ تلقائياً.

ابتسمتْ ليلى ابتسامةً خجولةً، وجلستْ بجوارِهِ على المقعدِ. "إذاً، ماذا لديكَ لتقولَهُ لي؟"

أخذَ أحمدُ نفساً عميقاً، ثمَّ بدأَ يتحدثُ. "ليلى، أنا هنا لأُعطيكَ الوعدَ الذي لم أستطعْ أن أُعطيكَ إياهَ سابقاً. عندما كنتُ شاباً صغيراً، كنتُ أُحلمُ بحياةٍ بسيطةٍ معَ امرأةٍ أحبُّها. وعندما قابلتُكِ، شعرتُ بأنَّ هذا الحلمَ قد تحققَ. كنتِ كلَّ شيءٍ بالنسبةِ لي. ولكنَّ الظروفَ، وافتقاري للنضجِ، دفعاني إلى اتخاذِ قراراتٍ خاطئةٍ. سافرتُ، وغبتُ، وتركتُكِ وحيدةً. وبعدَ ذلكَ، ارتكبتُ خطأً آخرَ بالزواجِ من امرأةٍ لم أُحبُّها، فقط لِتُخففَ عني وحدتي."

تنهدَ أحمدُ، وتابعَ. "هذا الزواجُ لم يستمرْ. كانَ مليئاً بالخلافاتِ، وبالألمِ. ثمَّ اكتشفتُ أنَّ قلبي لم يكنْ يوماً لِأحدٍ غيرِكِ. ولكنَّ الخوفَ، والخجلَ، والشعورَ بالذنبِ، منعاني من العودةِ. ظننتُ أنَّ الوقتَ قد فاتَ، وأنَّكَ قد نسيتِني. ولكنَّ رسالتَكِ، أعادتْ الأملَ في نفسِ قلبي."

"أتفهمُ أنَّكَ قد مررتَ بظروفٍ صعبةٍ يا أحمدَ." قالتْ ليلى، وهيَ تنظرُ إلى الزهورِ المتفتحةِ. "ولكنَّني أيضاً، لم أعيشْ حياتي في سهولةٍ. عندما سافرتَ، كنتُ في أشدِّ الحاجةِ إلى وجودِكَ. فقدتُ الأمانَ، وفقدتُ الحبيبَ. ثمَّ، عندما سمعتُ عن زواجكَ، شعرتُ بأنَّ كلَّ شيءٍ قد انتهى. حاولتُ أن أتجاوزَ، وأن أبنيَ حياتي من جديدٍ. ولكنَّ أشباحَ الماضي كانتْ تُلاحقُني."

"وماذا عنْ حياتِكِ الآنَ يا ليلى؟" سألَ أحمدُ، يشعرُ بأنَّ قلبهُ يعتصرُ ألماً. "هل وجدتِ السعادةَ التي تستحقينَها؟"

"السعادةُ رحلةٌ يا أحمدَ، وليستْ وجهةً. لديَّ عائلتي، ولديَّ أحبائي. ولكني… أشعرُ أحياناً بفراغٍ. فراغٍ لا يملؤهُ إلا ذلكَ الشعورُ بالانتماءِ، والارتباطِ العميقِ الذي كنتُ أشعرُ بهِ معكِ."

"إذاً، هل تسمحينَ لي بأن أُعيدَ هذا الشعورَ إلى حياتِكِ؟" قالَ أحمدُ، وهوَ يمدُّ يدَهُ مرةً أخرى. "هل تسمحينَ لي بأن نُعطيَ حبَّنا فرصةً أخرى؟ فرصةً لِقَصةٍ جديدةٍ، قصةٍ تُبنى على أساسٍ قويٍّ، على الصدقِ، والوفاءِ، وعلى ما يُرضي اللهَ؟"

ترددتْ ليلى. كانتْ كلماتُهُ تُلامسُ أعماقَ قلبِها، ولكنَّها كانتْ تخشى أن تُعيدَ فتحَ جرحٍ قديمٍ، أو أن تُعطيَ أملاً لا يتحققُ. "يا أحمدَ، الأمرُ ليسَ بالسهولةِ التي تتخيلُها. لديَّ عائلتي، وأنا أخشى أن أُسببَ لهم ألماً. وأنتم أيضاً، لديكم عائلتكم."

"أتفهمُ ذلكَ تماماً." قالَ أحمدُ، وهوَ يشعرُ بخيبةِ أملٍ، ولكنهُ لم يفقدْ الأملَ. "ولكنَّني أعتقدُ أنَّ عائلاتِنا ستتفهمُ، إذا رأوا أنَّ حبَّنا صادقٌ، وأنَّ نوايانا حسنةٌ. أرى أنَّ هذهِ اللحظةَ هيَ فرصةٌ لنا جميعاً لِتُصلحَ ما أفسدتهُ السنينُ. أرى أنَّ هذهِ هيَ إرادةُ اللهِ."

"ولكنْ، هل أنتَ مستعدٌ لتحملِ مسؤوليةِ هذا القرارِ؟" سألتْ ليلى، وعيناها تبحثانِ في عينيهِ عن تأكيدٍ. "هل أنتَ مستعدٌ لِأن تُصارحَ عائلتَكَ، وأن تُقدمَ لي ما تستحقُّهُ؟"

"نعم يا ليلى." أجابَ أحمدُ بحزمٍ، وشعرَ بقلبِهِ ينتفضُ فرحاً. "أنا مستعدٌ لأن أُقدمَ لكِ كلَّ ما تستحقُّهُ، وأن أُبنيَ معكِ حياةً كريمةً، حياةً تُرضي اللهَ. سأتحدثُ معَ والديَّ، وسأطلبُ يدَكِ رسمياً. لن يكونَ هناكَ أيُّ تسترٍ، أو أيُّ خداعٍ. كلُّ شيءٍ سيكونُ واضحاً، وشفافاً."

ابتسمتْ ليلى ابتسامةً واسعةً، وكأنَّ الشمسَ قد أشرقتْ في قلبِها. "إذاً، أنتَ جادٌ في هذا الأمرِ."

"أكثرُ مما تتخيلينَ." قالَ أحمدُ، وبدتْ عيناهُ تلمعانِ ببريقِ الأملِ. "لم أكنْ لأقومَ بهذهِ الخطواتِ لولا أنَّ قلبي اختارَكِ، وأنَّ روحي شعرتْ بأنَّنا ننتمي لبعضِنا البعضِ."

"حسناً يا أحمدَ." قالتْ ليلى، وهيَ تمسكُ بيدهِ. "إذاً، دعنا نُقدمُ على هذهِ الخطوةِ، ولكنْ بحكمةٍ ورويةٍ. ولنُصلِّيَ لِأن يُوفقنا اللهُ لما فيهِ الخيرُ."

" آمين." قالَ أحمدُ، وشعرَ بأنَّ هذهِ اللحظةَ هيَ بدايةُ حكايتهم الحقيقيةِ.

نظرا إلى بعضِهما البعضِ، وفي عينيْهما وعدٌ جديدٌ، وأملٌ لا ينتهي. كانتْ رياحُ الياسمينِ تُعانقُهما، وكأنَّها تُباركُ قرارَهُما. لم تكنْ رحلةً سهلةً، ولكنَّها كانتْ رحلةً تستحقُّ العناءَ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%