قصة حب الجزء الثالث

أشباح الماضي ورداء الشهوة

بقلم ليلى الأحمد

كانت أيام عمر في المدينة الجامعية تمر ثقيلة، لا تشبه حلاوة أيامه الأولى، بل يلفها ضباب كثيف من القلق والتيه. لم يعد ذلك الشاب المنطلق، الشغوف بالعلم، والذي كان يرى في المستقبل بصيص أمل يتلألأ. بل أصبح طيفًا يجر أذيال الخيبة، يركن إلى زوايا غرفته كأنها ملجأه الأخير من عالم بات يرمقه بنظرات اتهام. اعتزل الأصدقاء، وتجنب اللقاءات، وباتت مكتبته الجامعية، التي كانت يومًا ملاذه، مصدرًا لآلامه. كل كتاب يقلبه، وكل سطر يقرؤه، يعيده إلى تلك اللحظة التي سرقت منه أحلامه.

في داخله، كان صراعٌ مريرٌ يدور. رغبةٌ جارفةٌ في نسيان ما حدث، وفي استعادة تلك البراءة التي اغتالتها لحظة ضعف. وإلى جانبها، كان يدرك جيدًا أن النسيان ليس حلًا، وأن الهرب لن يجدي نفعًا. كان صوت العقل، الذي لطالما كان مرشده الأمين، يئن تحت وطأة الشهوة الغاشمة التي استولت على تفكيره. تلك الشهوة التي انسلّت خفية، متخفيةً في ثوب الملل والوحدة، لتصبح سيده الجديد.

لم يكن الأمر مجرد انحراف عابر، بل كان إدمانًا حقيقيًا، سهمًا سامًا يسري في عروقه، يسلب منه قوته، يسرق منه إرادته. كان يقضي ساعات طويلة في غرفته، يغلق الباب على نفسه، يرفض الرد على اتصالات أهله أو أصدقائه. يفتح هاتفه، يتصفح صورها، يتذكر ابتسامتها، ثم يغرق في دوامة من المشاعر المتضاربة: الحنين، والشوق، والندم، والرغبة. كانت صورها، التي لطالما كانت مصدر إلهامه وسعادته، تتحول الآن إلى فتنةٍ وابتلاء.

في إحدى الليالي، بينما كانت المدينة تغرق في سكون الليل، استيقظ عمر على نداءٍ داخليٍّ لا يقاوم. مد يده إلى هاتفه، أضاءت الشاشة، واحتضنت عيناه صورتهما معًا، تلك الصورة التي التقطتها له في يوم تخرجه. كان وجهها يبتسم، وكانت عيناها تشعان بالحب والثقة. تنهد بعمق، وشعر بغصةٍ في حلقه. تذكر كلماتها الأخيرة، وصوتها الهادئ وهي تقول له: "أنا معك يا عمر، في كل خطوة."

لكن هل كان هو معها؟ هل كان يستحق تلك الثقة؟ تساءل بمرارة. لقد خانها، ليس بخيانته الجسدية، بل بخيانته لأمانتها، وللعهد الذي قطعه على نفسه. خان قيمه، خان مبادئه. لقد سمح لشيطانٍ صغيرٍ في داخله بأن ينمو ويكبر، وأن يستولي على قلبه وعقله.

جلس على حافة سريره، يحتضن رأسه بين يديه. الدموع تترقرق في عينيه، لكنها لم تجد طريقًا للنزول. كان الألم أكبر من أن يُترجم بالبكاء. شعر بعبءٍ ثقيلٍ يطبق على صدره، كأن جبلًا قد انهار عليه. كان يشعر بالوحدة، بالضياع، وبالخوف. الخوف من أن يصبح ألعوبةً بيد شهواته، وأن يفقد نفسه للأبد.

تسلل إلى ذهنه وجه شيخه، شيخ المسجد الذي اعتاد اللقاء به. كان وجهًا يفيض بالسكينة والحكمة. تذكر نصائحه، كلامه الرصين عن قوة الإيمان، وعن قدرة الإنسان على التغلب على نفسه. "يا بني، الشدائد هي المصقول الذي يصقل الأرواح، وهي الميزان الذي يزن به الإنسان حقيقته." كانت تلك الكلمات ترن في أذنيه، لكنه كان يشعر بعجزٍ كبيرٍ عن تطبيقها. كيف يتغلب على شهوةٍ استحوذت على كيانه؟

لم يعد لديه قوةٌ للمقاومة. فتح تطبيقًا كان قد حذفه مرارًا ثم أعاد تثبيته. تطبيقٌ كان يضم صورًا ومشاهد، لم يعد يتذكر كيف وصل إليه. تصفحها بإصبعٍ مرتجف، وشعر بارتفاعٍ غريبٍ في حرارة جسده. كان عقله يصرخ بالرفض، لكن جسده كان يخونه، يستجيب لنداءٍ قديمٍ ملح.

في تلك اللحظة، أضاء هاتفه برسالة. كانت من والده. "أتمنى أن تكون بخير يا بني. رأيتك متعبًا في آخر زيارة، هل كل شيء على ما يرام؟"

توقف عمر. نظر إلى الرسالة، ثم إلى الشاشة المضيئة أمامه. صورةٌ كانت ستُوقعه في فخٍ أعمق. نظر إلى اسم والده، وشعر بوخزةٍ من الندم. والده الذي عمل بجدٍّ ليؤمّن له مستقبلًا أفضل. والدته التي تدعو له في كل صلاة. أخته الصغيرة التي تنظر إليه كبطلها. هل سيستمر في خذلانهم؟

وضع هاتفه جانبًا، وأغلق التطبيق. تنفس بعمق، محاولًا استعادة سيطرته على أنفاسه. لم يستطع. عاد ليتصفح الصور، ثم غرق في دوامته مرة أخرى. كانت تلك الليلة، كغيرها من الليالي، معركةٌ خاسرة. كان يشعر بأن قوى الشر تتكالب عليه، وأن طريقه إلى الخلاص يبتعد كلما اقترب منه.

كانت اللحظات الأخيرة من الليل أشبه بكابوس. لم ينم، بل قضى الساعات في صراعٍ مريرٍ مع نفسه. عندما بزغ نور الفجر، كان قد استنزف كل ما لديه من قوة. لم يعد قادرًا على الوقوف. انهار على سريره، ورأسه يرتطم بالوسادة. تمنّى لو يبتلعه النوم، ليفرّ من واقعه المرير. لكن النوم لم يأتِ، بل جاءت أشباح الماضي، لتُذكّره بخطئه، وتُغويّه برداء الشهوة.

في صباح اليوم التالي، استيقظ عمر على صوت طرقٍ باب غرفته. كان قد أتى متأخرًا إلى الجامعة، وكالعادة، لم ينتبه أحدٌ لغيابه. كان يخشى أن يرى وجه أمه، أن يرى نظرة الحزن والقلق في عينيها. لكنه كان يعلم أن هذا التهرب لن يدوم. كان يعرف أن أشباح الماضي، ونداء الشهوة، لن يتركاه في سلام. كان يعلم أن عليه أن يواجه، أن يكشف ما استتر، وأن يدفع ثمن ما فعله، مهما كان الثمن. لكن كيف؟ وكيف سيتخطى هذا الجدار السميك من الضعف والشهوة الذي بناه حول نفسه؟ هذا ما كان يجهله، وهذا ما كان يخشاه أكثر من أي شيء آخر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%